مدريد ـ القدس العربي ـ صوت البريطانيون على مغادرة الاتحاد الأوروبي «بريكسيت» يوم الخميس 23 حزيران/يونيو 2016. وتعددت القراءات والتأويلات في تفسير قرار يحمل تبعات جيوسياسية هامة على القارة الأوروبية والعالم الغربي. ومن ضمن العناوين التي يتم إبرازها لفهم أعمق للبريكسيت هو أن التصويت كان عقابا لهيمنة ما يعرف بـ «إستبلشمنت Establishement» الأوروبي على قرارات الشعوب الأوروبية ومنها البريطاني. وبدأ العالم الغربي خلال السنوات الأخيرة ينتفض ضد هيمنة «إستبلشمنت» على الحياة السياسية والاقتصادية وخاصة في الولايات المتحدة.
ويجري تعريف «إستبلشمنت» بالدولة العميقة أو الهياكل الإدارية العميقة التي تساهم في اتخاذ وصنع القرارات السياسية الكبرى رغم عدم انتمائها مباشرة إلى الحكومة، فهي مكونة من أطر غالبا ما تستمر في مناصبها لسنوات طويلة وغير مرتبطة بالفترة التشريعية للرئاسة أو الحكومة. وهذه الأطر المتسلسة وذات الارتباط موجودة في الاقتصاد والدبلوماسية والمجال الأكاديمي والجيش والاستخبارات والأمن ووسائل الإعلام الكلاسيكية ضمن قطاعات أخرى.
وكان ينظر في البدء إلى الدولة العميقة بنوع من التقدير، خاصة في الدول الديمقراطية لأنها كانت الساهرة على تسيير البلاد خاصة إبان فترات الانتقال من حكومة إلى أخرى، كما تقف في وجه الانحرافات الحزبية في السلطة. لكن هذه الميزة تراجعت بشكل كبير خلال العقدين الأخيرين نتيجة عوامل أبرزها تعاظم دور الشركات المتعددة الجنسيات، ثم تعاظم دور أجهزة هياكل الوحدة مثل المفوضية الأوروبية في حالة الأوروبيين. وتزامنت هذه التطورات مع ظاهرة العولمة التي بدأت إبان التسعينات وبدء هيمنة الممارسة نيوليبرالية في الاقتصاد.
ولم تعد الشركات المتعددة الجنسيات تكتفي باللوبيات للدفاع عنها، بل تغلغلت في عمق الهياكل الإدارية لبعض الدول والتجمعات. وبدورها أضحت الهياكل الإدارية للتجمعات العابرة للحدود مثل الاتحاد الأوروبي تمارس هيمنة على القرار الوطني. ومن ضمن الأمثلة الأخيرة التي ينتفض الأوروبيون ضدها هي المفاوضات السرية بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة حول اتفاقية التبادل الحر. ورغم أن الأمر يتعلق باتفاقية تهم الشعب الأمريكي والشعوب الأوروبية، إلا أن المسؤولين يتعاطون مع المفاوضات في سرية تامة وبعيدا عن الهياكل المنتخبة مثل البرلمان الأوروبي.
ويقول البريطانيون أنصار بريكسيت، أنهم صوتوا لمغادرة بريطانيا لاستعادة السيادة الوطنية التي فقدوها لصالح البيروقراطيين في الاتحاد الأوروبي وحلفائهم في لندن. والبريطانيون أدرى بمفهوم الإدارة العميقة، فهذا المصطلح في تسميته بالانكليزية ظهر في بريطانيا سنة 1955 عندما كتب الصحافي هينري فريلي مقالا في مجلة «اسبيكتاتور» يستعرض هيمنة موظفين كبار على مسار ومستقبل البلاد ويحذّر من تأثيرهم المتنامي.
ويعتبر الصحافي الشاب أوون جونس من صحيفة «ذي غارديان» أبرز المتخصصين في الإدارة العميقة حاليا. وكشف في كتابه « The Establishment: And how they get away with it » الصادر منذ سنتين، هيمنة هذه الإدارة العميقة على حياة البريطانيين وكيف تدفعهم هذه الهيمنة التي أصبحت خانقة إلى الانتفاضة على القرارات ومنها القادمة من الاتحاد الأوروبي. وكان يتكهن بخروج بريطانيا من الاتحاد بسبب أخطاء الإستبلشمنت.
وآخر من التحق بإستبلشمنت هي الأحزاب الكلاسيكية الأوروبية وخاصة الاشتراكية المعتدلة، حيث أصبحت هي المزود الرئيسي للشركات الكبرى والهيئات العابرة للحدود بالأعضاء. ويكفي رؤية مجالس إدارة الشركات الكبرى ومسؤولي الاتحاد الأوروبي ليتبين أن بعضهم ينتمي إلى الحزب الشعبي الأوروبي (تجمع الأحزاب المحافظة الأوروبية) أو الحزب الاشتراكي الأوروبي (تجمع الأحزاب الاشتراكية الأوروبية). ويمكن تتبع مسار زعماء مثل الإسبانيين فيلبي غونثالث وخوسي ماريا أثنار، والرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي والمستشار الألماني جيهارد شرودر لمعرفة نوعية المؤسسات المالية التي مروا في مجالسها الإدارية بعد انسحابهم من السياسة.
وفي الموازاة مع هذا المسلسل، تحولت الكثير من الصحف الكلاسيكية الكبرى في العالم الغربي إلى الناطق باسم مصالح هذه الإدارة العميقة العابرة للقارات. وبعد بريكسيت، كتبت أكثر من جريدة في افتتاحيتها، أن الأمر يتعلق برد فعل قومي شوفيني للبريطانيين. لكن هذه الجرائد لم تكلف نفسها الاستماع إلى الطبقة العاملة المتضررة من الاتحاد الأوروبي التي كانت حتى الأمس القريب تؤمن بالوحدة، لكنها كفرت بالوحدة بعدما أصبحت فقط في صالح الشركات والأبناك. ومن ضمن الأمثلة، هل سيثق العالم البريطاني في الاتحاد الأوروبي وهو يرى كيف أن حرية التنقل والعمل جلبت له البولوني والروماني الذي يعمل بنصف الراتب؟ وهل سيثق بالاتحاد الأوروبي وهو يرى تفكيك الصناعة البريطانية ونقلها إلى أوروبا الشرقية؟
وكتب الصحافي أوين جونز، جرى التهويل لخطاب إعلامي وسياسي بأن البريطانيين سيخسرون الكثير من بريكسيت، وتساءل «هل سيقنع هذا الخطاب الأجيال الجديدة المنتمية إلى الطبقات الفقيرة التي خسرت كل شيء ولم يعد لها ما تخسره؟».
وإذا كان البريطانيون قد هزموا ما يسمى الدولة العميقة في استفتاء 23 حزيران/يونيو، فقد حصل الأمر نفسه مع حزب سيريزا في اليونان إبان الانتخابات التي جرت السنة الماضية، حيث كانت نهاية الأحزاب الكلاسيكية والتقليل من هيمنة الدولة العميقة. وتكرر السيناريو في الانتخابات البلدية الإيطالية منذ أيام بعدما نجح حزب خمسة نجوم المعادي للإستبلشمنت في الفوز بكبريات بلديات البلاد وعلى رأسها روما. وهو ما يفسر القوة التي أصبح يكتسبها حزب بوديموس في اسبانيا والذي قد يخلق المفاجأة في انتخابات الأحد 26 حزيران/يونيو 2016.
وأهم ما ميز حملة الانتخابات التمهيدية الأمريكية سواء في الحزب الجمهوري أو الديمقراطي هو المطالبة بنهاية هيمنة إستبلشمنت على الحياة السياسية والاقتصادية. ويكتب الباحث مايكل كازين في مجلة «ذي نايشن» عدد نيسان/أبريل، أن بيرني ساندرز ودونالد ترامب قاما بتمويل حملتهما بدون الاعتماد على الشركات، وهو ما شكل ضربة قوية للإستبلشمنت الأمريكي.
ورفع كل من المرشح الجمهوري دونالد ترامب شعار إنهاء الهيمنة القوية للموظفين الفيدراليين على الحياة السياسية الأمريكية ويصفهم بنعوت بشعة محملا إياهم مسؤولية تدهور الوضع الأمريكي. وكان بيرني ساندرز قبل خسارته أمام هيلاري كلينتون واضحا بقوله أنه ترشح «بهدف إنهاء همينة الدولة العميقة على حياة الأمريكيين وفتح تحقيق في من يقف وراء الأزمة المالية لسنة 2007 وإنهاء دور الشركات الكبرى على التعليم والتطبيب».
ويكتب الباحث الشهير فيسنس نفارو، وهو من جامعتي برشلونة الإسبانية وهوبكنس الأمريكية، أنه لا يوجد وعي كافي بخطورة الإدارة العميقة البريطانية والأوروبية على مسار مواطني الاتحاد الأوروبي، لكن هذا لم يمنع من ردود فعل قوية طيلة السنوات الأخيرة حيث تراجعت نسبة التأييد للاتحاد الأوروبي بشكل كبير، ولا يقتصر الأمر فقط على بريطانيا بل مختلف الدول التي عانت من أزمات مثل اليونان واسبانيا وفرنسا وإيطاليا. ويضيف، أن تخلي الأحزاب الكلاسيكية عن دورها وتحولها إلى سند للإدارة العميقة هو الذي يفسر لماذا انتقلت الطبقة العاملة من الانخراط وتأييد الأحزاب اليسارية إلى الانخراط في مشاريع أحزاب قومية متطرفة أو يسارية راديكالية. ويستشهد بمثالين بارزين، الأول وهو انخراط الطبقة العاملة الفرنسية في مشروع الجبهة الوطنية بزعامة ماري لوبين، والطبقة العاملة النمساوية في حزب الحرية، والطبقة العاملة البريطانية في المشروع السياسي لحزب أوكيب البريطاني المناهض للاتحاد الأوروبي. بينما في دول أوروبية أخرى جرى الرهان على الأحزاب اليسارية الراديكالية مثل سيريزا في اليونان وعلى بوديموس في اسبانيا وخمسة نجوم في إيطاليا.
ومن الدلالات البارزة في الاستفتاء البريطاني هو الإحباط الذي سيطر على «موظفي» خمسة نجوم في المدينة المالية للندن الذين رأوا كيف سيخسرون دخلهم المرتفع، والفرحة العارمة وسط المزارعين والعمال البسطاء الذين صوتوا ضد الاتحاد الأوروبي ورأوا كيف سيحمون مهنهم ومستقبلهم بدخلهم البسيط. في الوقت ذاته، كيف أعربت وسائل الإعلام الكبرى المرتبطة بالشركات والإستبلشمنت عن قلقها من التطورات المحدثة وكيف رحبت وسائل الإعلام الرقمية الجديدة بالنتيجة.
وإذا كان الربيع العربي قد شهد خلال السنوات الأخيرة انتفاضة ضد الأنظمة الديكتاتورية ولم يكتب لها النجاح حتى الآن سوى في تونس، فالعالم الغربي يشهد انتفاضة حقيقية ضد دكتاتورية الهياكل الإدارية للدولة والتجمعات العابرة للقارات «إستبلشمنت» من اليونان إلى الانتخابات الأمريكية وبريكسيت البريطاني وكذلك الانتخابات الإسبانية.