الشغف بـ«الصورة الصادمة» بداية لموت الحقيقة

حجم الخط
0

تعود علاقة الإنسان بالصورة إلى أزمان سحيقة، فقد زينت الرسومات جدران وكهوف العالم القديم. فنرى صوراً كثيرة مثلاً في مغارة «لاسكو» في فرنسا، وهي واحدة من المغارات التي تحوي في داخلها أقدم الرسومات التي جاءتنا من عصور موغلة في القدم. يعود تاريخ الصور الحافل بحوالي الثلاثمئة نقش إلى 15000 عام قبل الميلاد! شملت الجداريات رسومات مختلفة، بعضها يصوّر غزلانا ووحوشاً مفترسة، ويزخر البعض الآخر بمشاهد مدهشة رسمت بعناية وبألوان صارخة جسدت العنف والقوة مثل تلك النقوش التي تصور ثوراً جريحا، يسحق رجلاً أو حصاناً أصابه سهم.
بعد العصر الحجري القديم، وهو الزمن الذي نُقشت فيه تلك الرسومات، نعثر على صور تزين أسوار مدن ومعابد العالم القديم في بابل ومصر الفرعونية واليونان، مروراً بالحضارات الآسيوية وأوروبا الرومانية. كانت تُعبّر تلك الرسومات عن الاهتمام الكبير من لدن الإنسان القديم بالصورة. لكن الموضوع الذي كان يحتل الصدارة على جدران هذه الجداريات هو انتصارات الملوك وهم يأسرون المقاتلين الأشداء أو يصارعون الأسود ويقتلون الوحوش المفترسة.
إن هذه الرسومات مجدت القوة وإن كانت بأشكال بدائية. فنرى أسوار بابل وقد زُينت بصور الأسود المفترسة، أو ملوكها وهم يقودون عربات الحروب في ساحات الوغى.
استمر تجسيد القوة بصورة أكثر عنفا وأقل تجريداً في الفن الإغريقي، هكذا، نصادف في بعض الأعمال التي رُسمت على الخزف أو الرخام كثيراً من مشاهد العنف والقوة المطلقة، كما في صورة البطل الإغريقي آرخيل على إناء خزفي وهو يغرس رمحه في جسد العدو.
تواصلَ مشهد تجسيد القوّة في الفن عبر كل الأزمان، وهو ما أطلق عليه بعض المختصين وصفاً يبدو لي الأقرب إلى تعريف هذه الأعمال بـ»الصورة الصادمة» أو الشغف في استعراض لحظة «الموت في ساعة وقوعه»، كما يسمية الناقد الفرنسي بول آردن في كتابه القيم «الجماليات القصوى لتجاوز الحدود».
إن عنف الصورة انتقل في ما بعد إلى المسيحية التي لم تسلم من حمى عرض الصور الصادمة، بل أكثر من ذلك، فقد استغلت الفن لأسباب دينية وتبشيرية بحتة، فصور فنانو العصور الوسطى معاناة السيد المسيح بلوحات ومنحوتات زينت جدران كنائس وكاتدرائيات أوروبا. جسدت تلك الأعمال آلام المسيح وعذاباته على الصليب. كان الإنجيل نفسه ملهماً لرسامي تلك الفترة في مواضيع عديدة؛ منها صور عنيفة مملوءة بالدم تستعرض آلام الجسد وعذابات القيامة، كأعمال الرسام الهولندي المثير للجدل جيروم بوش (1450-1516).
بعد فناني عصر النهضة، برزت أعمال فنية تصور مشاهد «صادمة» ليس بالضرورة أن تكون مواضيعها مستمدة من الميثولوجيا الإغريقية أو من التراث المسيحي، وإنما من الحياة اليومية والسياسية كذلك. نذكر منها على سبيل المثال الأعمال الفنية الخالدة لفرنسيسكو غويا (1746-1828) خاصة مجموعة «كوارث الحروب» وهي المرحلة السوداء، وفيها فظاعة الاحتلال الفرنسي لإسبانيا، كلوحته الشهيرة «الثالث من مايو»: يطلق جنود نابليون النار على مجموعة من الثوار الإسبان.
هذا ما يخص تطور العنف في مشهد الرسم أو النحت، أمّا لاحقاً، فقد انتقلت عدوى «الصورة الصادمة» إلى الفوتوغراف أيضا، عندما اكتشف التصوير الضوئي. إن هذا الفن الواقعي بامتياز لم يسلم من حمى شغف التقاط صور في لحظات الموت. وقد صور اليابانيون مثلا أثناء الحرب الصينية- اليابانية، (التي وقعت بين الأعوام 1894-1895) صورا تُظهر الجنود اليابانيين وهم يتسلون بإطلاق الرصاص على رؤوس مقطوعة لضحايا صينيين، أو وهم يبقرون بطون نساء حوامل ويلتقطون صوراً تذكارية أمام الضحايا! نشرالصينيون أنفسهم في مطلع القرن العشرين عام (1904) صوراً لإعدام رجل قُطع بضربة سيف إلى شقين في سلسلة من الصورة التراتيبية.
استمّر شغف أوروبا بـ«الصورة الصادمة» الى ما بعد مرحلة الحروب الكولونيالية، حيث ظهرت حينذاك صور الموت في المنحوتات التي ملأت شوارع أوروبا بعد الحرب العالمية الأولى تخليداً للذكرى والأرشفة والخلود.
صارت الصورة الصادمة في الحرب الأمريكية ضد فيتنام شاهداً حياً على البربرية والعنف اللذين مارسهما الجيش الأمريكي ضد الفيتناميين، وأغلبنا يتذكر جيداً صورة إعدام جندي أمريكي لرجل أعزل في وسط شارع في سايغون؛ لقد شاهدنا الموت، وتمعّنا النظر فيه طويلا، في هذه الصورة الصادمة. شاهدنا الموت مباشرة وجها لوجه وفي ساعة حدوثه! ازداد ولعنا بالصورة الصادمة في زمن الصور المتحركة، أي السينما، وتعتبر هوليوود الأم الحاضنة لهذا النوع من المَشاهد، فلا يكاد يخرج فيلم إلى صالات العرض السينمائية من دون إشاعة «متعة» النظر إلى بعض من حالات الموت المجاني ولكن الصادم. لكن في الإعلام المرئي، يبدو أن الغرب، وأمام مشهد الحروب التي أخذت تغزو القرن الواحد والعشرين، قد استوعب جيداً دروس الماضي، فترك شغف الجري وراء الصور الصادمة إلى أفلام الخيال أو أفلام الروايات التي تنتج في مصانع هوليوود، خاصة إذا كان الهدف هو إرعاب المشاهد، بل إننا نلاحظ أن توجه الإعلام الأمريكي يسير اليوم باتجاه تخفيف الصدمات التي يمكن أن تخلقها الصور المقبلة من ساحات الحروب الأمريكية لبسط «العدالة» حسب المفهوم الأمريكي، كما حدث في العراق وليبيا ويحدث اليوم في سوريا ومناطق متفرقة من عالمنا. فلم نرَ رغم حجم القنابل التي سقطت على رؤوس البشر أي مشاهد تثير الاشمئزاز والتقزّز، بل أن واحدا من معلقي بعض القنوات الغربية وصف مشهد سقوط أطنان القنابل على بغداد في حرب الخليج الأولى بأنها: «مضاءة كشجرة عيد الميلاد» …
من المفيد ذكره، أن الإرهابيين اليوم الذين يسمون أنفسهم بالـ«الدولة الإسلامية» وهم الدواعش غرفوا أيضاً من ميراث الصورة واستخدموه لغاياتهم. فهؤلاء الذين يتفاخرون بجرائمهم المنشورة في الفضائيات والإنترنت لم يأتوا من فراغ، بل من إرث ثمين وتراكم أخطاء وتأويلات، فقد غرفوا منه.. وما يزالون…
تجاوزت الصورة الصادمة الخارجة من عدسة التنظيم الإرهابي «داعش» إطارها عابرة كل الحدود التي عرفناها تاريخياً؛ كسرت الممنوعات والمحرمات، كما جعلت صورة العنف أكثر قبولاً.
مهما تتبادل الأدوار بين اللاعبين المختلفين ويتبدل المكان على خريطة الكرة الأرضية، فتتغيّر وجوه ولغات الفاعلين الحقيقيين من زمن إلى آخر، ولكن يبقى الضحية هو الإنسان المقتول، سواء أكان شاهداً على عملية قتله أم مجرد متفرج على شاشات التلفزيون.
سيبقى شغفنا بالصورة في وتيرة تصاعد وفي سرعة قصوى، وهو شغف يشهد على رغبتنا في الجري وراء العواطف التي تبعد عنا التأمل والتفكير بتروٍ بما يجري حولنا.
إنه زمن العواطف الملتهبة التي تصفعنا كل يوم وتُعمي عيوننا، بدون أن تترك لنا مجال البحث في وجه الحقيقة. إنه ربما زمن انتصار الصورة ولكن هل هو تاريخ موت الحقيقة أيضاً؟

٭ مخرج سينمائي عراقي

الشغف بـ«الصورة الصادمة» بداية لموت الحقيقة
تطور مفهوم العنف في الفن عبر العصور
ليث عبد الأمير

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية