قبل ان تطرح رواية الفتنة للكاتب والسياسي العراقي كنعان مكية بنسختها العربية في الأسواق، انهالت التحليلات والتوقعات المصحوبة بالكثير من الشتائم على الكاتب، الذي تحول إلى رمز لعرابي السياسة العراقيين الذين قدموا مع قوات الاحتلال الأمريكي، بل تحول كما يصفه الكثير إلى عراب الاحتلال الأول والأهم. لذلك جاءت الكتابات التي تناولت روايته الأخيرة مشحونة بعدم الموضوعية، كما ان هذه الرواية كثيرا ما وصفت بانها اعتذار أو إعلان براءة من مواقف مكية السابقة، فهل كانت كذلك؟ ولماذا كتب مكية شهادته التاريخية على شكل رواية وليس كتابا سياسيا؟ ولماذا أصدر كتابا آخر متزامنا مع صدور النسخة العربية هو «هوامش على كتاب الفتنة» وكأنه كتالوج يوضح ما خفي على المتلقي عند قراءته للرواية؟ وهل كانت النسخة العربية للرواية مطابقة للنص الانكليزي للعمل الذي صدر تقريبا بالتزامن مع النسخة العربية بعنوان مختلف هو، الحبل «The Robe»؟
بات معلوما اليوم ان الرواية هي الجنس الأدبي الذي يجمع الكثير من أنواع وأجناس الكتابة الأخرى، من المقال إلى المذكرات وحتى النصوص الشعرية المفتوحة وغيرها من أنواع الكتابة، لكن يبقى هناك ما يسميه النقاد الخيط الإبداعي في العمل الروائي الذي يميزه عن غيره من أنواع الكتابة، ويبقى للخيال الدور المركزي الذي يفرق بين العمل الإبداعي السردي والتقرير أو الكتابة السياسية المحضة، وقد عُرف كنعان مكية وحصل على شهرته عندما هجر اختصاصه (الهندسة المعمارية) بداية الثمانينيات من القرن الماضي وتفرغ للكتابة السياسية بالرغم من كتابته باسم مستعار هو سمير الخليل، ومع هذا التغيير تحول الشاب التروتسكي، نصف البريطاني (من ناحية الأم) الذي قاتل مع منظمة التحرير الفلسطينية في عقد السبعينيات إلى أحد المقربين من صقور المحافظين الأمريكيين، بل عده البعض مخلب القط في قبضة المحافظين الجدد في حقبة التسعينيات وأصبح استاذا للدراسات الإسلامية والشرق أوسطية في الأكاديميات الأمريكية. وبالرغم من انه لم ينتم لحزب سياسي معارض إبان حقبة حكم الرئيس صدام حسين، إلا انه كان أحد الرموز المهمة في المعارضة العراقية في تلك الفترة.
صدرت لمكية بالعربية ثلاثة كتب سياسية، وربما صنع كتابه الأول «جمهورية الخوف» الذي صدر عام 1989 شهرته بعد ان اجتاح صدام حسين الكويت، حيث سلط الضوء على كل وثيقة تدين نظام صدام، بينما لم تحظ روايته الأولى «الصخرة – قصة القدس في القرن الأول الهجري»، بأهمية تذكر حتى انها لم تترجم إلى العربية. وهنا نتساءل لماذا عمد مكية إلى كتابة شهادته عن عراق ما بعد صدام حسين بشكل روائي؟ لماذا لم يكتب شهادة سياسية على حقبة كان أحد الفاعلين في تشكيلها؟ وهنا تظهر أولى بودار الشك في مواربة كنعان مكية. بالتأكيد الكاتب حر في اختيار الشكل الذي يحب ان يكتب به. لكن الشكل السردي الذي قدمه مكية للمتلقي فيه تملص واضح من التأشير على الأحداث والمسميات بأسمائها الحقيقية، وليس هناك روائي في العالم يكتب رواية ثم يلحقها بكتاب أشبه بالكتالوج يوضح فيه ما عناه بالرواية، وهذا ما كان في كتاب «هوامش على كتاب الفتنة» الذي صدر بالتزامن مع صدور الرواية وعن دار النشر نفسها.
وربما نتيجة قلة خبرة كنعان مكية في الكتابة السردية، وانغماسه في الكتابة السياسية نراه قد تعامل مع «الفتنة» وكأنها كتاب بحثي. فالروائي غير مطالب بالبوح بمصادر كتابته أو القراءات التي أثرت عليه، بينما في الكتابة البحثية يكون هذا الأمر وهوامش البحث من الملزمات الأساسية في الكتابة، لذلك نفاجأ في نهاية الرواية، بأشارة مكية إلى مصادر معلوماته وشكره لمن مده بالمعلومات، بل حتى الفصل الذي كان الأهم سرديا في العمل حيث يحلق الكاتب فيه بعيدا عن التوثيقية، وهو الفصل الحواري بين الطاغية وبطل العمل أثناء انتظار تنفيذ حكم الإعدام، يحيله مكية إلى مصدره في أعمال دوستويفسكي وتحديد العمل الذي تأثر به.
وإذا تناولنا «الفتنة» كعمل سردي بالتحليل النقدي، نجدها رواية يمكن تصنيفها بانها عمل سياسي أولا وأنها رواية توثيقية تتكئ على معطيات تاريخية قريبة، ما تزال الكثير من أحداثها طازجة في ذهن المتلقي، وهنا يكون السارد في مأزق حقيقي يتمثل في إعادة سرد قصة يعرفها المتلقي بتفاصيلها، لكنه يستمر في القراءة بحثا عن المخبوء أو غير المعلن الذي قد يكون السارد عالما به وسيقدمه له، حتى ان كان في قناع درامي، وهذا ما لم ألمسه في «الفتنة» التي تعكزت على شهادات مكتوبة أو شفاهية من مصادر وأشخاص كان لهم دور في الأحداث مثل الصحافي معد فياض الذي رافق السيد مجيد الخوئي في رحلته حتى آخر دقائق سبقت مقتله، والتي نشرها في كتاب عن الحادثة. كما ان نمط التقريرية أوقع السرد في ترهل ممل عندما تناول مكية كتابة البطل لورقة أو تقرير عن الحركات المسلحة في العراق في 2005 قبيل اشتعال الحرب الأهلية الطائفية، فكان الفصل بالإضافة إلى طوله، مملا في تفاصيله غير الدقيقة من حيث المسميات والأرقام، حتى يجعل المتلقي يشعر وكأنه يقرأ صفحة سيئة من صفحات «موسوعة ويكيبيديا» التي يحررها هواة.
أما من حيث بناء شخصيات العمل، فقد كانت في الأعم الأغلب مهزوزة وغير متقنة، فالشخصية المحورية أو بطل العمل الذي جاء غفلا من اسم يدل عليه، شاب نجفي غيب والده إبان أحداث الانتفاضة عام 1991 وتولى تربيته عمه الصارم وهو أيضا غفل من الاسم وكذلك الجد ذو التاريخ الشيوعي، وبالعودة إلى بطل الرواية الذي كان شابا نجفيا تربى في أزقة وحارات النجف، وكان عمره في مفتتح العمل 24عاما في 2003 يتصرف وكأنه طفل أو صبي. فعندما يعثر على جثة مجهولة في الزقاق قرب بيتهم، يبقى يعاني ويتساءل لأكثر من سنة ويحاول اللجوء إلى امه أو عمه بحثا عن جواب عن هوية القتيل، بينما العراق والعالم كله سمع عبر الاذاعات قصة مقتل السيد عبد المجيد الخوئي في اليوم نفسه في 10 نيسان/ابريل 2003 الذي تزامن مع سقوط النظام. كما ان فتى بعمر 13عاما شهد هول اقتحام قوات الحرس الجمهوري لمدينته عام 1991 ولم يبق في ذاكرته أي شيء عن الموضوع، وهذا ما نكتشفه من حواراته مع والدته، بالتأكيد هو شخص متخلف عقلا أو أبله. ففتى الـ 13 عاما من عمره في مدينة صغيرة كالنجف عادة ما يكون على معرفة بكل تفاصيل ما يدور في مدينته، لان الفتيان في هكذا عمر وفي مدينة مثل النجف يقضون في الشارع وقتا أكثر مما يقضونه في البيت.
كما ان بنية السرد ذاتها جاءت غير متوازنة، فاختلط سرد الشخصية المحورية بضمير المتكلم، مع سرد الراوي العليم الذي استخدم في الكتاب ضمير المتكلم أيضا، ما أربك المتلقي وشوشه وسبب التباسا وعدم وضوح شخصية المتكلم مع الفرق الجوهري بين صوت الشخصية والسارد العليم. كما ان تقسيم العمل إلى ثلاثة أجزاء جاء دون مبرر بنائي في العمل، فالجزء الأول الذي مثل مدخلا قائما على قصة اعدام صدام صبيحة العيد امتد على 20 صفحة فقط ، والجزء الثالث شغل صفحتين ثم اتبع بخاتمة وتفاصيل أخرى خارجة عن العمل، بينما شغل الجزء الثاني جسد السرد كليا وامتد على حوالي 280 صفحة ما غيب التوازن البنائي الذي كان بامكان الكاتب استخدامه بطريقة أفضل.
الجزء الثاني من الرواية كتب عبر تحقيب زمني يتطابق فيه زمن السرد مع الزمن التاريخي برتابة توثيقية دون استخدام أي تكنيك سردي مثل القفزات الزمنية، مع بعض الاستثناءات عبر تقنية الفلاش باك التي استعملت لتعرف المتلقي بحكاية الأب وقصة إختفائه وعلاقته القديمة بالسيد عبد المجيد الخوئي.
ان الإحساس الذي يطغي على متلقي العمل باللغة العربية انه عمل كتب للمتلقي الغربي أو الأمريكي بشكل خاص، حيث يقدم له الكاتب حكاية العراق المعقدة على طريقة الوجبات السريعة، إذ يختزل الصراع الشيعي إلى صراع بين بيتين من بيوتات المراجع، ويقدم له صورة الطاغية بطريقة دوستويفسكية فانتازية عبر الحوارية الطويلة بين البطل والطاغية امتدت على صفحات فصل كامل. وما يثير الريبة أكثر في عمل مكية الأخير، وبالرغم من النقد الواضح للطبقة السياسية الشيعية في عراق ما بعد صدام حسين، هو احتواء النسخة العربية على الاعتذار الذي كتبه في نهاية العمل بينما لم تحتو النسخة الانكليزية على هذا الاعتذار، فهل كان مكية بمواربته تلك يقدم للقارئ العربي ما يحب ان يخفيه عن القارئ الأمريكي؟ أعتقد ذلك.
كنعان مكية: «الفتنة»
دار الجمل، بيروت 2016
364 صفحة
صادق الطائي