القاهرة ـ «القدس العربي» محمد عبد الرحيم: «اللهم إني أستغيث بك وأفزع إليك بقلب كليم، وأستهديك وأنت بحالي عليم، أدعوك وقد آذتني المشاغل والهموم، وضاقت علي الأرض بما رحبت ولن يسعني غير عفوك يا قيوم، ولا نجاة لعبدك الهالك إلا بوصلك المعلوم… فأسألك بزواخر إمداداتك، وبنزلات إشراقات أسرارك، وبجمال إيناسك، وبإيناس الحب من ذاتك، وما ادخرته في الأزل لأحبابك … بغفرانك الأكبر، بعفوك الأشهر، لا إله إلا أنت السميع القريب المجيب، تجيب دعوة المضطر وتكشف السوء، وتجعل مَن تشاء خليفة…» (من ورد الاستغفار في توبة الأبرار الخاص بالطريقة الخليلية).
ما بين الدين الرسمي والشعبي صراع لا ينتهي، فإن كان الأول يستند إلى النصوص والشريعة والسُنة، ويُمارس من خلال المؤسسات التابعة للدولة، فإن الدين غير الرسمي أو الشعبي يتم من خلال الاختيار الروحي والتدرج في علاقة الله بالناس، وتأويل الدين من خلال الرموز والصور الخاصة بعيداً عن القواعد الأساسية. هكذا يوضح شحاته صيام في مؤلفه المعنون بـ«الدين الشعبي في مصر.. نقد العقل المتحايل»، والصادر مؤخراً في طبعته الثانية عن مكتبة الأسرة، سلسلة العلوم الاجتماعية، ويقع في 264 صفحة من القطع الكبير. والمقصود بالتدين الشعبي هنا هو الطرق الصوفية، والمتصوّفة وطرقهم في مواجهة الدين الرسمي، الذي تطبق الدولة عليه قبضتها، وفي معظم الأحيان يدور في فلكها، يؤمّن على أفعالها، ويقف بالمرصاد ضد معارضيها، وتاريخ الفقه الطويل يشهد بذلك، اللهم في حالات قليلة خرج عن الإطار المرسوم، ودفع أصحابه ثمناً فادحاً. فالطرق الصوفية كما يراها الكاتب تعد ثورة شعبية، أو احتجاجا هادئا ضد هيمنة المؤسسة الرسمية، المُتعالية على المخاليق في صالح السُلطة الحاكمة. وسنحاول عرض أهم النقاط التي جاء بها هذا البحث المهم.
الظاهرة الدينية والواقع الاجتماعي
يرى المؤلف بداية أن الوظائف التي يلعبها الدين في المجتمع يجعل منه ظاهرة ثقافية، حيث يُعد مرجعاً تتحدد من خلاله السلوكيات والدوافع، إضافة إلى تنظيم العلاقة بين الخالق والمخلوق، وبالتالي فالدين يتنوع بتنوع الزمان والمكان وتباين الأنظمة والبيئات، والبنى الاجتماعية والمؤسسات. ويتضح من التاريخ الاجتماعي والاقتصادي والسياسي أن الدين الشعبي يُعبّر عن اتجاه تأويل الدين، بينما الرسمي يُعبّر عن وجهة نظر النظام، وبالتالي كان المتصوفة غالباً ما يرمون بالإلحاد والكُفر، لأنهم أصبحوا يهددون النظام السياسي، وهو بذلك من الممكن تسميته بدين البروليتاريا في مواجهة دين السلطة، دين الخاضعين، وليس الفئة المسيطرة. وبذلك يوصف الفكر الصوفي بأنه ثقافة منقولة ــ معرفة تقليدية تكرارية ــ تعمل على نشر إسلام بسيط بين العوام، يعمل على نشر العقائد والقيم الرمزية التي لا علاقة لها بالإسلام.
السحر والتصوف
في هذا الفصل يوضح المؤلف العلاقة الوطيدة بين التصوف والسحر، وإن كان قد بدأ التصوف في الإسلام مُنتهجاً أسلوب الزهد، إلا أنه أصبح بعد ذلك طريقاً للمعرفة، وهو ما سمح بتداخل الديانات الأخرى فيه، والارتباط بالباطن والعلم والغيب، والاعتقاد في الأرواح والحلول والاتحاد. فاعتمد الصوفيون في الأساس على الخوارق، والاقتران بالكرامات لم يأت بطريقة طبيعية، بل باختلاق القصص والأساطير، وذلك بغية إعلاء مكانتهم في عيون ونفوس مريديهم. وما بين خرق العادة والخروج عن المألوف، المتمثل في الكرامات، فالعلاقة بين الصوفية والسحر لا تنفصم. ولكن المؤلف هنا لا يُشير إلى فكرة ارتباط النص المقدس بتمجيد الخوارق في حال الأنبياء، وبالتالي لم تخرج الصوفية أو تحيد عن طرق التأثير في المريدين/الأتباع/جموع المؤمنين أو الآخر بشكل عام.
سلطة الخطاب الصوفي
والسلطة المقصودة هنا هي سلطة الممارسة الفعلية للخطاب على المستوى الاجتماعي، ويرى أن الصوفية تمثل حالة متباعدة عن الإسلام الرسمي، إضافة إلى تناقضه مع ظاهر النص الديني، حيث يؤوله الصوفيون، ويجعلون من محمد النموذج الأول لهم. وهو بالتالي ما له انعكاس على الكتابة ورؤية العالم، هذه اللغة التي تأتي دوماً من خلال النموذج الشعري، كتعبير للوصول إلى المُطلق النهائي، وهو نوع من التماهي مع لغة ما قبل الإسلام الروحية، التي تأتي عباراتها كتجربة خاصة وحسب. وهو ما خلق من الشعر الصوفي صوراً لتجليات المطلق في الذات والعكس، وهو ما جعل من كلام الذات أمراً نهائياً، وغير قابل للجدل، وهو ما يناقض لغة الدين، والتي هي لغة فهم، على العكس من لغة الصوفية الخارجة عن نطاق العقل والمنطق، والقائمة على المجاز. ووفق الذوق الصوفي فالتصوف لا يتحقق من خلال القراءة والدرس، بل فقط تجربة ذاتية، عن طريق المعاناة والمجاهدة والصبر.
أزمة الدين الشعبي في مصر
وفي الأخير يرى المؤلف أن الذهنية الدينية الشعبية بأفكارها وممارساتها تعد ثورة على العقل الفقهي الرسمي، خاصة بعد أن سعت إلى تحويل الأرثوذكسية الدينية إلى تاريخ خاص لجماعة أو لشخص معين. وهو ما يتمثل في الطرق الصوفية، بداية من دعوتها إلى الانسحاب من المجتمع، فهي بذلك ليست اعتقاداً تلقائياً لتعاليم الدين، بل تعني انها حالة واعية تعني القطيعة مع كل ما هو قائم. ويستخلص في النهاية أن هذه الجماعات على تنوعها تسعى إلى إبعاد مريديها عن التفكير في ما يعترضهم في حياتهم العملية، وبالتالي تجعلهم مُنسحبين عن التغيير في ما هو قائم، أي وسيلة لتغييب الوعي.
ولكن .. السؤال الذي يطرح نفسه بالمقارنة، هل الدين الرسمي، الذي يدور في فلك السلطة السياسية، والذي يحرّم الخروج عن طاعة الحاكم، ويؤسس وفق تأويل النصوص الدينية لهذه السلطة، يجعل من تابعي هذا الشكل الديني فاعلين في الحياة، ويسعون إلى التغيير؟
وإن كان الصوفيون ــ رغم الطقوس والمهازل المرتبطة ببعض الطرق ــ أصبحوا يُشكلون ثقلاً في الحياة السياسية، بأن يتم استرضاء أو الاتفاق مع مشايخهم بالمشاركة في الانتخابات البرلمانية أو الرئاسية، ووفق هوى السلطة بالطبع. فالأمر سيان إذن، فلا أمل ولا دعوة للتفكير والتغيير!