فرعي: لسنا أول من اكتشف أن طريق اليأس والخوف وغياب الأمل تؤدي إلى القومية المتطرفة والعزلة
خُذوا شاباً إسرائيلياً. مجرد شاب عادي. أنهى الجيش للتو. كان في الوحدات الخاصة أو موظفا في الكرياه. بعد قليل سيذهب إلى الهند أو أنه عاد من هناك وهو يبحث عن شقة. خذوا هذا الشاب وضعوه في لندن، قبل اسبوع، في الاستفتاء الشعبي. الآن اسألوه ماذا كان سيختار. نحن نعرفه. كان سيصوت مع الانفصال وضد الاوروبيين والمهاجرين المسلمين. كان سيصوت مع العلم ومع النشيد الوطني وضد مستقبل أفضل، لأنه لا يوجد شيء كهذا وأن العالم كله لا يعنيه.
الآن خذوا شابا من لندن، من الطبقة المتوسطة، لم يذهب بعد إلى الجيش ولم يقتل اصدقاء له، لكنه مثل الإسرائيلي ما زالت الحياة أمامه. ما الذي اختاره؟ نحن نعرف اليوم. اختار البقاء، مثل الكثير من الشباب. اختار البقاء في الاتحاد الاوروبي رغم المهاجرين ورغم أنه يحب بريطانيا ليس أقل من حب الإسرائيلي لإسرائيل.
هل الشاب من لندن ساذج؟ هل الشاب الإسرائيلي راشد وبالغ أكثر. لا. إنهما متشابهان في كل شيء تقريبا باستثناء الأمل بمستقبل أفضل.
البريطاني يطمح إلى مستقبل افضل والإسرائيلي لا. الشاب البريطاني يأمل أن تساعد الحدود المفتوحة والثقافات الاخرى في بناء مستقبله، الإسرائيلي يعرف أن الحدود المفتوحة يجب نسيانها والثقافات الاخرى تخيفه. في جميع الحالات لا يوجد له مستقبل.كيف أصبح هكذا؟ 12 سنة من الدراسة جعلته هكذا، احاديث عن عدم وجود من نتحدث معه وأننا سنعيش إلى الأبد على حد السيف، سببت له ذلك. الجيش جعل منه كذلك. نحن نسمعه ولا نصدق. هذا هو ابننا. وهذا هو الولد الذي ذهب معنا إلى المظاهرات؟ والذي قرأ صحيفتنا وسمع أصدقاءنا؟.
في الاسبوع الماضي اشتكى والد جندي من غولاني من أن «الظل» ظهر أمام جنود الوحدة. انتبهوا: الجنود لم يشتكوا، ولا الضباط منعوا ذلك. والد الجندي هو الذي اشتكى. يمكننا أن نتخيل ما الذي مر على هذا الجندي. إنه يعرف أن «الظل» هو موقف سياسي أكثر وموسيقى أقل، هو يعرف أن هذا موقف عنصري وكراهية. ويعرف ايضا أن اغلبية الاصدقاء في الكتيبة يتفقون معه.
بعد بضعة أيام من ظهور «الظل» ظهر الجنرال يئير غولان أمام خريجي دورة الضباط.
من بين المزايا الجديرة للضابط ذكر ايضا القدرة على الصمود بشجاعة أمام موقف الأغلبية. في الجيش؟ هل معقول أن غولان لم يتحدث أصلا عن الاغلبية والاقلية في الجيش؟ ففي الجيش لا يوجد تقسيم كهذا. يمكن أن غولان تحدث عن واقع ما بعد الجيش؟ يمكن أنه تحدث عن وضع تعارض فيه الاقلية «الظل»، وبالتالي تضطر هذه الاقلية إلى الوقوف بشجاعة في وجه الاغلبية التي تؤيده؟
الاغلبية لا تسأل. الاغلبية لا تحتمل من يسأل. الجنود لا يسألون، إنهم لم يسألوا في الشجاعية ولا في بنت جبيل. الجنود الذين لا يسألون يتحولون إلى مواطنين لا يسألون. المواطنون الذين لا يسألون ليسوا مواطنين اغبياء فقط بل يائسين. فهم يعرفون مسبقا أنهم سيكذبون عليهم، لماذا يكلفون أنفسهم إذا؟ ألا يريدون معرفة لماذا نحتاج إلى الـ اف 35 ومن الذي ستحاربه الغواصات ولماذا التصميم على المفاوضات مع الفلسطينيين رغم أنه لا يوجد شيء نقترحه.ذات مرة كنا لا نفهم كيف لا يسأل الطلاب ولا يحتجون مثلما هي الحال في اوروبا والولايات المتحدة. وقد اعتقدنا أن هذا بسبب التعب من الجيش وصعوبة الحياة. نحن نعرف الآن أنه ليس التعب وصعوبة الحياة هي التي تُبقي هؤلاء الشباب في البيت. إنهم يبقون في الجيش بسبب التسليم بما هو موجود. إنهم لا يؤمنون بالتغيير ولا بقدرتهم على احداثه. إنهم لا يؤمنون بالتغيير لكنهم يؤمنون بالاعداء الفظيعين. الرابحون من صمتهم يقولون: سنحميكم بالـ اف 35 وهم يصدقون. يقولون لهم: اعتمدوا علينا، وهم يعتمدون.
عندها يتركون الجيش ولا ينجحون في استئجار شقة. يقولون لهم إن اليأس هو شيء طبيعي في جيلهم، وأن الخوف هو قدَر وأن الأمل هو كلمة العجائز. إنهم خائفون ويائسون وفاقدون للأمل. من يستطيع يهرب إلى برلين ومن يبقى يتحول إلى زومبي سياسي أو إلى وطني عنصري.
لن تكون له شقة ولا مستقبل لاولاده، لكن الوطنية والعنصرية توجدان بوفرة. الوطنية والعنصرية لا تُشتريان من الحانوت، بل يتم الحصول عليهما بالمجان من التلفاز.لسنا أول من اكتشف أن طريق اليأس والخوف وغياب الأمل تؤدي إلى القومية المتطرفة والعزلة. في بريطانيا اختار اليائسون الخائفون ومن لا أمل لهم هذه الطريق. في بريطانيا اختار ذلك الكبار الذين يئسوا من الحياة، وعندنا يختار ذلك الشباب الذين لم تبدأ حياتهم بعد.
هآرتس 30/6/2016