واشنطن ـ «القدس العربي»: ركزت الشعارات المناهظة لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في الاستفتاء الذي جرى، الخميس الماضي، على «عدم معقولية» انعزال البلاد في عالم مترابط للغاية، وعلى رفض الشعارات القومية المتطرفة التي أدت إلى حادث قتــــل مروع لعضـــو برلمان عن حزب العمال. أما أسواق المال فقد اتخذت موقفــــا واضحا من المسألة، حيث ارتفعت الأسهم في كل مكان في وقت مبكر من الأسبوع الماضي، وارتفع الجنيه الاسترليني في حين حذر الرئيس الأمريكي باراك أوباما مرارا من ان خروج بريطانيا سيعنى «الركون في الجزء الخلفي من قائمة الانتظار» عندما يتعلق الأمر بالصفقات التجارية.
في الواقع، الاقتصاد ليس هو لب الموضوع في عملية الاستفتاء، بل هوية بريطانيا والإسقاط الخارجي للأفكار المتعلقة بالحرية السياسية والاقتصادية والتسامح والحكومة التمثيلية وجميع الأفكار المتقدمة التي تطورت على مدى أكثر من ألف عام. وبلغة مختلفة، فإن استفتاء الخميس كان تصويتا على قدرة التحدي الشعبوي لهذه الأفكار الليبرالية المنتشرة في جميع أنحاء أوروبا بما في ذلك التحدي الجديد الذي عبر عنه بقوة في الولايات المتحدة المرشح الجمهوري دونالد ترامب.
يرفض الشعبويون فكرة الحدود المفتوحة والاندماج المدني، وهم يحتضنون مفهوم الحماية في قضية التجارة الحرة الذي اخترعه «أبو الرأسمالية البريطانية» آدم سميث، وهم بذلك، يحبذون العودة إلى أساليب القرن التاسع عشر خاصة، القومية لمنافسة الأممية الليبرالية التي انتشرت في بريطانيا والولايات المتحدة وغيرها من الديمقراطيات الغربية في القرن العشرين.
ولكي نكون أكثر موضوعية، سادت أجواء من التحامل والغضب بين أوساط دعاة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وخاصة عمدة لندن بوريس جونسون بسبب استسلام بريطانيا لمقاييس تتعلق بسيادتها من أجل القضاء على الكثير من الإجراءات البيروقراطية، وكان هناك شعور بان مقاييس بروكسل متزايدة بشكل لا يطاق وبانها متجبرة ناهيك عن قناعة بان سياسة أوروبا في الحدود المفتوحة لن تساعد المملكة المتحدة على السيطرة على حدودها. هذه المشاعر انتشرت، أيضا، عبر المحيط الأطلسي في الولايات المتحدة، حيث ساد شعور لاحظه الكونغرس بأن المفوضية الأوروبية قامت بمكائد تنظيمية في الفترة الأخيرة ضد الشركات الأمريكية.
يعد استفتاء الخميس الماضي في المملكة المتحدة صورة واضحة للحرب المستمرة التي يقودها أصحاب المشاعر القومية ودعاة النزعة الانفصالية والتقوقع، وعلى رأسهم كبار السن وذوي الياقات الزرقاء في وسط وشمال انكلترا، أما في الولايات المتحدة، فقد كانت هناك دعوة صريحة من ترامب لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ولكنه حاول الابتعاد عن النقاش الدائر حول القضية أثناء تصريحات سابقة تتحدث عن زيارته لبريطانيا قبل يوم واحد من يوم الاستفتاء لإفتتاح ملعب غولف.
لماذا اهتمت الولايات المتحدة باستفتاء الخميس في بريطانيا؟ السبب الأول الذي عثر عليه الخبراء والكثير من المحللين هو ان انتقاص قدر المملكة المتحدة من «بريطانيا العظمى» إلى «بريطانيا صغيرة» سيحرم الولايات المتحدة من شريك دولي فعال إذا تنصهر الولايات المتحدة وبريطانيا معا عن طريق الروابط العرقية والثقافية والارث المشترك للأفكار والمؤسسات الليبرالية، كما وقفت واشنطن ولندن معا في الحرب العالمية الأولى والثانية إضافة إلى الحرب الباردة واللحظات التاريخية لتوحيد أوروبا والمانيا وانتشار المؤسسات والأسواق الحرة ناهيك عن ما يدعيه الخبراء من اتفاق أمريكي ـ بريطاني على محاربة تعصب الجماعات الإسلامية.
وأيدت المملكة المتحدة، في فترة ما بعد الامبراطورية البريطانية، القيم الليبرالية الديمقراطية بما في ذلك التجارة المفتوحة والأسواق التنافسية وجميع المفاهيم الاقتصادية التي ساعدت على رفع مستويات المعيشة، كما تعتبر بريطانيا من أهم حلفاء الولايات المتحدة في حلف شمال الأطلسي. ووفقا للخبير الأمريكي المعروف ويل مارشال، رئيس معهد السياسة التقدمية، فان لبريطانيا تقليد في تحمل المسؤولية عن الأمن الدولي والجماعي، مضيفا ان اتخاذ قرار الانسحاب من الاتحاد الأوروبي سيعني، أيضا، التشكيك في قدرة القارة بأسرها على حشد استجابة متماسكة ذات مصداقية للأزمات الدولية إضافة إلى حرمان الاتحاد الأوروبي من خامس أكبر اقتصاد في العالم وواحد من أكثر الاقتصادات ابتكارا ودينامكية وأهمية في المحافظة على حالة التوازن اقتصاديا في الاتحاد.
ووسط موجة متصاعدة من كراهية الأجانب في بلدان أخرى، فان انسحاب بريطانيا من الاتحاد يعنى سحب الخيط من النسيج الأوروبي كله. وبلا شك، سيرحب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بتفكك أوروبا، وبالنسبة للولايات المتحدة فان الأمر يصل إلى كارثة اقتصادية وسياسية. والانسحاب أيضا نكسة للقيم الليبرالية والتقدمية في جميع أنحاء أوروبا والولايات المتحدة وتكثيف للسياسة القبيحة القائمة على بناء الجدران لمنع «الذين ليسوا مثلنا» واستبدال المفاهيم الليبرالية والحقوق الفردية لصالح السياسات الأثنية والدينية ودحر العولمة وتجميد التغير التكنولوجي وبالتالي تعزيز المفاهيم التي يروج لها اليمين الأمريكي المتطرف والقاعدة المؤيدة لترامب خاصة فيما يتعلق ببناء جدار فاصل مع المكسيك ومنع دخول المسلمين الولايات المتحدة والتخلي عن الكثير من مفاهيم الحرية والديمقراطية من أجل الأمن والحماية.
رفع عمدة لندن المعارض لوجود بريطانيا في الاتحاد الأوروبي شعار «بريطانيا أولا» تماما كما فعل ترامب صاحب شعار «أمريكا أولا» ويعتمد كل منهما على قاعدة جماهيرية تتألف من طبقة تعتقد ان لا صوت لها منذ فترة طويلة بسبب محاولات تضليل مستمرة من قبل المؤسسات السياسية والعامة وشرذمة من العنصريين وطبقة لا تكترث قطعيا بالمخاطر الاقتصادية. ولكن الخبراء ترددوا بشكل عام في مقارنة ترامب بأي شخص آخر في بريطانيا، فكراهيته للأجانب ولغته التمييزية على أساس العرق والدين لا مثيل لها في الوسط السياسي البريطاني الأكثر عمقا، في حين لاحظ الخبراء ان الساحة الانتخابية السياسية في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة تشهد صعودا للناخب المناهض للمؤسسة القائمة بما في ذلك الأحزاب السياسية.
استقبل البريطانيون ظاهرة «تأثير ترامب» مطلع العام الجاري بازدراء واحتجاج، واضطر النواب لمناقشة دعوة بحظر قدوم الملياردير إلى المملكة المتحدة بعد دعوته العنصرية بمنع دخول المسلمين إلى الولايات المتحدة، ولكنهم استقبلوه بعد يوم الاستفتاء كمرشح رئاسي جمهوري من الصعب استثناء تصريحاته. أما فيما يتعلق بتأثير ترامب على الحياة السياسية في بريطانيا، فهنالك اتفاق بين معظــــم المحللين على ان نفوذه السياسي محدود للغاية هناك على الرغــــم من ان أخباره تتصدر عناوين الصحف. كما لا يمكن البتة تجاهل تأثير ترامب على القاعدة الانتخــابية في بريطانيا، وأيضا، لا يمكن تجاهل تأثير نتائج استفتاء الخميس على الحملة الانتخابية لترامب وقدرة اقتراحاته على الصمود.