القفزة البريطانية في الظلام

حجم الخط
26

مع افتتاح الأسواق العالمية اليوم صباحاً سينكشف للبريطانيين حجم الهوّة التي فتحها قرار التصويت على خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، غير أن المؤشرات تشير إلى أن هذه القفزة الكبيرة ستؤكّد التصريحات التي حذّرت من أن المواجهة مع أوروبا ستكون لها عواقب وخيمة ستمتد لسنوات طوال.
تحدّث قادة تحالف «بريكسيت» المطالبين بالخروج من الاتحاد الأوروبي، عن «استقلال» بريطانيا (كما لو أنها كانت محتلّة) وعن «السيادة القومية» واستعادة حكم البلاد (وهي عبارات تذكرنا بشعارات الانقلابيين العسكريين العرب الذين دمّروا بلدانهم)، وصولاً إلى تحسين الخدمات البلدية والصحية والتعليمية ووقف الهجرة، غير أن هذه الوعود تبدو أبعد ما تكون عن الواقع رغم أنه لم يمض على إعلان نتائج الاستفتاء سوى أيام قليلة.
لا يجب، رغم ذلك، الاستهانة بالمعاني العميقة للشعبية التي حصلت عليها حملة الخروج وأدّت لحصولها على قرابة 52٪ من أصوات المنتخبين، والتي تقول، بداية، أن المشاعر القوميّة والوطنية (وخزّاناتها العنصرية طبعاً) ما تزال من المحرّكات السياسية الفاعلة في العالم الغربيّ.
بريطانيا التي بدأت عمليّاً الثورة الصناعية التي انتشرت في الغرب، وقادت أكبر الفتوح الاستعمارية متنافسة في ذلك مع جاراتها في القارّة، لديها أيضاً تاريخ قديم حافل بالحروب العنيفة مع الأوروبيين، كما جرى مع فرنسا (قرابة 110 أعوام بين 1337 إلى 1453)، ومع اسبانيا (1588 إلى 1604) ومع ألمانيا خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، وقد قامت حملة «الخروج» باستعادة أسوأ ما في هذا التاريخ، وركّبته على أزمات الحاضر.
قامت حملة الخروج بالإساءة المركزة للمهاجرين واعتبار التعاطي مع قضيّة الهجرة حلاّ سحريّا لكل الإشكالات التي تعاني منها قطاعات السكن والصحة والتعليم، وبذلك صار شائعاً لدى فئات واسعة من البريطانيين توجيه اللوم إلى «الغرباء» بدل لوم السياسات الحكومية التي بدأت عمليّاً مع استلام رئيسة الوزراء الأسبق مارغريت ثاتشر الحكم بين عامي 1979 إلى 1990 والتي لعبت دوراً كبيراً في صعود تيّار المحافظين الجدد في العالم، والذي قادته مع رونالد ريغان، وورثه وأوصله إلى نهاياته الكارثية، توني بلير وجورج بوش الابن، وكانت له آثاره السياسية والاجتماعية والاقتصادية الخطيرة في بريطانيا، التي نراها اليوم، وفي العالم.
الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي، ضمن هذا السياق، هو نتيجة طبيعية لسياسات داخليّة وخارجيّة خدمت عمليّاً مشروع تفكيك الاتحاد الأوروبي، الذي قامت فكرته على منع أي حروب جديدة داخل القارّة، وتأمين ذلك بمصالح مشتركة اقتصادية واجتماعية وسياسية لمواطني الاتحاد، وكان التحالف الأمريكي ـ البريطاني لخوض حروب مشتركة، إضافة إلى رفض لندن الدخول في اتفاقية شنغن واعتماد عملة اليورو، مقدّمات للفراق الذي تحوّل إلى طلاق.
على خصوصيتها، فإن حركة «بريكسيت» يمكن موضعتها، من دون صعوبة كبيرة، ضمن تيّار عالميّ يمتد من الولايات المتحدة الأمريكية حيث يعتبر المرشح الجمهوري دونالد ترامب هو التجلّي الأقصى لهذا الاتجاه، ويتواصل مع تيّارات اليمين المتطرّف في فرنسا وألمانيا، ويتلاقى حتى في نقاط تقاطع عديدة مع روسيا فلاديمير بوتين، ودول مثل الصين (وحتى إيران) وإسرائيل وبعض دول الاستبداد العربي، ويجد حاليّاً في ما يسميه ترامب «الإسلام المتشدّد»، والمهاجرين والأقلّيات عموماً، هدفاً للشحن وتأجيج الغرائز القومية والعنصرية والدينية.
بقفزتها هذه في المجهول، ستواجه بريطانيا مشقّات كبرى وحالة طويلة من عدم الاستقرار وانعدام اليقين، ففي المواجهة بين تاريخ قديم من تيّار الرغبات الشعبوية وكره أوروبا ومستقبل أساسه تفكيك الحدود القومية والعولمة والضرورة الحتميّة لحركة الشركات والأموال والبشر اختارت بريطانيا الماضي، فدفعت اسكتلندا لخيار معاكس، ورفعت سقف المواجهة مع القارّة الأوروبية، وأدخلت البلاد في أزمة سياسية واقتصادية، وكلّها خيارات حادّة وثمنها أفدح بكثير من ثمن بقائها في الاتحاد واستقبالها المهاجرين ومشاركتها في قرارات أوروبا بدل الخروج منها.

القفزة البريطانية في الظلام

رأي القدس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية