«نكبة وبقاء» لعادل منَّاع: حكايات منسية من حيفا والجليل

حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي» الصادق الرضي: هل يكبر الطفل بدون حكاية، هل تكتمل الطفولة وتنضج في كونها الساحر بلا حكايا، هل للحكاية طفولة، الحكاية التي تكبر مع الطفل وترافقه طيلة عمره بدون بقية الحكايا، هل تكبر معه أيضا لتصبح الحكاية- السر، تلك التي ربما شكلت الوعي بالذات والهوية، وعمّقت الارتباط بجذور الانتماء، والإيمان بالقضية؟
للطفل حكاياته، للمهاجر والمنفي وللطريد والمشرد وللمقيم حكاياتهم، للحرب كذلك، للأمكنة في الحرب وقبل الحرب وبعد أيضا حكايا، والحكاية منجم يكتنز بالحياة لا ينفد، ينهب منه الشاعر والرسام، الروائي والموسيقي، ومنجم يعمل فيه أيضا المؤرخ، باعتباره حقلا للدرس لا ينضب.
وعادل منّاع في كتابه «نكبةٌ وبقاء- حكايةُ فلسطينيين ظلّوا في حيفا والجليل (1948-1956)» لا يحفر في هذا المنجم فحسب، بل يصحبنا لنحفر معه أيضا، وفي البدء كانت الحكاية- عنوان مدخل الدراسة التي بين أيدينا يضعنا وجها لوجه أمام «الحكاية – السر»، حكايته الشخصية قبل أن ندلف لبقية الحكايات والوثائق.. إلخ: «سمعت حكاية ما جرى سنة 1948 في مجد الكروم منذ الطفولة، من والدي أولا، ثم من الوالدة والأقرباء. وتشابهت الخطوط العريضة للحكاية التي تبدأ باحتلال اليهود للقرية ودخول بعض جنودهم إليها من الجهة الغربية بسلام. لكن الأمور انقلبت بعد أسبوع، عندما حضر جنود آخرون هدموا بيوتا وقتلوا شبابا على ساحة العين. وعلى الرغم من الصدمة الكبيرة التي خلفتها تلك المذبحة، فإن الأهالي ظلوا في أغلبيتهم في بيوتهم وبلدهم. ولم تنته أحداث النكبة في قريتنا عند هذا الحد. فقد عاد جنود الجيش الإسرائيلي بعد المذبحة بشهرين، وقاموا هذه المرة بطرد مئات السكان، ومنهم كاتب هذه السطور ووالداه. كنت كل مرة أسمع فيها الحكاية، أحاول أن أستجمع تفصيلات جديدة عن أحداثها (…) وكانت تلك الحكايات تحتل المرتبة الأولى عند الطفل الذي كنته بعد قصص ألف ليلة وليلة. لكن حكاية النكبة في مجد الكروم ظلت عندي سرا لا يذاع، ولا أتحدث به مع أحد خارج البيت».
تجديدات متعددة يحملها هذا الكتاب في طياته، تجديدات نظرية ومنهجية وفي مصادر المعرفة ومراجعها- كما يشير لنا منّاع في المقدمة، ويبين لنا أي قراءة نقدية وأي تحليل مركب يقترحه بحثه بديلا عن السرديات التعميمية والقطبية، وأي تأريخ يؤسس له، ويسهب في تفصيل ما هو الجديد الذي تضمنه سفره، كما يرى، ويتطرق أيضا للسياقات العديدة التي روى فيها حكاية الفلسطينيين الذين بقوا في الجليل وغيره من المناطق، من حيث التأقـلم مع واقــــع جــديد كأقلية غير مرغوب فيها أولا، ومن كون أن العالم العربي شكل ســـياقا لتأريخ الفلسطينيين في إسرائيل ثانيا، والساحة الدولية باعتبارها سياقا ثالثا للبحث، وصولا لما يؤسس له من مقولة مفادها «أن فترة الحرب هي البداية الحقيقية لتأريخ الأقلية الفلسطينية في الدولة اليهودية»، يسهب منّاع أكثر: «مسألة البقاء بعد النكبة هي أداة التحليل المركزية في هذا البحث لفهم وتفسير سلوك الفلسطينيين الذين لم يقتلعوا من وطنهم. وقد ظل هدف البقاء في الوطن مرشدا وهاديا لا خلال أشهر الحرب فحسب، بل أيضا لسنوات عديدة بعدها».
انطلاقا من تسليط الضوء على المعاني المتعددة للنكبة في شمال فلسطين حتى أشهر الهدنة الثانية في صيف سنة 1948 حيث صك مصطلح النكبة لوصف الهزيمة العربية في فلسطين، مرورا بأحداث إتمام احتلال شمال فلسطين وتسليط الضوء على جماعتين من الباقين في شمال فلسطين: الدروز والشيوعيين، بجانب تتبع أحوال الفلسطينيين الباقين في الشمال بعد انتهاء الحرب في أوائل سنة 1949، وتناول ساحات جديدة لم يتم الالتفات إليها، بجانب الكشف عن أدوات وسلوكيات التأقلم تحت الحكم الإسرائيلي، في صراع البقاء؛ وصولا مسألة التنظيم السياسي للعرب في إسرائيل وأنماط تصويتهم في انتخابات البرلمان الإسرائيلي (الكنيست).
ربما شكل ابتعاد الباحثين عما سماه عادل المنّاع بـ (الثغرات البحثية) والتي هي- وفق تعبيره- فرصة للباحثين بصورة عامة، بمن فيهم المؤرخون، دافعا للانشغال بمحاولة تفسيره، والموضوع تشكل تفصيلاته وأعماقه أساسا مهما لفهم تاريخ الأقلية الفلسطينية في إسرائيل، ويبين المنّاع مصادره: «يتكئ هذا البحث على الرواية الشفوية وكتابات التأريخ المحلي مدعومة بكم لا يستهان به من المصادر والمراجع الأولية والثانوية، ويحاول رسم صورة عامة للأحداث ويرصعها بحكايات الأفراد والجماعات المحلية. وهذا الدمج يسمح بإسماع صوت المهمشـــين ويدمج شهاداتهم في الوثائق والمصادر المكتوبة عند طرفي الصراع».
حكاية «الأسير» عودة الأشهب ورفاقه، عودة المحامي خليل توما عبود المميزة، حكاية «تنصر» عرب الصبيح، حكاية الحاج أحمد أبو لبن «الكافكائية»، عودة فخري جداي، محنة المحامي صبحي الأيوبي ورحيله عن يافا، وغيرها من الحكايات تجدها بتفاصيلها ومراجعها وتحليلها ووضعها في سياق التاريخ في هذا البحث الذي استغرق من صاحبه سبع سنوات، ليصدر أخيرا، بالإضافة للمقدمة، في سبعة فصول: النكبة ومعانيها المتعددة سنة 1948، إتمام احتلال الجليل في عملية حيرام، الشيوعيون العرب ما بين النكبة والاستقلال، استمرار التهجير بعد صمت المدافع، حكايات أشخاص وحكايات قرى، صراع البقاء بين السياسة وجهاز القضاء، الانتخابات البرلمانية والسلوك السياسي، بالإضافة إلى الخاتمة، المراجع، الملاحق، الفهرس.

«نكبة وبقاء» لعادل منَّاع: حكايات منسية من حيفا والجليل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية