انتهت أشرس معركة شهدتها بريطانيا في تاريخها المعاصر بفوز تيار الخروج من الاتحاد الأوروبي بنسبة 51.9 ٪ مقابل 48.1 ٪ لتيار البقاء ضمن الاتحاد. وقد أعلنت نتائج الاستفتاء العام الذي جرى يوم الخميس 23 حزيران/يونيو الجاري، حيث اقترع حوالي 72 ٪ من الناخبين المسجلين في قوائم الانتخاب البالغ عددهم 46.5 مليون ناخب في انكلترا وويلز واسكتلندا وايرلندا الشمالية وجبل طارق، وقد غرد زعيم حزب الاستقلال البريطاني»يوكيب» نايجل فاراج يوم الجمعة 24 حزيران/يونيو بعد إعلان النتائج، على حسابه في «تويتر» قائلا «سنجعل من هذا اليوم عطلة رسمية، انه يوم الاستقلال». بينما عصفت الأزمة بالمستقبل السياسي لرئيس الوزراء ديفيد كاميرون الذي صرح بانه سيستقيل من منصبه في تشرين الاول/اكتوبر المقبل، علما أنه وعد في وقت مبكر إبان الانتخابات الأخيرة بإجراء هذا الاستفتاء كسبا للجناح اليميني المتطرف في حزب المحافظين بالإضافة إلى جماهير حزب الاستقلال البريطاني اليميني.
تاريخ من الشد والجذب
يرى الكثير من المراقبين ان علاقة المملكة المتحدة بفكرة أوروبا الموحدة ضمن سوق أوروبية أو وحدة أو اتحاد كانت قد مرت بالعديد من العقبات، كما واجه الساسة البريطانيون الكثير من العقبات في دخول الاتحاد أو في فرض خصوصية بريطانية بعد الدخول. فقد وقف الرئيس الفرنسي الأسبق شارل ديغول بحزم ضد دخول بريطانيا إلى السوق الأوروبية في ستينيات القرن المنصرم حين استخدم الفيتو مرتين، حيث كان يرى ان بريطانيا ستمثل مخلبا أمريكيا في الاتحاد الأوروبي. لكن مفاوضات 1973 وما تبعها من استفتاء شعبي بريطاني عام 1975 الذي صوت لصالح دخول بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي بنسبة 67٪ حسم الأمر وأصبحت بريطانيا عضوا بارزا في الاتحاد. لكن رؤساء الحكومة في المملكة المتحدة كانوا دائما يسعون للحصول على خصوصية ضمن الاتحاد الأوروبي منذ عهد رئيسة الوزراء مارغريت ثاتشر وصولا إلى الرئيس الحالي ديفيد كاميرون الذي حصل في مفاوضات شباط/فبرايرالماضي على تسهيلات كبـــــيرة من بروكســــل تدعم خصوصية بريطانيا في حال بقائها ضمن الاتحاد، وبشكل خاص في ملفي الهجرة والاقتصاد، الذي لوح به تيار الخروج من الاتحاد الأوروبي.
التداعيات السياسية
يرى المراقبون ان استفتاء 23 حزيران/يونيو سيشكل نوعا من الزلزال، أو تسونامي سيضرب الحياة السياسية في المملكة المتحدة. وبالرغم من تصريحات وزير الخارجية البريطاني فيليب هاموند التي اعقبت الإعلان عن فوز تيار الخروج من الاتحاد الأوروبي، التي أشار فيها إلى بقاء الحكومة الحالية برئاسة ديفيد كاميرون، إلا ان زعيم حزب الاستقلال البريطاني نايجل فاراج وهو من أبرز صقور اليمين في بريطانيا، طالب بوضوح بحكومة جديدة تقود المملكة المتحدة في المرحلة المقبلة، تبع ذلك تصريح كاميرون بأنه سيترك رئاسة الوزراء في تشرين الأول/اكتوبر المقبل.
وقال كاميرون في مؤتمر عقده يوم الجمعة، إن مفاوضات الانفصال عن الاتحاد الأوروبي يجب أن تجري تحت قيادة رئيس وزراء جديد للبلاد. ويرى أنصار اليمين المتشدد ان بوريس جونسون، عمدة لندن السابق وهو من حزب المحافظين، وكان من أبرز الداعين للخروج من الاتحاد الأوروبي هو المرشح المحتمل لرئاسة الحكومة الجديدة.
مستقبل المملكة المتحدة
قرار الانسحاب من الاتحاد الأوروبي ستعقبه تبعات سياسية قد تؤدي إلى تفكك وزوال المملكة المتحدة بشكلها الحالي، فقد طالب الحزب القومي الاسكتلندي عبر رئيسة الوزراء نيكولا ستيرجون، بإجراء استفتاء جديد حول استقلال اسكتلندا عن المملكة المتحدة في حال خروجها من الاتحاد الأوروبي، علما ان الغالبية العظمى في مدن اسكتلندا كانت قد صوتت لصالح تيار البقاء في الاتحاد، كما ان ويلز وايرلندا الشمالية قد تتبع اسكتلندا في هذه الخطوة مطالبة باستفتاء حول بقائها ضمن المملكة المتحدة أو استقلالها عنها.
مستقبل الاتحاد الأوروبي
قبل الشروع في الاستفتاء الأخير في بريطانيا، صرح العديد من المراقبين، ان خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيعني بداية تفتت هذا الاتحاد، الذي يعاني أصلا من الكثير من المشاكل التي تتحمل أعباءها بشكل رئيسي فرنسا وألمانيا وبشكل أقل بريطانيا. ويرى المحللون ان انسحاب بريطانيا من الاتحاد يعني نهاية حقبة ما عرف بالاتحاد والكتل الدولية الكبرى السائرة وفق قوانين السوق المعولمة اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا، وبالتالي فان 23 حزيران/يونيو سيمثل بزوغ أو عودة سطوع عهد القوميات من جديد، بل ربما سنشهد في المقبل من الأيام صراعات وتفتتات في القارة العجوز قد تطال حتى الدول الصغيرة القائمة على عدد من القوميات.
كما ان دول الجنوب الأوروبي مثل اليونان واسبانيا وبشكل أقل إيطاليا ستعاني كثيرا من الوضع الجديد، بسبب اقتصاد هذه الدول المترنح وتعرضها بشكل أكبر من باقي دول الاتحاد الأوروبي إلى موجات مليونية من المهاجرين ترهق اقتصادها وأمنها المتعب أصلا.
الاقتصاد بعد الخروج
من الاتحاد الأوروبي
لقد مثل محور الاقتصاد البؤرة التي دارت حولها كل سياسات التخويف التي انتهجها طرفا الصراع في الاستفتاء الأخير في بريطانيا. فقد حذر تيار البقاء في الاتحاد برئاسة ديفيد كاميرون -بدعم من حزب العمال المعارض- من التداعيات الكارثية التي ستصيب الاقتصاد البريطاني في حالة الخروج، كما حذر العديد من زعماء العالم من أوروبا وآسيا والولايات المتحدة وكندا، البريطانيين من ان خروجهم من الاتحاد الأوروبي ستكون له نتائج كارثية على الاقتصاد البريطاني والأوروبي بل والاقتصاد العالمي. فقد أصدر 1300 من كبار رجال الأعمال في بريطانيا بيانا موحدا عشية الاستفتاء يحذرون فيه البريطانيين من الخروج من الاتحاد الأوروبي، وظهرت أولى نتائج الانسحاب البريطاني على الاقتصاد بتراجع واضح في قيمة الجنيه الاسترليني الذي يتوقع المراقبون الاقتصاديون ان قيمته ستتراجع بنسبة 10-15٪ كما ان بورصات لندن وباريس وفرانكفورت شهدت نزولا حادا في سوق الأسهم مما ينذر بأزمة اقتصادية مقبلة. وقد صرح العديد من رؤساء الشركات العالمية الكبرى بأنهم سوف يتخذون إجراءاتهم الاقتصادية للتعامل مع الوضع الجديد في البحث عن أسواق بديلة عن السوق البريطاني، وهذا الأمر سيؤثر بشكل كارثي على الاقتصاد البريطاني خصوصا وان 45 ٪ من الصادرات البريطانية تسوق إلى الاتحاد الأوروبي بتسهيلات اقتصادية كبيرة نتيجة قوانين الاتحاد التي تسمح بحركة رؤوس الأموال والعمالة في دول الاتحاد. كما ان حوالي 3 مليون أوروبي يعمل في السوق البريطاني سيواجهون مصاعب كبيرة قد تدمر مستقبلهم الاقتصادي جراء الانسحاب. وبالمثل فإن العديد من الشركات البريطانية العاملة في أوروبا ستواجه أزمة حقيقية بعد خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي. ويسعى مناصرو تيار الخروج من الاتحاد إلى حصول بريطانيا على وضع اقتصادي مشابه لوضع النرويج أو سويسرا وهما الدولتان اللتان لم تنضما إلى الاتحاد الأوروبي لكنهما تحظيان بنوع من التسهيلات الاقتصادية في التعامل التجاري. لكن المراقبين يرون ان عقوبات أوروبية ستطال الاقتصاد البريطاني من شركائه السابقين ليكون عبرة للدول التي قد تفكر في الخروج من الاتحاد مثل اسبانيا وبعض دول أوروبا الشرقية.
الأمن بعد الخروج
من الاتحاد الأوروبي
مثل المحور الأمني الركيزة الثانية التي دار حولها صراع التيارين في الاستفتاء الأخير. فبينما يرى تيار البقاء في الاتحاد ان التعاون مع دول الاتحاد الأوروبي يسهل التعامل مع العديد من الملفات الأمنية الساخنة مثل مواجهة الإرهاب وعودة الجهاديين من الشرق الأوسط، وان دول الاتحاد الأوروبي عبر تعاونها وتقديم قاعدة بيانات موحدة ستكون أقوى في مواجهة هذا التحدي، يرى مناصرو تيار الخروج ان قدرة بريطانيا على السيطرة على حدودها وفرض قوانين أكثر تشددا في موضوع الهجرة لا تقف في وجهها عوائق القوانين الأوروبية، ستكون أكبر قوة في مواجهة التحديات الأمنية. وتجدر الإشارة إلى ان اللحمة التي تربط محوري الاقتصاد والأمن هي موضوع الهجرة وتدفق المهاجرين وامكانية السيطرة عليه، وقد سعى تيار البقاء في الاتحاد إلى طمأنة البريطانيين عبر تصريح رئيس الوزراء ديفيد كاميرون في شباط/فبراير الماضي حين حصل على استثناءات من بروكسل ستحظى بها بريطانيا، حيث فرضت قوانينها في الحد من الهجرة الآتية من أوروبا الشرقية ومحاولة السيطرة عليها وعدم فسح المجال لها للتأثير على الاقتصاد البريطاني، كما ان عدم انضمام بريطانيا إلى العملة الأوروبية الموحدة «اليورو» منح قوة ودعما للجنيه الاسترليني والاقتصاد البريطاني وحماه من الهزات الاقتصادية التي تعرضت لها أوروبا بعد أزمة اليونان واسبانيا، بالإضافة إلى ان عدم انضمام بريطانيا إلى فضاء شنغن منحها هامشا مناسبا للسيطرة على تدفق موجات المهاجرين إلى أراضيها.
التداعيات على المواطن البريطاني
يشير الكثير من الساسة والمحللين الاقتصاديين إلى أن أزمة الخروج من الاتحاد الأوروبي ستنعكس تأثيراتها على حياة المواطن البريطاني. إذ صرح وزير الخزانة البريطاني جورج أوزبورن ان اتفاقا تجاريا مواتيا بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي في حال خروجها من الاتحاد سيكون «وهما» كما ان البنك المركزي دعا إلى فرض نوع من سياسة التقشف للوقوف في وجه الأزمة المقبلة، وكل ذلك سينعكس بشكل كبير على برامج الصحة والدعم الاجتماعي والتعليم والخدمات التي ستطال محددوي الدخل في المملكة وستكون لها تأثيرات سيئة خصوصا على يد حكومة اليمين المقبلة التي تتماهى أيديولوجيتها مع هذه السياسيات. وقد حذر حزب العمال المعارض والذي كان داعما قويا لرئيس الوزراء في حملته للبقاء في الاتحاد الأوروبي من ان سياسات التقشف يجب ان لا تمس المواطن ذو الدخل الواطئ، بل يجب اعتماد سياسة ضرائبية تصاعدية على رؤوس الأموال الكبيرة لمواجهة الأزمة. لكن هذا الأمر محفوف بالمخاطر إيضا، إذ انه سيمثل عامل طرد قويا للاستثمار الذي سيبحث عن سوق بديل، وبالتالي ستنعكس الأزمة مرة أخرى على سوق العمل وعلى المواطن محدود الدخل أيضا. ان زلزال خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ما زال في بدايته، ولا أحد يستطيع التكهن بكل هزاته الارتدادية التي سنشهدها في المستقبل القريب، فهل اتخذ المواطن البريطاني القرار الصائب عند تصويته للخروج، أم انها «قفزة في الظلام» كما وصفها ديفيد كاميرون.
صادق الطائي