و(غمْس) القلم في الخلّ، كناية عربية قديمة، يراد بها العدول عن جادّة الصواب، والإسراف الشديد في الجدل، غير المفضي إلى ثمرة، والخروج إلى ما لا ينبغي أن يقال، أو قيل بصورة قاسية، فيها من الفجاجة الشيء الكثير، فإذا أدمت النظر لن تعدم أن تقع على سخرية هنا، واستهزاء هناك، مع خلط الحابل بالنابل، واللجوء إلى الاستطراد، بحيث يترك الكاتب الموضوع الرئيسي، وينشغل بغيره، إلحاحاً منه على إفراغ ما في جعبته من سهام، فهو مصرّ على رميها كلًها، فإن أصاب بعضها، فهذا حسن، وإن انغرست جميعها في جسد المقصود، فهو الأحسن، بل هو المطلوب، وإليه الغاية. وليس ذاك الذي مرّ، من المنهج، والموضوعية في شيء.
ولعلّ هذا هو الذي صنعه صلاح بوسريف «لن ترد أي ألقاب، تسبق الأسماء في هذا المقال، مجاراة لما يختاره بو سريف نفسه» حين (ردّ) على صلاح فضل في مقاله المنشور في صحيفة «القدس العربي» الغرّاء، بتاريخ 10/6/2016، الذي جعل عنوانه: «بعض ما قاله «الدكتور» صلاح فضل عن النقد والإبداع المغاربيين… الأعمى الذي يقود المبصر). وأضع كلمة (ردّ) بين قوسين، شكاً في أن ما كتبه كان (رداً)؛ لأنَّ للرد قواعد، وتقاليد معروفة، خصوصاً إذا صدرت عن أقلام (الأكاديميين)، المحتمين بأسوار الجامعات. لقد كان ذلك (الردّ)، على سبيل التجوّز، (خلاًّ) مدافاً بـ(علقم)، تحس بمرارته قبل أن تتذوقه، فما بالك إذا ذقته، وراح صلاح بو سريف بعد هذا، يجرح، ويمعن في الجرح، ويقول، ويسرف في القول، وكأنه يذكّرنا ببيت حَلَج بن نضلة، وهو من العصر الذي سبق الإسلام يقول:
جاء شقيق عارضاً رمحه
أن بني عمّــك فيهـــم رمـــاح
وشقيق في موضعنا هذا، هو صلاح بوسريف الذي شهر رمحه، وسلّ سيفه، وجاءنا محارباً، نحن المشارقة الذين لا أتحدث باسم أحد منهم سوى نفسي، على الضدّ تماماً مما صنعه هو، حين نصّب نفسه متحدثاّ باسم (المغاربيين) على كثرتهم، وفيهم من العلماء الأفاضل كثير، ولا ندري إن كان قد استشار (النقاد)، و(المبدعين) المغاربيين قبل إطلاق أحكامه، فأعطوه هذا التفويض، وأقول هذا؛ لأن كلمة (المغاربيين) تتكرر في مقاله. يكتب (… وأنا أحتفظ له (صلاح فضل) بصفته الأكاديمية التي تنازلنا عنها، نحن المغاربيين، فيما نكتبه وننشره)، وقد زاملت عشرات من الأكاديميين (المغاربيين)، فوجدتهم محتفظين بألقابهم، حريصين عليها، بل يصّر بعضهم على (الأستاذ) تسبق كلمة (الدكتور)، ويأتي الاسم بعد هذا، إمعانا في الحرص، فالواقع شيء، وما يقرّره بو سريف شيء آخر. ويكتب (… والمغاربيون، في ما راكموه، من دراسات حديثة، وفي ما ترجموه من أعمال كبرى…) ومقاله كلّه يشي بهذا الأمر، وكأنّه وَضْعُ للشيء في غير موضعه، وفضلاء (المغاربيين) جديرون بتجلية هذه النقطة، وهم الذين أستحضر لهم بيت زيد بن حارثة بن بدر الغداني، وهو:
وإذا ابن عمّك لجّ بعض لجاجةٍ فانظر به غدَه ولا تستعجل
(ينظر:شعره في (شعراء أمويون، 2/358)،
وأستدعي لهم بيت الطرّماح بن حكيم، وهو:
إذا ما صدعتَ العظم من ذي قرابة
فلستَ له إلاّ بعظمك شاعبا
(ينظر:كتاب الأمثال، لحمزة،ص418)
غير أنّه صَدَع العظم، وأخرج وضَحَه، وصدّق ما جاء في بيت الأخطل:
حتى أقرّوا وهم منه على مضضٍ
والقول ينفذ ما لا تنفذ الإبرُ
(ديوانه، 1/202)
فتكاثرت (الإبر)، وغار كثير منها في اللحم حتى وصلت العظم، ومن هنا توفّر لي حقّ الكتابة عن ذلك المقال، كما توفّر له، وسأجعل ما أكتبه في نقاط، كما صنع هو، احتراما لحرمة العلم، وتمسكا بالمنهج الذي حاد عنه صلاح بو سريف، والتزم طريقا آخر ما كان ينبغي أن يسلكه.
أولاً: تفوح رائحة (الخلّ) منذ النقطة الأولى من المداد الذي أراقه ليكتب مقاله. نرى هذا في العنوان، وهو (عَتبة) النّص، ومدخله، وقديما قيل: (العناوين أنساب المضامين) (ينظر: العنوان.عباس رحيلة، ص6) وهو ما لا يجهله صلاح بو سريف، بل يعرف جيداً ما قرره جيرار جينيت من أن لـ(العنونة) أربع وظائف هي: الإغراء، والإيحاء، والوصف والتعيين (ينظر مجلة «عالم الفكر» الكويتية. سنة 1997، ص100)، وقد بدت تلك الأربع بقصد في عنوان المقال، حين جعل المشرقيّ (أعمى)، والمغاربي (مبصراً)، بحيث يقود الأول الثاني، وهذا غير مستقيم عقلاً. ولكنّه وقع عنده، على محمل السخرية، والتنقّص من الآخرين، ولا يُحمل (الأعمى) عند بو سريف على هذا، بل على المجاز منه، استضاءة بقوله تعالى: «ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضلّ سبيلا» (الإسراء 72). ويبقى وصف الآخرين بالعمى المجازي إسرافا شديدا، يقابله الإبصار بكلّ ما يحمله من وضوح رؤية، وبصيرة، وذكاء ليكون وصفاً للذات، وفيه من (التعالي)، و(الانتفاخ) الشيء الكثير، وهو الذي أخذه على صلاح فضل حين وصفه به، وها هو يقع فيه، وسنرى له نظائر أخرى حين يرى ما يريد رؤيته، ويتغافل عمّا سواه.
ثانيا: يتقبّل بو سريف النقد، حتى لو كان حادّا، حين يصدر من الكبار، كما يسمّهيم، ويخصّ طه حسين بحديثه؛ لأنه «لم يكن مدّعياً، أو جاهلاً، بما يتكلم عنه، ولا أعمى، مثلما يحدث اليوم عند كثيرين من دكاترة المشرق»، وكأن قبوله بطه حسين لم يكن سوى الهدوء الذي يسبق العاصفة، إذ ينهال بعد هذا على «كثيرين من دكاترة المشرق» بالجرح، والتبخيس، فهم مدّعون، جهلة، وعميان. لماذا؟ لأن «قطار المعرفة قد فاتهم، وما زالوا لم يخرجوا من كهف أفلاطون ليدركوا الفرق بين الواقع، وبين تلك الظلال التي تأكل أبصارهم، وتعشيها، أو تصيبها بالدوار، ولجلجة اللسان»، وكأنّه يحقّق بذلك قول من قال: غلب الطبع التّطبع، إذ ما يلبث أن يجنح إلى طبيعته في الإيذاء، تاركاً (الخاص)، وهو صلاح فضل، عابرا إلى (العام)، وهم الكثيرون من دكاترة المشرق، ولا علاقة لما يقرّره بـ(المنهج)، ناهيك عن مبادئه. ويصبح (العام) بعد هذا همّه، وسيّد عمله في بقية المقال. فنراه يعرّض بناقل كتاب جون كوهن إلى العربية، وهو أحمد درويش، وعنوان كتاب كوهن «بناء لغة الشعر»، ولم يذكره صراحة كما سيصنع مع جابر عصفور. يكتب: «… ناهيك عمّا صدر من ترجمات في مصر، أعاد المغاربة تصحيحها، بعد نقدها، وكشف هفواتها المرتبطة بالفهم، قبل التأويل، بينها أعمال جون كوهن وغيرها»، ويبدو أن تخصيص جون كوهين بالذكر يعود إلى أن أحمد درويش، في طبعته الثالثة للكتاب، تعقّب الترجمة التي صدرت في المغرب بعد طبعة ترجمته الأولى. أقول: تعقّب تلك الطبعة بنقد علمي مشوب بكثير من التقدير لها، وهذا لا يجوز في (منطق) بو سريف، فكيف يجرؤ (مشرقي) على الإقدام على مثل هذه (الفعلة)، ويكسر الحاجز، ويقترب من الحمى؟ والطبعتان: المصرية، والمغربية مبثوثتان في الأسواق، ومن الممكن التأكد من هذا القول، بعد قراءتهما. أمّا جابر عصفور المذكور اسمه صراحة، فإنّ ما وجّهه إليه صلاح بو سريف من (تجريح) لا ينضوي تحت النقد بأي حال، فهو يأخذ عليه مواقفه السياسية تارة، وبعض كتاباته النقدية تارة أخرى، مع (تنظير) يقترب من الخطب الحماسية، والرأي الشخصي، وهو حرًّ فيما يعتنق من آراء، ويتخّذ من مواقف.
ثالثا: يتهّم صلاح بو سريف صلاح فضل بأنّه «لا يعرف شيئاً، لا عن النقد المغاربي، ولا عن الإبداع في هذه الجغرافيا العربية المنفتحة على الثقافات والمعارف»، ومن الممكن ـ منهجيا ـ توجيه هذا (الاتهام) إلى صلاح بو سريف نفسه عن النقد المشرقي وإبداعه. وأعتقد أن هذه هي (اللجاجة) بعينها، وهي لا تفضي إلى ثمرة، أو تؤدي إلى نتيجة، ولم يتعرّض لها صلاح بو سريف إلاّ ليصل من خلالها إلى إضفاء هالة نورانية، وقداسة رسولية على الإنتاج (المغاربي)، متجاهلاّ أن أيّ حركة إبداعية، أو نقدية فيها الجيد والرديء، والصالح والطالح، وليست التجربة (المغاربية) نسيجا وحدها في هذا، خصوصاّ مع عمرها القصير نسبياّ، ذلك الذي أقرّ به، هو نفسه، في بداية المقال، ولكنّها اللجاجة.
رابعا: ونأتي إلى الطّامة الكبرى التي غطّت على ما عداها، ومحت أيّ أثر من آثار المنهج، إن كانت له آثار أصلاّ، ونريد بتلك الطّامة قول بو سريف: («الدكتور» الذي يعتبر نفسه الناقد المؤهل ليضيء ما نكتبه من إبداع، هو مَن كان مساهماً في جريرة المليون شاعر، التي كانت تكريساً للنمطية،وتكريساً لشعر، لم يخرج عن الشفاهة التي هي تعبير عن «القصيدة» بكلّ بنياتها المترسّبة في «العقل الشعري» العربي، بتعبير الصديق الشاعر خزعل الماجدي، منذ أكثر من أربعة عشر قرناً). ويريد بو سريف بـ«جريرة المليون شاعر»، ذلك البرنامج الذي عرضته الفضائيات تحت عنوان (أمير الشعراء)، وليس (المليون شاعر) كما ذكر هو، فهي إذن (جريرة) و(تكريس للنمطية) حين يشترك (ناقد) في تحكيم مثل هذه البرامج؟ وقل ما شئت، فلن تعدم المزيد، ولكن لماذا ينفرد صلاح فضل وحده بالوقوع في تلك (الجريرة)، والغرق في (النمطية)؟ لماذا لا يشاركه في هذا، من كان معه جالساً في المجلس نفسه؟ ونريد به (المغاربي) عبد الملك مرتاض، ونقلتْ ذلك المشهد، الفضائيات، واحتفت به الصحف، ورددّته المجالس. هل نسي صلاح بو سريف أنّنا في عصر (الصورة)، وكلّ شيء مسجّل، ومدعوم بالصور، فأين المفر؟ ألأنّ عبد الملك مرتاض (مغاربي) يحقّ له، ما لا يحقّ لغيره، ولسنا هنا في مجال اختلاف (الشاعر) عن (الناثر)، ومباحث (الضرورات الشعرية)، فهذا ليس موضعه، غير أن المثل العربي المستفاد من الإنجيل يحضر بقوة، وهو «ترى القشة في عيني، ولا ترى الجذع في عينك»، فأين الإنصاف المنهجي؟ ولماذا نقول نصف الحقيقة، ولا نجرؤ على قولها كاملة؟ أهو التعصب؟ أهو الهوى؟ ربمّا. ويمعن صلاح بو سريف ـ كعادته ـ في الإيذاء ليقول (… إذا كان الناقد، يعيش في الحاضر بعقل الماضي، أو يسعى، فقط لتبرير، ما سيتقاضاه من عملات، مقابل تسويغ القدامة، التي هي محاكاة معطوبة لشعر الكبار)، فإذا كانت القدامة تسوّغ المحاكاة المعطوبة، فإن للحداثة عطبها أيضاً، ولا أظن كتاب (المغاربي) محمد بنيس، قد فاته، وعنوانه «الحداثة المعطوبة» مطبوعات دار توبقال. فلكلًّ منهما إشراقه، وانطفاؤه معاً. ويقول في موضع آخر: «… الغريب أن هؤلاء (بعض النقاد المشارقة)، هم مَن تجدهم في كلّ مكان من أرض الله العربية، وهم من يقترحون مَن سينوب عنهم في لقاءات لا يحضرونها، وهذه هي معضلة واقعنا الثقافي»، وفي تعليق سريع على ما مرّ، أسوقه على هيئة سؤال محرق هو: ألا يشترك كثير من (المغاربيين) مع كثـــير من (المشارقة) في تقاضي العملات، وفي وجودهم في كلّ مكان من أرض الله العربية، وفي الإنابة عنهم حين لا يحضرون؟ وهذه الصحف العربية، والشبكة العنكبوتية شاهد على أن الكثير من (المغاربة)، و(المشارقة) يقفون كتفاّ لكتف في صنع هذا الصنيع. فلماذا النظر بنصف العين، مع أن المشهد (المسرحي) مضاء بأنوار قوية. والجواب هو (استقالة المنهج).
خامسا: يكتب صلاح بو سريف: «لا نحتاج لنقد المشرق، ولا لترجماته، ولا حتى لفكره، إذا كان هذا الفكر، وهذه الترجمة، وهذا النقد، ادّعاءً، وضحالة في النظر، أو بصيرة فيها من الغشاوة ما يكفي ليجعل من الأعمى يدّعي قيادة المبصر»، ويكاد عجبي لا ينتهي ممّا حمله هذا النّص من مفارقة، فشقّه الأول رفض تام بات لكلّ ما يقدمه المشرق من نقد، وترجمة، وفكر، أما شقّه الثاني فأحكام قيمة ذات حدّية عالية تستخدم نعوتاً مثل الادعاء، والضحالة، والغشاوة، وما إليها من نعوت. أقول: هل بوسع أيّ (مثقف) اليوم أن يتحدث عن الحاجة، من عدمها، ونحن في ظلّ هذا الفضاء المفتوح من وسائل الأتصال المتشابكة التي تأخذ بالعقول، والعيون، والآذان، بل بالأنفاس؟ ولذلك يصبح منع كتاب، أو صحيفة من دخول بلد ما مثلاّ، أشبه بالمهزلة، أو بـ(فكاهة) سمجة، ثقيلة. فكيف نمنع؟ وما سلطة هذا المنع؟ وقد زالت الحدود، واقتربت المسافات، ودنت السماء من الأرض، ومن هنا فإن (الإعلان) عن نفي الحاجة، هو رغبة شخصية بحتة من بو سريف نفسه، تخصّه وحده، من المحال تعميمها، لا على المغرب وحده، بل على المشرق أيضاً في ظلّ واقعنا الذي نعيشه، ونفي الحاجة ذاك نابع من (اللجاجة) المشار إليها سابقاً، ولا أزيد. أمّا أحكام القيمة، فهي أحكام شخصية، أعتقد أن الفكر الإنساني قد تجاوزها اليوم؛ لأنها نابعة من مقولة (الأبيض) و(الأسود)، مع تغييب (الرمادي)، ومحو (النسبية) التي هي سنّة العصر، وكأننا نعود إلى زمن مضى، عماده (صيغ التفضيل)، ووضع الأدباء في طبقات، وتصنيفهم تصنيفات لا علاقة لها بمنجزهم الفني، ونجد شيئا من هذا عند بو سريف في موضع آخر حين يتحدث عن (شعراء من الدرجة العاشرة)، الذين كتب عن بعضهم صلاح فضل، فهناك إذن شعراء الدرجة الأولى، والثانية، والثالثة، وهكذا، في سلسلة لها أول، وليس فيها آخر، والفيصل في هذا كلّه هو (الناقد)، وأرجو أن يتفق معي بو سريف في أن هذه النظرة قد زالت، ومع هذا نجده يوظّفها في ما يكتبه.
لقد كان صلاح بو سريف في مقاله مباشراً وصريحاً، لم يَحُم، بل وقع، ووضع الهناء مواضع النّقب من وجهة نظره، وهذه الصراحة هي ممّا تحسب له، في واقعنا الثقافي الذي يلجأ إلى المخاتلة، وإخفاء الأسماء، والإشارة من بعد، والتستّر خلف الحذلقات البلاغية، والألاعيب اللفظية، غير أن زمام المنهج أفلت من بين يديه، فقال، وأسرف في القول، ورمى فأبعد الرمية، وجاريناه في صراحته تلك، لعل الميزان يعتدل، لا في صالح أحد، فليس هناك أحد فوق النقد، بل في صالح المنهج الذي نراه يذوي، ويذبل حتى على أيدي (الأكاديميين)، وليست العبرة في المعاني، بل العبرة في أن تقال. وقد قال، وقلنا، وليس هناك من شيء سوى هذا، فلا خير فينا إن لم نقلها، ولا خير فيهم إن لم يسمعوها، على مقتضى القول القديم.
باحث عراقي