القاهرة ـ «القدس العربي» محمد عبد الرحيم: أقيم على مسرح مركز الجزويت الثقافي في القاهرة، عرض الحكي المعنون بـ«خطي العتبة». وهو ما يتماس مع العبارة الشهيرة التي تُقال للأطفال لتشجيعهم على المشي (تاتا خطي العتبة)، العتبة المقصودة هنا هي عتبة الروح المثقلة بالواقع الذي تعيشه كل شخصية، مهما تباينت ظروفها النفسية والاقتصادية وفئتها الاجتماعية التي تنتمي إليها. 8 شخصات كل منها يحيا حبيس تنميط المجتمع له، لكنه في الحقيقة غائب أو ميت بالمعنى الصحيح.
شخصيات هشة للغاية رغم ما يبدو على بعضها من قوة، من خلال الوظيفة مثلاً كضابط الشرطة (عصام) وسيدة الأعمال (سهيلة)، أو الشاعرة المرموقة حائزة الجوائز (حسناء)، أو مُتماسكة وكأنها تحيا على هواها كالمهندسة (لمياء) وهاوية الرقص المُترفة (لولو) والطبيبة (ماجدة)، أو المحكومة حياته بتوارث مهنة أبيه المتوفى سائق التاكسي (محمود)، وأخيراً الموظفة التي تمثل قطاعاً عريضاً من الشعب المصري (مدام محروس)، تشاهدها في أي مصلحة حكومية كوجه لا ملامح له، لكنها في الحقيقة لديها حكاية تود حكايتها.
العرض نتاج ورشة كتابة وحكي لأعضاء فرقة دوم، التابعة لمؤسسة دوم الثقافية، وورشة سيشت للكتابة الإبداعية، التي تشرف عليها الكاتبة سحر الموجي مخرجة العرض ومدربة الفرقة، الذي بدأت فكرته والعمل عليها من منتصف العام الفائت، ما بين ورش للكتابة والتدريبات، حتى ظهر كعرض في هذا العام. العرض أداء كل من.. سحر الموجي، عفاف السيد، رانيا زهرة، رشا نشأت، عمر سامح، عصام فايز، كارول عقاد، وسمر علي.
إضاءة شريف البرعي، صوت شادي محمود، مساعدا الإخراج عصام فايز ومي سعد، إخراج سحر الموجي.
الشخصيات
فوق جزيرة نائية غاب عنها المركب السياحي تتم صناعة المأزق، وهو أن يواجه المسافرون هذه الحالة، حالة الضياع والخوف من عدم العودة إلى حيواتهم، وتبدأ كل شخصية في الحديث عن نفسها.. شاعرة تبحث عن الحب، تزوجت مرات عديدة لا تحصى، وتلقي بقصائد غاية في الضبابية كحياتها التي لا تعرف لها معنى، لديها ابن وحيد تركها وسافر للخارج، تحاول إيقاع أحد المسافرين وهو ضابط شرطة ذاهب للعلاج من صدمة نفسية إثر حادث الاستاد الشهير، وقد أصبح أحد الضحايا، وقف مبهوتاً لما حدث ولم يتحرك أو ينفذ الأوامر بضرب النار، يصغرها في السن كثيراً لكنه يحتاج إلى امرأة تحتضنه كأم، لتكتشف في النهاية أنها تحتضنه بديلاً عن ابنها البعيد، الذي لم تحتضنه قط. على الجانب الآخر نجد سيدة الأعمال، التي تنفذ كل شيء في دقة متناهية، وتدير حياتها وفق حساباتها، وتخشى أن يحبها أحد أو تتورط في حب أحد، حتى لا تشعر بالضعف، هذا الضعف الذي كانت تبحث عنه الموظفة الحكومية، التي بين كل فقرة من حكايتها تردد «عاوزة حد يحبني» ملامحها المصرية وتكوينها الجسدي كفل لها زيجة عادية من زوج سابق وله أولاد، خاصة بعدما فاتها قطار الزواج، حتى مات عنها ووجدت تحويشة عمره في دولابها المنزلي، فأخذتها وانتوت الرحلة ربما تلاقي أحدا يحبها. وما بين سائق التاكسي الذي لم يكمل تعليمه وتوارث مهنة أبيه بعد وفاته، وسافر خلف فتاة أجنبية بهدف اللحاق بها قابلها مُصادفة وهو يقوم بتوصيلها، لكنه نسيها وظل على أمل التواصل مع هاوية الرقص على المركب، التي أتت لتتخلص من جنينها، والتفكير بإعادة علاقتها مع حبيبها الذي أصبح يشبه والدها، في التسلط وفرض أفكاره. وهناك الطبيبة التي لجأت لتناول المخدرات وتصنيع أدوية من الأعشاب لأنها لا تقوى على ممارسة مهنتها في المستشفى الحكومي الذي تعمل فيه. وأخيراً المهندسة الشابة، التي أصبحت تراقب الجميع وتلتقط لهم الصور وهم في أشد اللحظات حميمية، مع أجسادهم أو مع الغير .. مدام محروس وهي عارية تستحم، الشاعرة التي تحتضن الضابط في البحر، السائق الذي يُشاهد هاوية الرقص وهي عارية. الفتاة التي تعاني مرضاً نفسياً لأنها صورة باهتة من شقيقتها، هكذا فعلت الأم، وحوّلتها لفتاة زائدة عن الحاجة، وحياتها لا قيمة لها، فأصبحت تهتم بحياة الآخرين وتتلصص عليهم، وتحولت الحالة إلى مرض.
التجريد
اعتمد العرض على السرد الشفهي والحكي الشخصي، وقليلاً ما حدثت ديالوجات ما بين الشخصيات، هذه العزلة أكدها الديكور الشحيح، والصوت المُصاحب للعرض. وهو أمر يدخل ضمن إطار الحالة العامة للعمل. ما بين تجريد المنظر والاعتماد على وحدة الشخصيات وعزلتها، فقط إضاءة تخص الشخصية التي تبدأ في الحديث، أو إضاءة للمشهد كما في لقطة عامة عند جلوس الجميع أو حواراتهم القليلة معاً.
الأداء
تباين أداء الشخصيات كثيراً، فلم تكن كلها على الدرجة نفسها من الكفاءة، ربما شخصيتا مدام محروس والمهندسة لمياء هما أفضل ما قاما بالأداء، باقي الشخصيات تتباين مستوياتها إلى حدٍ كبير. اللافت أن كلا منها يأتــــي من عالم مختلف تماماً، وأنهما أكثر مَن توافقا، بعدما ثار الجمــــيع ضد لمياء التي تلتقــــط لهم الصور خلسة، مدام محـــروس هذه هي التي احتوتها ــ الوحيدة التي لا تحـــمل اســـما، فقط صفة منسوبة إلى رجـــل رحـــل ــ وما بـــين الفاقدة زوجها والفاقدة حب أسرتها يصبح الأداء في أفضل حالاته.
الإيقاع
يبدو أن البحث عن تنوع الأزمات وبالتالي تنوع الشخصيات التي تعاني منها، أدى ــ البحث ــ إلى المبالغة في تركيبة بعض الشخصيات، إضافة إلى عدم التناسق في ما بينها ــ لا نقصد الاختلاف ــ لم نشعر باندماج الحالات معاً، خاصة الطبيبة وسيدة الأعمال، وقليلاً في حالة الشابة هاوية الرقص.
الأمر الذي وضح تماماً من خلال الإيقـــاع، الذي يُعاني بدوره من أزمة/عتبـــــة لم يستطع تخطيها، الإيقاع المترهل بداية من النص الذي كان من الممكن اختصاره كثيراً، وقد وصلت حالة كل شخصية إلى المتفرج، إضافة إلى تباين الآداء كما أسلفنا، فالفريق لم يكن على المستوى نفسه، ما أدى لعدم التناغم في الإيقاع، وكأن بعـــض الشخصيات أصبحت تؤدي دورها في عرض مونودراما منفصــــل، وهو بالطبع يخرج عن إطار الفكرة العامـــة لعــرض «خطي العتبة».