تبدو العلاقات التركية الأوروبية في أسوأ حالاتها، مع رفض الاتحاد الأوروبي الالتزام بموعد نهاية يونيو لتحرير تأشيرة الدخول للمواطنين الأتراك إلى فضاء «الشنغن» الأوروبي، مقابل التزام تركيا باتفاقية إعادة المهاجرين غير الشرعيين إلى أراضيها.
استقالة ممثل الاتحاد الأوروبي في أنقرة على خلفية تصريحاته بحق الاتفاقية ومدى نجاعتها، وتغيير رئيس الحكومة التركية أحمد داود أوغلو بالرئيس الجديد بن علي يلدريم، وظهور بوادر على تغير في السياسة الخارجية لتركيا مع العودة إلى اعتماد سياسة تصفير المشاكل مع جيرانها (وهي سياسة داود أوغلو بالمناسبة) كلها عوامل تشير إلى تغييرات جذرية في العلاقات الخارجية لتركيا.
دراسة صادرة عن مركز دراسات الأمن القومي، تناولت الاتفاق المتبلور بين تركيا والاتحاد الأوروبي، والمتعلق بموضوع اللاجئين وقبول تركيا استعادة اللاجئين السوريين، مقابل تمويل ومحفزات اقتصادية وسياسية تعهد بها الأوروبيون لصالح أنقرة.
الدراسة، التي كتبها كل من عودد عيران وغالية لندنشتراوس، تتناول الصعوبات التي تواجه الاتفاق، وتراهن على فشله على المدى البعيد، بالذات في ما يتعلق بالطموح التركي بالانضمام الى عضوية الاتحاد الأوروبي، وأن البديل المتاح أمام تركيا يتمثل في السعي إلى شراكة بديلة وكاملة مع «إسرائيل».
في 18 مارس 2016 أنجز اتفاق جديد بين الاتحاد الأوروبي وتركيا؛ هذا الاتفاق يشبه في معظمه صفقة سابقة تبلورت بين الطرفين في 19 نوفمبر 2015، تغلق تركيا حدودها في وجه المهاجرين السوريين لقاء ثلاثة مليارات يورو مخصصة لاستيعاب الموجودين على أراضيها، واستعجال التفاوض حول دخول تركيا إلى الاتحاد، وكذلك استعجال الخطوة التي تخلص المواطنين الأتراك من حاجتهم إلى فيزا لدخول دول الاتحاد.
في الاتفاق الجديد تقرر أن تعيد اليونان إلى تركيا اللاجئين الذين دخلوا من تركيا إليها بطريقة غير منظمة (ولاسيما الذين دخلوا عن طريق مهربي اللاجئين بمقابل مالي) وتحصل تركيا على ثلاثة مليارات يورو أخرى، وتسريع مسألة تحرير الفيزا للاتراك، بحيث يُنفذ قبل نهاية يونيو 2016، ويُفتح فصل جديد في المفاوضات بشأن إدخال تركيا إلى الاتحاد، الفصل الـ17 الذي يتناول السياسة الاقتصادية والنقدية، وقد افتتح هذا الفصل في منتصف ديسمبر 2015، والفصل 33 الذي يتناول الموازنة والشؤون المالية سيبدأ في النصف الثاني من العام الجاري 2016.
وفي بند يكاد يكون مخفيًا لم يُضمن في الاتفاق مع تركيا، وإنما في وثيقة استنتاجات المجلس الأوروبي (الهيئة العليا في الاتحاد المكونة من رؤساء الدول الأعضاء) قيل إن الاتحاد الأوروبي عاد وأعلن انه يتوقع من تركيا أن تحترم المعايير العليا عندما تتعلق الأمور بالديمقراطية وسلطة القانون واحترام الحريات الأساسية، بما في ذلك حرية التعبير.
من بين الأسئلة المركزية التي تثيرها الصفقة؛ هناك قضية المواجهة الكلاسيكية بين القيم والمصالح التي علقت فيها أوروبا هذه المرة، بسبب الضائقة وافقت أوروبا على سلسلة من الوعود لتركيا؛ بل أن هناك شكا في ما إذا كان قادتها فعلًا يؤمنون بأنهم يستطيعون في المستقبل الإيفاء بالتزاماتهم تلك، الدخول إلى المفاوضات المستعجلة حول انضمام تركيا إلى الاتحاد، تعتبر نموذجًا بارزًا على ذلك. الفصلان اللذان اتفق على البدء بالتفاوض حولهما هما فصلان سهلان نسبيًا، لكن إن انتهت المفاوضات على جميع فصوله الـ 35 بنجاح، فإن النتائج سيلزمها المصادقة الداخلية في كل دولة عضو في الاتحاد. انتشار بغض الأجانب والنزعة القومية في أنحاء الاتحاد الأوروبي تكاد تضمن التصويت السلبي في دولة واحدة على الأقل، وسيكون ذلك كافيًا لإفشال انضمام تركيا إلى المنظمة.
تخليص المواطنين الأتراك من الفيزا من شأنه أن يزيد عدد الأتراك الذين يعتبر وجودهم في دول الاتحاد غير قانوني، وهذا تطور حكمه زيادة المعارضة القائمة لانضمام تركيا إلى الاتحاد. من المهم إيجاد حلول «شرعية» و»قانونية» لقضية اللاجئين، سواء في الدول المجاورة لتركيا أو الاتحاد الأوروبي، رغم ذلك هناك شك في ما إذا كان جانبا الاتفاق يستطيعان استيفاء شروطه بطريقة لا تمس باللاجئين مرة أخرى، وبطريقة لا تخلق شحنة جديدة من التشكك بين تركيا والاتحاد.
ليس هناك علاقة مباشرة بين الصفقة الأوروبية التركية والاتفاق المنسوج بين تركيا و»إسرائيل»، لكن ما يزال يظهر بهذا الخصوص عدد من القضايا ذات الصلة المهمة؛ الليونة الملحوظة مؤخرًا في تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالنسبة لإسرائيل، وكذلك تقدم العلاقات الثنائية بين «إسرائيل» وتركيا قبيل إنجاز اتفاق حول تطبيع العلاقات بين الدولتين مرتبطة مباشرة بكون الأزمة مع روسيا عززت لدى تركيا الفهم، انه من الناحية الأمنية من الأفضل لها حاليا أن تخفض التوتر السياسي مع كل من روسيا و»إسرائيل»، لا سيما إذا كانت الأخيرة «عرابة» التقارب التركي الروسي على حساب الخذلان الأمريكي الاوروبي الذي تشعر به تركيا.
تبدو العلاقات الخارجية لأنقرة في طريقها إلى التبدل، وسوف يكون من نتائج هذا التبدل الاستراتيجي تحولات على مستوى العديد من الملفات العربية، وفي مقدمتها سورية وفلسطين، فالحاجة إلى الغطاء الروسي الإسرائيلي في ظل الخذلان الأمريكي الأوروبي لأنقرة يعد ضرورة اقتصادية وسياسية واستراتيجية في الوقت الراهن.
٭ كاتب وباحث فلسطيني
هشام منور