الاستفتاء البريطاني:من الحاكم الفعلي في أوروبا؟

رغم فوز الفريق الداعي إلى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في استفتاء الخميس، ورغم انزلاق حملته الدعائية في شعبوية حفلت بالإيحاءات العنصرية وبالتخويف من جحافل الغزاة، فإن الانتقادات الموجهة إلى الاتحاد الأوروبي، منذ ثلاثة عقود على الأقل، ليست كلها نابعة من مجرد كراهية بريطانية لمشروع الاندماج. بل إن الواقع أن الهوة لم تنفكّ تتسع وتتعمق بين النخبة السياسية والإدارية التي تسيّر مؤسسات الاتحاد وبين كثير من القطاعات الشعبية في جميع الدول الأوروبية دون استثناء. ولعل أبرز مظاهر هذه الهوة هو استفحال معضلة ما يسمى بـ»العجز الديمقراطي». بمعنيين. المعنى الأول هو انعدام التمثيلية المباشرة في البرلمان الأوروبي بين النواب والناخبين. والسبب بسيط: إنه انعدام المواطن الأوروبي. إذ ليست هناك آصرة سياسية اسمها المواطنة (أو المواطنية) الأوروبية، كما أنه لا يوجد شعور اسمه الشعور الوطني الأوروبي.
فالناخبون الأوروبيون هم مواطنون قوميون (ألمان وفرنسيون وبريطانيون، الخ.) يصوتون لمرشحين يبقون نوابا قوميين حتى بعد أن يصيروا نوابا في البرلمان الأوروبي.
المعنى الثاني هو تفاقم التناقض بين إدراك الشعوب بأن الطموح الفدرالي الأصلي الذي اجتمعت حوله الدول الست الأولى المؤسسة للمجموعة الاقتصادية الأوروبية، أواخر خمسينيات القرن العشرين، لم يعد الآن قابلا للتحقيق بعد أن صار الاتحاد ناديا فضفاضا من ثمانية وعشرين عضوا، وبين استمرار النخبة السياسية والإدارية التي تدير مؤسسات الاتحاد، خاصة في الجهاز التنفيذي، أي المفوضية، في التشبث بالطموح الفدرالي تشبثا فيه كثير من التعالي على الحقائق القديمة والمستجدة وكثير من الإصرار على تجاهل «الإرادة الشعبية».
ولا يقتصر هذا الإدراك الشعبي، في حالة بريطانيا، على البريطانيين المناهضين لبقاء بلادهم عضوا في الاتحاد وإنما هو يشمل جميع البريطانيين. ذلك أن البريطانيين المؤيدين للعضوية الأوروبية هم أول من ينادي بوجوب إصلاح الاتحاد ووجوب تحرره من الطموح الفدرالي غير القابل للتحقيق، وهم أول من ينعى عليه لا عجزه الديمقراطي فحسب، بل وانفصاله عن الواقع الشعبي وثقل جهازه البيروقراطي ونزعته إلى التقنين في كل شيء (بما في ذلك أحجام الأجبان)وتدخله، في كثير من الحالات، في ما لا يعنيه من شؤون وقوانين هي من صلب اختصاص البرلمانات والمحاكم الوطنية.
ولهذا فقد أحسن الباحث في المعهد الهولندي للعلاقات الخارجية أدريان شوت تلخيص لبّ الخلاف بين الاتحاد الأوروبي وبين جميع البريطانيين عندما قال إنه يبدو أن «قلة من الديناصورات الفدرالية التي تتزعمها بلجيكا يفضلون المجازفة بخسران بريطانيا على خسران الفكرة الغائمة المتعلقة بتعميق الاندماج الاتحادي». هذا رغم أن هذه الفكرة «فقدت جاذبيتها حتى لدى قطاعات واسعة من الجمهور البلجيكي والفرنسي (مارين لوبان) والهولندي (غيرت فيلدرز)والإيطالي (ببي غريللو) «.
أما المفارقة العجيبة فهي أن الفدراليين الأوروبيين يتهمون البريطانيين بأنهم يريدون تحويل الاتحاد إلى مجرد سوق مشتركة لأنهم لا يؤمنون إلا بحرية التجارة (وهذا صحيح)، ولكن الفدراليين أنفسهم قد تنكروا لمبادىء الديمقراطية الاجتماعية التضامنية التي كانت هي أصل الرؤيا الأوروبية الوحدوية، وأصبحوا منذ أوائل ثمانينيات القرن العشرين ساهرين على إدارة إحدى كبريات أسواق الرأسمالية الوحشية، امتثالا بذلك لإيديولوجيا النيولبرالية الاقتصادية ذات المنشأ الأمريكي المعروف. وبذلك لم يعد القرار الفعلي في يد الهيئات السياسية الأوروبية، وإنما هو صار في يد الأسواق المالية العولمية والشركات العابرة للجنسيات. مفارقة عجيبة لا تقع في الأساس من ضلال الاتحاد الأوروبي طريقه فحسب، بل إنها تقع في الأساس من أزمة الديمقراطيات الأوروبية المعاصرة. مفارقة عجيبة عبر عنها مرشح الحزب الاشتراكي الفرنسي للرئاسة فرانسوا أولاند بكل وضوح عندما قال أثناء حملته الانتخابية يوم 22 كانون الثاني (يناير) 2012 «إن خصمي الحقيقي ليس له اسم، وليس له وجه، وليس له حزب ولكنه يحكم. هذا الخصم هو عالم المال».

٭ كاتب تونسي

الاستفتاء البريطاني:من الحاكم الفعلي في أوروبا؟

مالك التريكي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية