بغداد ـ «القدس العربي»: عكس دخول معركة تحرير الفلوجة شهرها الثاني، شراسة المعارك وأهميتها لطرفي الصراع، القوات العراقية المهاجمة ولبقايا تنظيم «الدولة» المتحصنين في أنقاض المدينة وأحيائها الشمالية والغربية التي احتلوها منذ بدايات 2014 ، مع تفاعلات متشعبة الامتدادات لنتائج المواجهة وخاصة ما يتعلق بمأساة النازحين الذين تمكنوا من الفرار من جوع ورعب التنظيم، ليواجهوا معاناة الاعتقال والتحقيق وسط حرارة الصيف اللاهب بعيدا عن عائلاتهم التي بقيت في قلق حتى تتمكن من مشاهدة أبنائها يفرج عنهم، إضافة إلى تحملهم معاناة البقاء في مخيمات صغيرة لا تتناسب مع أعدادهم ولا تتوفر فيها مستلزمات سوى القليل مما يبقي الإنسان على قيد الحياة.
وازدادت حيرة سكان الفلوجة ومعهم العراقيون من حقيقة الوضع العسكري في ساحة القتال، وسط تضارب التصريحات بين التأكيد الأمريكي بان القوات العراقية لم تحرر سوى الثلث من أحياء المدينة وبين الرواية الحكومية الرسمية بتحرير 80٪ منها حسب إعلان وزارة الدفاع العراقية ان بقايا التنظيم يتركزون في ثلاثة أحياء فقط هي الجولان والتأميم والمعلمين، وان تحريرها سيتم خلال أيام قليلة.
وجاء قرار مجلس الأمن حول الانتهاكات بحق النازحين من الفلــــوجة، ليؤكد المخـــــاوف من وجــــود انتهاكات واسعة بحق النازحين من الفلـــوجة والذي حمّل الحكومة العراقية المسؤولية عما يتعرض له النازحون سواء على يد بعض الميليشيات في الحشد الشعبي أو بعض الأفراد في القوات المسلحة.
وأعلن رئيس مجلس الأمن السفير الفرنسي فرنسوا دولاتر إن «من الأهمية بمكان أن تضمن الدولة العراقية عدم ارتكاب أي عملية ابتزاز أو انتقام ضد المدنيين من قبل جماعات شبه عسكرية» مؤكدا أن المجلس»أعرب عن قلقه إزاء الوضع الإنساني في الفلوجة».
وتناقلت المصادر المختلفة صورا كثيرة عن أوضاع مأساوية يعيش فيها عشرات الآلاف من الرجال المعتقلين الذين يتم فصلهم عن عائلاتهم بعد خروجهم من الفلوجة بهدف التحقق منهم فيما إذا كانوا ضمن الأسماء المؤشرة لدى السلطات بكونهم ضمن عناصر التنظيم او متعاونين معه، مع مخاوف من اختراق الميليشيات للأجهــــزة الأمنية واستــــغلالها في اعتقال المزيد وأخذهم إلى جهات مجهولة، كما حصل سابقا.
ورغم ارتفاع أصوات المعارك فان المناكفات السياسية لم تتوقف بين القوى السياسية والحكومة ومنها تحذير ائتلاف القوى الوطنية وائتلاف الوطنية، لرئيس الحكومة حيدر العبادي من الاستفراد بالحكم وظهور دكتاتورية بشكل جديد من خلال تفرد العبادي باجراء التغييرات على المناصب العليا واصدار وجبة جديدة من اعفاء وتعيين المفتشين في الوزارات دون مشاورة الشركاء أو البرلمان مما يؤدي إلى ترسيخ سيطرة حزب العبادي «الدعوة»على مفاصل الدولة حسب بيان الائتلاف المذكور.
ولم تكن القوى السنية وحدها المعارضة لقرارات تعيين المفتشين، بل أثارت موجة اعتراضات وتشكيك من قوى ضمن التحالف الوطني الحاكم «الشيعي» ومنها التيار الصدري الذي اعتبر ان تلك القرارات الإدارية لا علاقة لها بالاصلاحات بل هي ترسيخ للفساد.
كما انتقدت بعض القوى أداء العبادي في إدارة العمليات العسكرية، حيث عبر رئيس كتلة بدر النيابية وعضو لجنة الأمن والدفاع قاسم الأعرجي، عن «استغرابه تجاه اصرار رئيس مجلس الوزراء القائد العام للقوات المسلحة حيدر العبادي على فتح معركة الموصل قبل اكمال تحرير الفلوجة وارسال القطعات العسكرية على الرغم من عدم موافقة أغلب القيادات العسكرية».
وضمن تداعيات معارك الفلوجة ومع التوجه نحو معركة الموصل الحاسمة، تصاعدت مجددا الدعوات لتقسيم العراق بعد الانتهاء من ظاهرة تنظيم «الدولة» لتجنب استمرار المشاكل بين المكونات حسب دعاة التقسيم.
وإذا كان طبيعيا تكرار اطلاق هذه الدعوات من الطرف الكردي، فان الدعوة جاءت هذه المرة من الحزب الحاكم «حزب الدعوة جناح نوري المالكي وحيدر العبادي» عندما صرح بعض قادته ان حل الأزمات في العراق بعد الانتهاء من تنظيم «داعش»هو في تقسيمه إلى ثلاث دويلات.
وإذا كان البعض يستغرب صدور هذه الدعوة من الحزب المذكور نظرا لتصريحاته المتكررة سابقا برفض تقسيم البلد، فهي لم تثر استغراب المتابعين لسياسة حكومتي نوري المالكي لثمان سنوات التي تميزت بخلق المشاكل والأزمات وتشجيع التعصب الطائفي ليس بين مكونات الشعب العراقي من القوى السياسية فقط، بل وأثمرت عن مجتمع تعصف به الخلافات والنزاعات بكل أنواعها.
وخلال هذا الاسبوع، فجرت مواقف وتهديدات القوى الشيعية العراقية من قضية سحب الجنسية من رجل الدين الشيعي البحريني عيسى قاسم، والتي جاءت كالعادة منسجمة مع مواقف إيران، أزمة جديدة في علاقات الحكومة العراقية مع الدول العربية التي عدتها تدخلا في شؤون البلدان الأخرى ودفع سلطات البحرين إلى استدعاء السفير العراقي لديها وإبلاغه برفض التدخل العراقي بقضية اسقاط الجنسية عن مواطن بحريني، وهي تكرار لمواقف تلك القوى من قضايا مشابهة كما حصل في قضية إعدام المعارض السعودي رجل الدين نمر النمر.