الإعلانات الرمضانية تستفز المجتمع المصري وتصنع أزمة اقتصادية

حجم الخط
1

القاهرة ـ «القدس العربي»: لا يقتصر الموسم الرمضاني على السباق الماراثوني للأعمال الدرامية فقط، وإنما يمتد ليشمل منافسة من نوع آخر، وهي الإعلانات الجديدة سواء للسلع الغذائية أو الشقق السكنية أو حتى لأنظمة شركات الاتصالات أو لإعلانات التبرع للمؤسسات مثل مؤسسة مجدي يعقوب للقلب أو مستشفى سرطان الأطفال وغيرها. وتنفق الشركات المعلنة مبالغ طائلة في محاولات للفوز بأعلى نسب مشاهدة لجذب النجوم المحبوبين للمشاركة في إعلاناتها، حتى تضمن تعاطف جمهور النجم مع منتجاتها.
ويشهد الموسم الرمضاني الحالي مشاركة أعداد هائلة من نجوم الصف الأول في الإعلانات، حتى أن إعلانا واحدا لإحدى شركات الاتصالات ضم عشرة من نجوم الـ»فيرست كلاس».
وتمتلئ إعلانات هذا العام بكثير من عناصر الإبهار والبذخ، مثل: السيارات الفارهة، والبدل والفساتين «الشيك»، والفلل والأثاث الراقي، بينما تعج شوارع القاهرة بالقمامة والعشوائيات والفقر المدقع، وهو ما أثار استياء وغضب الرأي العام. ويرى البعض أن من الأفضل صرف الأموال على المشروعات وإنهاء الفقر وتصليح خطوط الغاز ومصارف المياه وإعداد شبكات الكهرباء وإصلاح البلاد من الفساد وتطوير التعليم وغيره من المشكلات اليومية التي يواجهها المجتمع المصري.
وعن أسعار الإعلانات وقيمة عرضها على القنوات الفضائية، تعتبر قناة» ام بي سي مصر» الأغلى، حيث تبلغ قيمة حزمة الإعلانات مليونا و200 ألف، تتضمن عرض 250 إعلانا، مدة كل واحد منها 30 ثانية. أي أن قيمة الإعلان الواحد تبلغ 4800 دولار.
وتأتي في المرتبة الثانية مجموعة قنوات «سي بي سي» الفضائية، وتصل كلفة الحزمة إلى مليون و125 ألف دولار، وتتضمن 240 إعلانا، مدة كل واحد منها 30 ثانية، أي أن كلفة الإعلان الواحد تكلف 4687 دولارا.
ويحتل تلفزيون «الحياة» المرتبة الثالثة، لتبلغ قيمة الحزمة مليونا و13 ألف دولار، تتضمن 330 مساحة إعلانية، لـ 30 ثانية كل منها، أي أن قيمة الإعلان الواحد 3070 دولارا.
وقال الدكتور محمود موسى، الخبير الاقتصادي، لـ»القدس العربي»:»أن الإعلانات المعروضة حاليا تعد محل استفزاز في بعض الأحيان لدى الكثير خاصة الفقراء. وعلى مواقع التواصل الاجتماعي تستفز بعض المشاهدين من شدة التكاليف وعدد الشخصيات المشهورة».
وأكد «أن هناك جانبا اقتصاديا يغيب عن المعلنين وهو ان الاضطلاع بجزء من المسؤولية الاجتماعية سوف يؤدي إلى تحسين الأوضاع الاقتصادية لشريحة إضافية من المواطنين».
وأوضح: «أن الأسوأ هو زيادة الإسفاف والابتذال والإيحاءات الجنسية، وهو ما لا يحترم عقلية وخصوصية الجمهور، فضلًا عن طول مدة الإعلان بين المسلسلات أو البرامج وبعضها، ما يجعل المشاهد مُشتتًا فيما يراه».
وقالت الدكتورة هويدا مصطفى، أستاذة الإعلام في جامعة القاهرة :» اندهش من عدم الالتزام بالقرارات التي صدرت بوقف عدد من الإعلانات التي لا تتفق مع المعايير والقواعد المهنية والمجتمعية٬ فلابد أن تكون هناك مسؤولية على القنوات التي تذيع مثل هذه الإعلانات ولابد أيضا أن يخضع مضمون ومحتوى الإعلان لجهات توافق على عرضه حتى يكون متوافقا مع مواثيق الشرف الإعلانية ويخضع لمعايير صناعة الإعلام٬ التي نحن للأسف بعيدون كل البعد عنها، ومنها نسب الإعلانات داخل العمل الدارمي. حيث أنه يوجد حد أقصى لنسب الإعلانات في الأعمال وما يتم عرضه لا يتناسب أبدا مع النسب الطبيعية المقررة٬ كما يتعارض مع الذوق العام٬ وأطالب بتطبيق مواثيق الشرف كما يحدث في كل الدول والحاق كل محطة بكتاب خاص لتقييم المحتوى ومتابعة كل ما يعرض حتى تتوقف الفوضى التي تحدث حاليا على الشاشات٬ ويزداد الوعي».
وفي السياق نفسه، أثارت إعلانات شهر رمضان استياء رواد مواقع التواصل الاجتماعي، إذ يرى البعض أنها توجيه سافر للمجتمع المصري نحو النمط الغربي، فيما أكد آخرون أنها تهدم قيم الأسرة بما تحمل من إيحاءات وألفاظ جنسية وبذخ يستفز الفقراء، خاصة في ظل دعوات للتبرع في زمن غلاء الأسعار والتقشف وربط الحزام.
وعن الإعلانات المخالفة لقيم المجتمع المصري الأخلاقية، كان جهاز حماية المستهلك في مصر أصدر قرارا بوقف بث عدد من الإعلانات التلفزيونية التي قد بدأ بثها خلال شهر رمضان الكريم، بسبب مخالفتها للقانون وعدم التزامها بالآداب العامة.
وأكد الجهاز في بيان له، «أن إعلانات شركات جهينة لمنتجات الألبان، والأهرام للمشروبات الغازية، وقطونيل للملابس الداخلية، ودايس للملابس الداخلية.. تنتهك الكرامة الشخصية، ولا تحترم الذوق العام، والعادات والتقاليد المجتمعية، وتستخدم الأطفال في أنشطة مخالفة للقانون».
وعلى الرغم من ذلك، رفض عدد من الشركات وقف إعلاناتهم، في حين قام عدد منهم بتعديل الجزء السيئ من الإعلان لضمان استمراره.
وردا من الشركة على قرار «حماية المستهلك» بوقف إذاعة الإعلان، أكدت شركة جهينة «أن الإعلان ليس فيه أي شيء مما تم تداوله عن الايحاءات الجنسية، وأن عدم بثه يعود إلى انتهاء الفترة الزمنية لحملتها الإعلانية الخاصة به، وليس لقرار جهاز حماية المستهلك».
ودافعت هالة مهران، مخرجة إعلان «قطونيل»، عن محتواه وعبرت عن استيائها من قرار جهاز حماية المستهلك بوقف بثه، لافتة إلى أنها لا تعترف بالقرار؛ لأنه لم يخرج من جهة الاختصاص، وأكدت أن الرقابة أجازت الإعلان وأشادت به قبل عرضه.
ولم يختلف الحال كثيرًا في إعلان «بيريل»، خاصة أن ما اعتمدت عليه شركة «الأهرام للمشروبات» كان مشابهًا لما تعتمد عليه كل عام في إعلاناتها، وهو ترسيخ مبدأ التفرقة العنصرية بين الرجل والمرأة، مستخدمين شعار «استرجل»، والعديد من الإيحاءات الجنسية غير اللائقة.
ومن جهة أخرى، يلهث التلفزيون المصري وراء الإعلانات لمحاولة الحصول على أي جزء من التورتة، في محاولة لوقف نزيف الخسائر التي يتكبدها، والديون المتراكمة، التي وصلت حالياً لأكثر من 20 مليار جنيه.
وتكمن المشكلة في الفترة الإعلانية التي تسبق آذان المغرب، وهذه فترة روحانية لكل مسلم يجب أن يستمع فيها للقرآن الكريم أو ابتهالات الشيوخ.
وبسبب الفترة الإعلانية، فإن حديث الشيخ الشعراوي الذي يذاع في السادسة والربع لا يزيد على عشر دقائق، وربما أقـــــــل ويبدو مبتوراً وتذاع بعده وقبله أيضاً إعلانات، وأن آذان المغــرب لا يتجاوز خمس دقائق على أكثر تقدير عقب القرآن وتذيع القناة الأولى 12 دقيقة متواصلة من الإعلانات حتى موعد الآذان.

الإعلانات الرمضانية تستفز المجتمع المصري وتصنع أزمة اقتصادية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية