السلطات الجزائرية تفرض قبضتها الحديدية على وسائل «الإعلام المتمردة» والصحافيون يصفون ممارساتها بالدكتاتورية

حجم الخط
4

الدوحة ـ»القدس العربي»: تتواصل فصول أزمة الصحافة الجزائرية الخاصة مع السلطات على اثر القرار الأخير الذي أصدره قاضٍ بمحكمة الجزائر العاصمة، لإيداع مدير قناة «كا بي سي» الخاصة، وبعض المنتجين الحبس المؤقت، في مؤشر اعتبره المعنيون محاولات لتطويع الصحف والقنوات الخاصة لمنع أي انتقاد للسلطة في البرامج التي تبثها، ولتدور جميعها في فلكها، وتروج لمادة إعلامية سطحية، لا تلامس الانشغالات الحقيقية والأساسية للمواطنين وإبعادها عن همومهم وتطلعاتهم.
أزمة مجمع «الخبر» الذي يضم صحيفة يومية وقناة تلفزيونية، بدأت تأخذ أبعادا ومنحنيات خطيرة، انطلاقا من السعي لتجفيف مداخيلها والحيلولة دون حصولها على الإشهار، ثم رفض الوصاية محاولة المالكين بيع أسهمهم لرجل الأعمال يسعد ربراب، وتجميد الصفقة، لتصل إلى التضييق على نشاطها، ومنع بث أشهر برامجها التلفزيونية التي تسجل تفاعلا واسعا، وصولا إلى توقيف مسؤولين من المحطة ووضع مدراء تحت الرقابة القضائية.
شرارة الأزمة التي انطلقت من «الخبر» وصلت سهامها إلى صحيفة «الوطن» الخاصة والناطقة باللغة الفرنسية التي مُنعَ مسؤولوها من الانتقال إلى مقرهم الجديد بدواع تقنية تتعلق بالتراخيص الخاصة بالمنشأة.
وسريعا اتضحت الصورة للمراقبين والمتابعين والعاملين في المجال الذين ترجموا التحركات الأخيرة للسلطات، وعلى رأسها وزارة الاتصال، ومن يقف خلفها، وتحريك العدالة وفق هذا المنظور، على أنها تحرشات عنيفة ضد المؤسسات الإعلامية التي لا تغرد خارج سربها، وتنتقد ممارساتها وتفضح كبار المسؤولين في الدولة وتصرفاتهم.
وأحالت السلطات مؤخرا مهدي بن عيسى، مدير قناة «كا بي سي»، الذي احتجزته ليومين تحت النظر على وكيل الجمهورية ثم عرضته على قاضي التحقيق الذي أمر بإيداعه الحبس المؤقت في انتظار محاكمته.
واستبق قرار توقيف مدير المحطة مع منتجين للبرنامج، ومديرة مركزية في وزارة الثقافة، بمداهمة لقوات الدرك الوطني الجزائرية، لاستديو برنامج «ناس سطح» الذي تبثه القناة وأمرت بتوقيف التصوير، وهو البرنامج الثاني الذي يتم إيقافه في ظرف أسبوع بعد برنامج «كي حنا كي الناس» الساخر هو الآخر على قناة «كا بي سي» الذي تم تشميع استديوهات تصويره وهو برنامج سياسي يستضيف فيه مقدمه الذي يشاركه الحوار صحافيان عددا من السياسيين والمعارضين للنظام الحاكم.
واستقطب برنامج «ناس السطح» الذي كان يبث منذ مطلع شهر رمضان شعبية كبيرة في الجزائر، ويتناول في قالب ساخر الوضع السياسي في البلاد وتقوم فكرته على عرض نشرة أخبار خاصة يتم فيها استضافة ممثلين يؤدون أدوار شخصيات سياسية بارزة، ولم يستثن أحدا من المسؤولين بما في ذلك الرئيس عبد العزيز بوتفليقة إلى جانب شقيقه وأقرب مستشاريه السعيد وبعض الضباط والجنرالات النافذين في المؤسسة العسكرية. وتؤكد الوصاية من جانبها أن إدارة القناة لا تمتلك التراخيص اللازمة للتصوير، وقامت بتغيير طبيعة البرنامجين من ثقافيين إلى سياسيين دون الحصول على الموافقة، كما تتهمها بالتسجيل في أحد المقرات الذي تم تشميعه سابقا وكان تابعا لإحدى القنوات الممنوعة من البث.

محاولات السلطة لعسكرة الحياة المدنية

واعتبر الإعلامي والصحافي حميدة العياشي مستشار مدير قناة «كا بي سي»  في تصريح خاص لـ»القدس العربي»، أن «الممارسات التي تنتهجها السلطات الجزائرية ضد وسائل الإعلام المستقلة هي محاولة للتضييق على حرية التعبير، ومساع تبذلها لعسكرة الحياة المدنية في البلاد، وتجاوز القوانين والأعراف، في ممارسات قديمة يفترض أنه تم تجاوزها منذ دهر». وقال أن «الجهات المسؤولة تجاوزت واخترقت القانون بشكل صارخ حيث أن الاستدعاءات قام بها الدرك بالرغم من وجود سلطة للضبط من الواجب عليها أن تكون هي المسؤولة عن تسيير قطاع السمعي البصري، وليس الجهات الأمنية التي تنفذ القرارات». وأوضح العياشي أن حجة السلطات بغياب ترخيص خاص للتصوير هو تجاوز للقانون وتجن على الحقيقة بما أن التعلل بالترخيص يمكن أن يفهم في حال كان التصوير خارجيا للأماكن الحساسة والعمومية لوضع الجهات في الصورة، أما أن يكون تصوير حلقة داخل استديو مغلق وفي منشأة خاصة واحتجاز المسؤولين في المحطة بناء عليه، فهي دلالة على سعي من يقف خلف الأمر إلى تخويف الإعلاميين وثنيهم عن أداء دورهم».
وكشف أن ما يحدث «يؤكد صحة الأنباء عن وجود صراع في أجنحة السلطة، ساهم في حدوث هذه التجاوزات، التي تنم عن خوف ووجل من التطورات الحاصلة في المشهد العام في البلد». وفي رده على سؤال حول دوافع منع الحصتين بعيدا عن الحجج الشكلية التي تم إبرازها، يؤكد مستشار مدير القناة، وأحد المشاركين في الحصة السياسية الساخرة، أن برنامج «كي حنا كي الناس» استقطب اهتماما منقطع النظير من أفراد المجتمع وسجلت متابعة واسعة من الجمهور الذي تفاعل معها، سيما وأنها استدعت أبرز وجوه المعارضة السياسية، وانتقدت علنا السلطة، وأصبحت مطلوبة لدى المشاهد مما حذا بالسلطات إلى وقفها.
ويشدد العياشي على أن القرارات الأخيرة التي تم اتخاذها الهدف من ورائها توجيه رسائل إلى المؤسسات الإعلامية، لترهيبها وثنيها عن تنفيذ أي مبادرات تزعجها، أو أن تقوم بفتح نقاش جاد. واستدل العياشي الذي كان هو الآخر ضحية إيقاف صحيفتين يملكهما عن النشر في 2004 ناطقة باللغتين العربية والفرنسية «الجزائر نيوز»، استدل في التأكيد على النهج الحاد الذي تتخذه السلطات في وجه الإعلام الحر بـ«سلسلة القرارات التي تم اتخاذها لوقف عدد من القنوات مثل «الأطلس» أو «الوطن» بحجج ودواع واهية استغلت مطية للتضييق على الإعلام الحر بوصفه».
ووصف ما تتعرض له «الخبر» وحتى صحيفة «الوطن» الخاصتين بالممارسات الدكتاتورية للسلطة للتضييق على الإعلام الحر والتخلص من المكاسب التي حققتها الجزائر خلال سنوات عدة بذرائع تقنية وشكلية واهية استغلت للتغطية على الهدف الحقيقي الكامن وراء الموضوع الأساسي وهو رغبتها في صحافة على المقاس.

تحرشات للسلطات بصحيفة أخرى

الجمهور المتابع للأزمة الحالية للسلطة مع مجمع «الخبر» مع فصولها المتعددة وأبعداها، تفاجأ بالمسلسل الجديد الذي امتد لصحيفة خاصة ثانية هي «الوطن» والتي منع موظفوها ومسؤولوها من دخول مقرهم الجديد. وطرح الأمر عدة تساؤلات عن التطورات اللاحقة التي سيشهدها المجال الإعلامي في الجزائر، الذي زادت فيه القبضة الحديدية للوصاية، والتي هددت على لسان الوزير الأول، عبد المالك سلال، بغلق عشرات القنوات الخاصة.
وقالت صحيفة «الوطن» في بيان صدر عنها «إن رجال الشرطة منعوا الصحافيين والعاملين في الصحيفة من دخول المقر الجديد».
وتحججت السلطات على لسان مصالح ولاية الجزائر أن الموقع الجديد لمجمع «الوطن» الصحافي غير مطابق لرخصة البناء الأصلية.
ويرفض وزير الاتصال حميد قرين الذي يُتهمُ بتأجيج السلطات على الصحافة المستقلة في الجزائر، وتنفيذ أجندتها الخاصة، لتركيع المؤسسات إعطاء رأيه حول تفاصيل القضية، خصوصا بيع الخبر التي كانت النقطة الأولى، ولم يقم بالرد المباشر على الاتهامات التي تستهدفه شخصيا على اعتبار أن القضية أمام العدالة المؤهلة في الفصل فيها، لكنه يوضح أن صفقة التنازل ليست قانونية.

تراجع في التصنيف الدولي

التضييق الذي تتعرض له الصحف والمؤسسات الخاصة في الجزائر وممارسات السلطة لوأد التجارب الحقيقية، جعلها تحتل في ترتيب منظمة «مراسلون بلاحدود» لحرية الصحافة الصادر في نيسان/أبريل الماضي المرتبة التاسعة عربيا، والمرتبة 119 عالميا، متراجعة بـ 10 مراكز عن ترتيبها في سنة 2015 حسب المنظمة ذاتها.
كما أن تقرير الخارجية الأمريكية حول حقوق الإنسان في العالم بخصوص حرية التعبير ذكر أنه بالرغم من المصادقة سنة 2012 على قانون جديد حول الإعلام يمنع من إصدار أحكام بالسجن «للجرائم المتعلقة بالتعبير» فإن السلطات الجزائرية واصلت متابعة وحبس نشطاء حقوق الانسان من خلال استخدام القانون الجنائي.
واستدل التقرير بالقيود الصارمة المفروضة على حرية وسائل الإعلام في الجزائر موضحا أن «الحكومة تفرض ضغوطات كبيرة وتمارس مضايقات سواء على وسائل الإعلام أو على الصحافيين وتستحوذ على الإشهار».

 

السلطات الجزائرية تفرض قبضتها الحديدية على وسائل «الإعلام المتمردة» والصحافيون يصفون ممارساتها بالدكتاتورية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية