بعدسة المصور السوداني مبارك حتة: حياة «المراكبية» وتوثيق صيد الأسماك في النيل جنوب الخرطوم

حجم الخط
2

الخرطوم ـ «القدس العربي»: صلاح الدين مصطفى: يستكشف ويتفحص الأمكنة برؤية بصرية عميقة وحساسية أنامل تضغط على «شاتر» الكاميرا في التقاطة حاسمة لتجمد اللحظة ويكون منتوجها صورة توثق للحدث وحراك الحياة، وتستجلي المعلومة بين ثناياها. هو المصور السوداني العالمي مبارك حتة، صاحب العبارة الشهيرة «الصورة كائن ساكن يستنطق الآخرين».
أبحرنا معه في أعماق ورشة تصوير له استمرت زهاء العامين لفترات مختلفة تحت عنوان «حياة المراكبية» وهم مجموعة من الصيادين يستعملون قوارب صغيرة والهدف من ورشة «حياة المراكبية» في الأساس هو الغوص في أضابير النيل من خلال الصيادين واستجلاء حقيقة ما يدور فيه من أسرار لا يعرف كنهها إلا الصيادون الطالبون الرزق الحلال من أعماق محيط النيل.
يقول المصور مبارك حتة :»هذه غاية سعيت إليها عبر الورشة استمرت زهاء العامين لفترات ومواقيت مختلفة بحسب ارتفاع وانخفاض النيل في تقلبات
المواسم. أما المضمون فكان نتاجه صورا تحكي وتضيف معلومات بحثية هي سيناريو لفيلم وثائقي أعد له باذن الله».
ويضيف:»العدسة هي أصدق الأنباء ومن خلالها وثقت لرؤية بصرية في أوقات وأزمان مختلفة لرحلة يومية تنطلق من الفجر الباكر حتى لحظات الغروب عندما يدنو قرص الشمس من المغيب ويغازل الأمواج لتبتهج بلون ذهبي بديع».
ويحدثنا عن إختياره لمكان الورشة في منطقة ساحرة ذات طبيعة زراعية رعوية فيها خضرة وغابة تلف خاصرتها وهي السلمانية غرب جبل الأولياء في الريف الجنوبي لأم درمان وتحديدا جزء من القرية يسمى الحقينة أو حي الشاطئ كما يقولون وتقابلها من الضفة الأخرى للنيل السلمانية شرق.
تختلف أشكال المراكب «وهي قوارب صغيرة» على امتداد الشريط النيلي بحسب البيئة من المنبع إلى المصب. وفي هذا يقول إن شكل المركب اختلف الآن عن السابق مع الاحتفاظ بالشكل الهندسي الأساسي. ففي السابق كانت صناعته من الأخشاب والآن تحولت الصناعة إلى الحديد.
وبحسب تعرجات النيل ومنحنياته وطبيعة مجراه في بعض الأماكن تكون الصناعة وفق ذلك، مستدلاً بقوله إن المركب في دولة جنوب السودان على منطقة جزيرة غندكروا يكون مستطيلا ورفيعا ومسلوبا ويقال له «السمبك». وتدار المركب بمجداف واحد على حركة الموج يمينا وشمالا. وبحسب تجربته فقد لاحظ أن حجم المركب يزيد ويكبر كلما اتجهنا شمالا ويحدث العكس تماما لدرجة أن مراكب دولة جنوب السودان تبدو صغيرة جدا.
ويقضي الصيادون في مواسمهم كل الوقت على النيل بحثاً عن الرزق وقد تمتد الفترة إلى شهر كامل من دون أن تلامس أرجلهم اليابسة. ويقول مبارك:»خلال تلك الفترة (بحسب توثيقي للورشة) يعتمدون على صيد الأسماك الطازجة في معيشتهم وأحيانا يستبدلون السمك بصيد الطيور التي تدخل إلى جغرافيا النيل في فترة الخريف وينتظرونها حتى ساعات النوم ليتم اصطيادها بواسطة المدرة (عصا طويلة تستخدم في دفع المركب على المياه الضحلة).
ويضيف إن المركب في العادة يستغله اثنان من الصيادين وتوجد في داخله أثنتان أو ثلاثة «سرائر» بحسب حجمه وفي داخله مخزن لحفظ الدقيق والزيت وكل ما يستلزم الطهي والحياة اليومية.
عملية الصيد تبدأ قبل نصب الشباك ولها طرائق عديدة تبدأ، كما يقول المصور، بعملية تجهيز الطعم بتشتيت العيش المخمر ويسمى «المشك». على النيل تكون المياه منتصف الجسم ويشتت «المشك» في اتجاه الشبكة المنصوبة على اتجاه الريح وحركة الموج حتى تجذب الرائحة النفاذة الأسماك للمصيدة مباشرة، وتعرف هذه العملية بالمصيدة وتنصب الشباك بواسطة حركة المركب في أماكن مستهدفة تبدأ في وقت متأخر من العصر وترفع الشباك فجر اليوم التالي ليتم الكشف عنها وينجلي ما فيها من أسماك.
وبحسب معايشته للصيادين في تلك الورشة يقول حتة إن أسماك البلطي تكون في حالة ندرة خلال فترة الشتاء لانها فترة حضانة البيض، لذا يغوص البلطي في أعماق النيل الدافئ، وعندما تصل إليه شبكة الصيد يقوم بلفظ البيض المحضون من فمه وتظهر في تلك الفترة أسماك القرقور بكثافة.
ومن خلال عدسة المصور مبارك حتة وعبر هذه الورشة مع الصيادين في مياه النيل الأبيض يتضح جمال النيل والخضرة التي تلف خاصرته كواحدة من الواجهات السياحية التي تمددت على طولها حضارات ضاربة في جذور القدم.

بعدسة المصور السوداني مبارك حتة: حياة «المراكبية» وتوثيق صيد الأسماك في النيل جنوب الخرطوم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية