رفعت الجلسة وانتهى معها ظهر الثلاثاء قبل الماضي جدل برلماني صاخب رافق إعلان مكتب مجلس نواب الشعب في تونس تأجيل موعد مساءلة وزيرين في حكومة الصيد، حول ملف اغتيال السياسيين البارزين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، الذي كان مقررا السادس عشر من الشهر الجاري. رغبة في «الابتعاد عن شبهة ممارسة السلطة التشريعية لأي ضغط كان على السلطة القضائية»، بحسب ما أكده مساعد رئيس المجلس، وانصياعا ورضوخا لإرادة كتلة حركة النهضة، مثلما فهمه وفسره نواب الجبهة الشعبية، قبل أن يتأجج بعدها بشكل أكثر حدة ووضوحا خلال انعقادها في تاريخ لاحق.
مصدر الجدل وعقدة الحل والربط لم يكن أمرا آخر غير لعنة الاغتيالات السياسية التي أصابت البلد قبل ثلاث سنوات من الآن وقلبت ميزان قواه رأسا على عقب، وعجلت بسقوط حكومتي «الترويكا» الأولى والثانية، ثم تحولت بمرور الوقت إلى مسمار جحا يحكم معادلة السلطة والمعارضة في عصر الديمقراطية الرخوة، ويسمح للجبهة الشعبية وهي ائتلاف لأحزاب يسارية وقومية بأن تقدم نفسها على أنها المحامي والضحية في الوقت نفسه لعسف واضطهاد الحكام وتآمرهم على طمس حقيقة الجريمتين المروعتين ودفنها إلى الأبد .
وما زاد الصورة التباسا وتعقيدا هو فقدانها الثقة في أن يصل القضاء يوما إلى فك خيوط القضية وألغازها، وينزل القصاص العادل بالمتورطين فيها. كما ضاعف اعتقادها الراسخ بأنها تعرف معرفة يقينية وتامة ملامح الفاعل الأصلي، وهوية الطرف الذي دبر وخطط وأمر بتنفيذ الاغتيالين السياسيين، وصعوبة اقتناعها بإمكان تورط طرف اخر في الملف, فما ظل يتردد على مدى السنوات الأخيرة تلميحا وحتى تصريحا في بعض الحالات هو انه لا يمكن بأي حال من الاحوال ألا يكون لحركة النهضة التي كانت تقود الائتلاف الحكومي زمن الاغتيالات، ضلع أو دور محدود أو بارز فيها سواء تعلق الامر بالتخطيط المباشر أو التحريض أو التستر على الفاعلين والتقاعس في ملاحقتهم. لقد قالها النواب الجبهويون اكثر من مرة، وأضافوا في الجلسة الاخيرة وبوضوح تام أنهم «غاضبون لان مسار التحقيق في قضية اغتيال بلعيد لم يعرف سوى الاخلالات» مثلما صرح بذلك النائب نزار عمامي، معتبرين ان «مسار القضية انطلق بشكل خاطئ»، على حد تقدير رئيس كتلتهم. كما أنهم أعلنوا بشكل صريح ومباشر أن بلعيد «كان واحدا من الخصوم الشرسين لحركة النهضة، ولذلك تم استهدافه من رموزها بالتحريض والتشكيك والتكفير»، وأنهم أي النهضويين» يتحملون المسؤولية السياسية والأخلاقية عن اغتياله» مثلما جاء في كلمة النائب منجي الرحوي. أما الجانب المقابل فقد رد بأن « تعطيل التحقيقات في القضية هو «من قبيل الكذب والإشاعات» وأن «التشكيك والضغط الميداني والإعلامي الذي قامت به بعض الاطراف هو الذي جعل القضية تتعطل إلى حد الآن»، حسبما جاء على لسان النائب علي العريض، الذي كان وزيرا للداخلية ثم رئيسا للحكومة زمن الاغتيالين، قبل أن يضيف أن الجبهة الشعبية «حكمت على حركة النهضة وقياداتها بالاعدام السياسي» من خلال تلك الاتهامات المستمرة لها بالوقوف ورا ء الجريمتين.
لكن الامر الذي كان لافتا في الجلسة التي بثها التلفزيون الرسمي مباشرة على الهواء وعده رئيس كتلة حركة النهضة في المجلس «تطورا ملحوظا» يدل على أن التونسيين «صاروا يؤمنون بحق الاختلاف، وبأن الاختلاف ليس بالضرورة مصدرا للعداوة والتقاتل، بل يمكن أن يكون رحمة ومصلحة للبلد»، على حد وصفه هو انه مع ذلك القدر من التهجم المبالغ احيانا على الاسلاميين فقد بادر خصمهم في خطوة مفاجئة هذه المرة إلى ارسال بعض الاشارات الايجابية نحوهم.
حصل ذلك في مقطع قصير من كلمة النائب المنجي الرحوي ذكر فيه انه يقول «وبوضوح تام أننا في حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد، وفي الجبهة الشعبية نلتقط بشكل ايجابي ما يقوله بعض النواب من أن شكري بلعيد شهيد وانه زميلهم ويكنون له كل الحب. إننا نرغب بطي الصفحة، وان نكون في سجال ديمقراطي حقيقي على أساس الحجة والبرهان وليس على أساس الاقصاء والاغتيال ونفي الآخر. نحن نعتبر حركة النهضة مكونا من مكونات المشهد السياسي نختلف معهم ونعتبرهم سلفيين رجعيين لا يعبرون عن الوجه التقدمي لهذا البلد، ونساجلهم في هذا ونعارضهم، لكن لا نعاديهم إلى درجة العمل على نفيهم. نريد أن نساجلهم فكريا وسياسيا وليس غير هذا». ما جعل تلك الكلمات تكتسي قدرا من الاهمية، كونها صدرت عن قيادي في حزب عرف بعدائه الشديد ورفضه للاسلاميين، وحملت من جانب اخر توصيفا حضاريا وديمقراطيا لشكل الخلاف الحاد والمزمن بينهما، اخرجته من منطق صراع الوجود الذي لا بقاء فيه إلا لطرف على حساب الآخر وجعلته اقرب ما يكون لمنطق التدافع السلمي الذي ينادي به النهضويون انفسهم.
هل حصل ذلك تحت مفعول الاعجاب والثقة في صدق ما قاله نواب حركة النهضة في المجلس من أن شهيدي الجبهة هما شهيدا كامل تونس وشهيدا حركتهما ايضا، وأنهم حريصون بدورهم على معرفة حقيقة اغتيالهما؟ أم انه كان مجرد تلاعب بالالفاظ وتسويقا لصورة اخرى بعيدة عن واقع احزاب ستالينية عرفت بتكلسها الايديولوجي وافتقادها للحد الادنى من البراغماتية والانفتاح السياسي؟
ما يرجح فرضية الاحتمال الثاني على الاول هو أن ممارسات ومواقف الجبهويين لا تدل حتى الان على أنهم بصدد القطع مع سياسات الرفض التي عرفوا بها، وصارت السمة الاكثر تمييزا لهم. وهنا قد لا يكون من السهل على أحد من التونسيين أن يعرف ويحدد على وجه الدقة ما اذ كان ذلك الرفض شكلا من اشكال الرغبة في إلغاء وإقصاء الآخر؟ أم نوعا من انواع المعارضة الطبيعية والمشروعة للسلطة بوجه عام.
والإشكال الحقيقي هو أن استمرار ذلك التصلب والتشدد في المواقف لا يسمح للجبهة بالخروج السلس من مرحلة الاحتجاج الشعبوي الذي طبع مسيرة تأسيسها قبل أقل من أربع سنوات من الآن، ودخول مرحلة جديدة تجعلها قادرة على اقناع التونسيين بأن برامجها للحكم ليست قفزة في المجهول. ومن الواضح أن الانغلاق الايديولوجي يمنع الاحد عشر حزبا المكون للجبهة من التطور الطبيعي والقراءة الصائبة للمتغيرات في تونس وحولها. فقد اخفقت المراجعات الشكلية التي حصلت داخل حزب العمال مثلا، وهو واحد من اكبر احزاب الجبهة واكثرها عراقة، في جعله يقطع بشكل جذري مع اصوله الماركسية التي عطلت تمدد شعبيته، رغم خطابه الاجتماعي الجذاب. ولم يكن قرار حذف كلمة الشيوعي من اسمه ووجود سيدات محجبات في اجتماعاته، وحتى على لوائحه الانتخابية، ثم زيارة حمه الهمامي اكبر رموزه التاريخية إلى إحدى الزوايا خلال حملته الانتخابية، سوى مظاهر سطحية لم تغير شيئا من مرجعيات الحزب وتوجهاته الصدامية مع السلطة، أو نظرته الباردة إلى الاسلام على انه موروث ثقافي جامد.
المفارقة هنا أن رفاق كارل ماركس على اختلاف ألوانهم وانتمائهم الحزبي لم يقدموا حتى الان على قطع الخطوات الصعبة التي طالما طالبوا خصومهم بها، وهي أن يصبحوا اكثر قربا من التونسيين ونضجا للالتزام بمقتضيات الدولة. ولازالت روابطهم بالفكر الماركسي وصلاتهم برفاقهم في الأممية الشيوعية شديدة اللبس والغموض وبعيدة عن دائرة اهتمام اعلام محلي مشغول للاخر بالبحث فقط في اثبات الجذور الاخوانية لحركة النهضة.
كما أن تعاملهم بشيء من التشفي مع ازمات البلاد وكأنها شأن حزبي لا يعنيهم في شيء لم يرفع اسهمهم في الانتخابات الاخيرة، وربما يكون سببا في زيادة عزلتهم وانحسار شعبيتهم في المواعيد الانتخابية المقبلة ايضا. إنهم لا يقبلون الاعتراف بأنهم شركاء حقيقيون في التجربة الديمقراطية الحديثة لهم ما لها وعليهم ما عليها، وينفون أن يكون لهم اي دور أو مسؤولية عما يعتبرونه إخفاقا لتجربة الحكم التي اعقبت نظام بن علي، ويصرون في المقابل على الجلوس على مقعد المتفرج على انحدار الاقتصاد وتعقد الازمة وعلى تقديم ضحايا الاغتيالات السياسية، وبالخصوص بلعيد والبراهمي كشهداء وحيدين وربما حصريين للديمقراطية والحرية. وما يفعلونه ببساطة هو انهم يطعنون كل تلك القيم والاحلام من الخلف بدعواتهم للاضرابات والاعتصامات وتعطيل الانتاج وقطع الطرقات ثم يطلقون بعد ذلك امام كاميرات الاعلام صيحات الفزع والتحذير من ضياعها. إنهم يتصورون انفسهم فصيلا نادرا من الملائكة يعيش في بلاد من الشياطين ويعتقدون أن ادخال الناس إلى جنة البروليتاريا وصراع الطبقات ولو بالسلاسل هو النهاية الطبيعية والحتمية للتاريخ. اما إلى متى يستمرون في ذلك؟ ومن يملك القدرة على اقناعهم بأنهم بشر مثل غيرهم يصيبون ويخطئون، لكنهم لا يملكون الحقيقة المطلقة وحدهم؟ فذلك ما ليس منتظرا أو متوقعا أن يحصل في وقت قريب مادامت الديمقراطية التونسية لا تعني لكثير من السياسيين المحليين سوى المزيد من الجدل الصاخب والحاد تحت قبة البرلمان وخارجه و لو أدى ذلك لفشل التجربة ودمارها وانهيار السقف بالكامل فوق رؤوس الجميع.
٭ كاتب وصحافي تونسي
نزار بولحية