بعد عمليات التفجير الانتحارية العديدة في بلدة القاع المسيحية في شمال وادي البقاع اللبناني وزّعت حركة غير معروفة من قبل أطلقت على نفسها اسم «حركة أحرار البقاع الشمالي» تهديدات لتجمعات النازحين السوريين جاء فيها «يجب عليكم مغادرة منطقة البقاع الشمالي وخاصة هذه البلدة خلال مهلة 48 ساعة تبدأ من ساعة تبلغكم هذا القرار وإلا سنتعامل معكم كأعداء ولن تكونوا بأمان، سنحرق بيوتكم، سنغتصب بناتكم ونساءكم، وسنقتل أطفالكم وقد أعذر من أنذر»!
قبل ذلك بأيّام تعرّضت مجموعة من رجال الأمن الأردنيين لتفجير انتحاريّ لسيّارة مفخخة عبرت مخيّم نازحين يقع على أرض سوريّة قريبة من الحدود الأردنية وقد تصاعدت بعدها دعوات مباشرة مشابهة لما حصل في لبنان لطرد اللاجئين السوريين والتنكيل بهم.
أحد الإعلاميين حرّض السلطات الأردنية بطريقة غير مباشرة على طرد لاجئي مخيّم الزعتري قائلاً: «كيف مليون ونصف المليون بني آدم بدك تسيطر عليهم في الزعتري. تخيل 10 بالمئة منهم يكونوا زعرانا»!
النتيجة الميكانيكية لما حصل أن الأوضاع الإنسانية لنحو 70 ألف سوري عالقين في منطقة الركبان على حدود الأردن مع سوريا تدهورت بعد إعلان السلطات الأردنية لها منطقة عسكرية مغلقة. الناطق باسم الحكومة الأردنية محمد المومني علّق على الوضع المتفاقم للاجئي الركبان بالقول إن «الأمن الوطني يسمو على كافة الاعتبارات» وأن «هناك طرقا متعددة لإيصال المساعدات الإنسانية متاحة للمنظمات الإنسانية خارج إطار الحدود»، والنتيجة أن المساعدات الإنسانية تم تعليقها عن عشرات الآلاف من اللاجئين «حتى إشعار آخر».
قبل ذلك كانت عائلات سورية مؤلفة من 11 شخصاً بينهم أطفال ونساء قُتلوا أثناء محاولتهم عبور الحدود السورية من قرية خربة الجوز إلى تركيّا وبدلاً من محاسبة أفراد الحرس على فعلتهم الشنيعة أو مجرّد الاعتذار للضحايا وأهاليهم وشعبهم أعلنت وزارة الخارجية التركية نفيها إطلاق النار بشكل متعمد.
والمتوقّع، بعد عملية الهجوم الفظيعة على مطار أتاتورك باسطنبول أن تتصاعد المشاعر السلبيّة في تركيّا ضد اللاجئين السوريين، ودعوات الانتقام منهم وهو، في الحقيقة، أكان الأمر في لبنان والأردن وتركيا أم في أي مكان آخر، أحد أهداف منفّذي العمليات الانتحاريّة أنفسهم، الذين يعتبرون اللاجئين السوريين خزّاناً احتياطيّاً بشريّا للاستهلاك الانتحاريّ.
المطلوب فقط هو دفع هؤلاء اللاجئين – الهاربين من البراميل المتفجرة والقنابل العنقودية والفوسفورية – إلى حالة من اليأس المطلق بحيث لا يعود لديهم من مخرج سوى الانتقام من المحيط الذي يضطهدهم ويهددهم باغتصاب نسائهم وبناتهم وقتل أطفالهم.
لا يتعلّق الأمر فقط باللاجئين السوريين، ولا بدول التي تجاور سوريا، فاللاجئون في العالم أصبحوا مطاردين محتقرين مذلّين ومهانين وصارت النزعات العنصريّة ضد الغرباء تستخدم السيّارات المفخخة ضدهم (كما حصل أمس قرب مسجد في أستراليا)، وتحرق مهاجع سكنهم (كما يحصل في كثير من البلدان الأوروبية) أو تقتلع مخيماتهم بالبلدوزرات (كما حصل في كاليه بفرنسا).
المخيف في الأمر أن جزءاً كبيراً من الأعمال العنصرية (والتي يمكن أن توضع تحت خانة الإرهاب هي أيضاً) تتمتع بغطاء شرعيّ ليس من أحزاب يمينية فحسب، بل من سلطات بلاد ووسائل إعلامها وتتمتع برضا شعبيّ، كما هو الأمر في بلغاريا حيث اشتُهر بعض الأفراد بترؤس عصابات تطارد طالبي اللجوء وتصطادهم باستخدام مركبات عسكرية.
أحد هؤلاء صار يسمّى «صائد اللاجئين» وقد طالب الحكومة البلغارية بتمويل عملياته التي ينفذها مع أفراد عصابته بالدراجات النارية والكلاب وطالب بدفع مقابل نقديّ على كل لاجئ يقبض عليه.
المفارقة هي أن الحدود السوريّة مفتوحة لكل أنواع الجيوش العالمية والميليشيات الإجراميّة ولكنّها صارت مغلقة على الهاربين من المذبحة المستمرة منذ خمس سنوات، فيما يواجه الذين نجحوا في اللجوء بأرواحهم إلى بلدان الجوار والعالم الواسع بمنع المساعدات الإنسانية عنهم (في الأردن) والتهديد بقتل أطفالهم واغتصاب نسائهم (في لبنان) واصطيادهم في أوروبا الشرقيّة كالحيوانات، واتهامهم بعد ذلك كله… بالإرهاب.
رأي القدس