هل تشقق سقف الاتحاد الأوروبي؟

حجم الخط
0

«يوم تاريخي»، «قرار دراماتيكي». كل الكلمات العالية استخدمتها وسائل الإعلام من اجل وصف نتائج الاستفتاء الشعبي في بريطانيا الذي قال «الخروج من الاتحاد الأوروبي». هذا الحدث ينضم إلى قائمة ازمات غير متوقعة تجتاح أوروبا في السنوات الاخيرة: ازمة اليورو، ولا سيما انهيار اقتصاد اليونان، تدفق اللاجئين والعمليات الإرهابية.
لا يمكن التقليل من اهمية التصويت. صحيح أن بريطانيا كانت منذ البداية حالة استثنائية: لم تكن من مؤسسي الجالية المشتركة، بل انضمت اليها فقط في 1973 وموقعها الجغرافي خارج قارة أوروبا أبقى الشعور لدى البريطانيين بأنهم يختلفون عن باقي الدول، وحقيقة أنه خلافا لمعظم الدول التي تبنت العملة الأوروبية الموحدة، فان الجنيه الاسترليني لم يلغ، وكل ذلك اشار إلى المكانة الخاصة والاستثنائية لبريطانيا. لكن كل هذه التفسيرات لا تساعد في تحلية حبة الدواء المرة: مؤيدو الاتحاد الأوروبي تلقوا صفعة. انطلاقا من الثقة بالنفس وكنوع من التعالي، كانوا معتادين بأن معظم الدول تطلب الانضمام إلى الاتحاد، وعدد من الدول، النرويج وسويسرا مثلا، يفضلون لاعتبارات مختلفة البقاء في الخارج. لا أحد تخيل أن عضوية الاتحاد، ولا سيما العضوية رفيعة المستوى، ستصبح في الخارج، وبذلك يفتح صندوق بندورا.
يشكل الاتحاد بالنسبة لهم بديلا عن الدولة القومية المغلقة في اطار حدودها. حسب رأيهم، القانون والاقتصاد يحلان محل السيادة والهوية، وبدلا من الايديولوجيا سادت البيروقراطية وانتصرت المصالح على المشاعر القومية.
ليست هذه هي المرة الاولى التي تقول فيها الجماهير كلمتها خلافا للنخبة: رفض الدستور الأوروبي في حينه كان جرس الانذار، لكنهم لم يستمعوا اليه جيدا في بروكسل. معسكر معارضو أوروبا الذي شمل في البداية صفوف اليمين المتطرف واليسار المتطرف، أخذ بالازدياد. وهم يحتفلون اليوم بانتصار الجموع الغفيرة على النخب.
يصعب علينا التوقع في هذه المرحلة من الذي سيخسر. الاتحاد أم بريطانيا. لكن من الافضل لقادة الاتحاد الأوروبي ومؤيديه الكثيرين استخلاص العبر الضرورية.
مثلا الفشل الديمقراطي: في دولة سليمة يقوم جمهور الناخبين بتعيين ممثليه، وفي نفس الوقت يعطي الشرعية المتجددة للحكومة للعمل بناء على ما يتوافق معه الجميع. عندما لا يكون الجمهور راضيا عن الحكومة، تكون أمامه فرصة التصويت في الانتخابات العامة القادمة من اجل استبدال السلطة.
في انتخابات البرلمان الأوروبي مرة كل اربع سنوات يطلب من مواطني أوروبا اختيار ممثليهم، لكن هذه الانتخابات غير مفتوحة لتغيير القيادة. يوجد هنا شرك ديمقراطي ازداد تأثيره كلما زاد ادراك الجمهور بأن جزء كبير من القرارات لا يتم اتخاذه من الحكومات المختلفة بل من قبل الممثلية. لكن لا يوجد جهاز ديمقراطي يستطيع من خلاله الشعب الأوروبي قول كلمته باستثناء الخروج من الاتحاد.
ثانيا، الفشل الاقتصادي: الخلفية الاجتماعية للمصوتين مع الخروج، هي الصورة العكسية للمؤيدين. الطبقات الضعيفة وسكان الضواحي الذين يسكنون بالقرب من المراكز الصناعية التي اغلقت خلال الخمسين سنة الاخيرة، بقوا جانبا بعيدا عن الاموال الباهظة وشعروا بالاحباط والغضب. هذا الاحباط هو الذي أدى إلى صعود حزب اليمين المتطرف إلى مستوى لم يكن في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية. يكفيها التلويح بقطعة القماش الحمراء على شكل «المهاجرون المسلمون» و»النخب التي تخدم نفسها». بكلمات اخرى بدون اعادة توزيع المصادر وبدون نتائج ملموسة في تقليص الفجوات، فان ما حدث في بريطانيا قد يتكرر في دول اخرى ستطالب ايضا باجراء استفتاء شعبي. الكثيرون في أوروبا يشعرون بالفوضى على ضوء ما قد يتحول إلى بداية تفكك الاتحاد.
وهناك آخرون يشعرون بالسعادة والشماتة على ضوء التورط الذي دخل اليه مشروع الاتحاد في أعقاب الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة: بناء أوروبا مشتركة وموحدة على اساس فتح الاسواق والرفاه الاقتصادي ودبلوماسية سلام في أوروبا أولا.

إسرائيل اليوم 26/6/2016

هل تشقق سقف الاتحاد الأوروبي؟

دنيس شربيط

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية