القاهرة – إسلام أنور : على بعد أمتار من مقام السيدة زينب الشهير في قلب العاصمة المصرية القاهرة، ولج عادل وأصدقاؤه داخل إحدى الحارات القديمة ثم عرجوا داخل مجموعة من الممرات الضيقة تصحبهم رائحة كريهة، منبعثة من روث البهائم المختلط برائحة بقايا اللحوم العفنة ومياه الصرف الصحي.
أمام أحد البيوت المتهالكة وقف الجميع، وصاح أحدهم «عم أشرف». هذا النداء المتعارف عليه، الذي يعني وجود زبائن تريد شراء الحشيش أو الحبوب المخدرة «برشام». بعد ثوان خرج طفل صغير لا يتجاوز عمره خمسة عشر عاما، وفي يديه ثلاثة أكياس بلاستيكية، أحدها فيه قطع الحشيش والآخر للحبوب المخدرة والثالث يضع فيه المال، بعد حوار قصير حصل عادل على أربع «صوابع» من الحشيش بكلفة 600 جنيه، اي ما يعادل 60 دولاراً، وهو سعر مرتفع مقارنة بالأيام العادية، بسبب الطلب الكبير في عيد الفطر.
يتميز عالم الحشيش في مصر بمصطلحاته ولغته الخاصة التي دائمًا ما تتطور وتتغير مع تتابع الأجيال، والآن أكثر الكلمات المستخدمة شيوعًا هى كلمة «صُباع» وتعني قطعة حشيش مستطيلة في حجم أصبع السبابة. تكلفتها تتراوح من 100 إلى 150 جنيها، أي ما يعادل 15 دولاراً، وتزيد هذه الكلفة في ليلة العيد لتصل في بعض الأحيان إلى 200 جنيه، وهناك ثلاثة أنواع من الحشيش في مصر، أولهم الحشيش اللبناني وهو الأكثر إنتشارًا في العاصمة ويسمى «بسكوتة» ويخلط بمواد كيماوية وحبوب مخدرة، والثاني الحشيش المغربي وينتشر في محافظة الإسكندرية وعلى إمتداد الساحل الشمالي، والنوع الثالث هو الأفغاني، وهو أكثر ندرة.
الساعة الآن الحادية عشرة مساء والسهرة على وشك أن تبدأ. قطع الحشيش على الطاولة. بجوارها زجاجات البيرة، يجلس حولها سبعة من الشباب. يقول عادل بينما يمرر شعلة القداحة أسفل قطعة الحشيش الموضوعة داخل ورقة من السلوفان : «العيد هو ليلة «الوقفة»، هي دي فرحتنا، الواحد بيستناها كل سنة. عشان نتجمع ونفضي دماغنا من كل حاجة، بننسى الشغل والبيت والجامعة وبنقعد عشان نفرح بس»، يضيف عادل بينما يمزج تبغ السجائر بحبيبات الحشيش «أول مرة أشرب حشيشا من سبع سنين، كنت في سنة أولى في الجامعة، وقتها قعدت مع أخويا الكبير وأصحابه، وفاكر أخويا قاللي يومها الحشيش تقدر عليه لكن الكيمياء والخمرة خسارتهم كبيرة».
لا تذكر الدراسات الإجتماعية في مصر متى ظهر طقس الحشيش المرتبط بليلة العيد تحديدًا، لكن المؤكد أنها ليست ظاهرة جديدة فهى تمارس منذ عقود، وفي السنوات الماضية مع تطور وسائل التواصل وسهولة الحركة والإنتقال تحولت لطقس إجتماعي مغر للشباب، فرغم كل مظاهر التدين من الصلاة والصوم والتقوى والزهد والورع الذي يسيطر على المصريين طوال شهر رمضان، وخصوصًا في العشرة الأيام الأخيرة، تأتي ليلة العيد «الوقفة» فتتبدل الأوضاع، تغلق المساجد أبوابها، ويخفت صوت القرآن، ويندفع الشباب إلى الشوارع، طوفان من البشر لا يتوقف عن الضجيج والحركة والغناء والرقص والتدخين، فرحة جنونية تجتاح الجميع، وسحابة كثيفة من دخان الحشيش تكسو سماء المدينة.
وقد وصل عدد متعاطي الحشيش في مصر لنسبة كبيرة جدًا، بلغت 6 ملايين مدمن منهم 2 مليون فتاة وسيدة وفقًا لدراسة إحصائية أصدرتها الجمعية المصرية لمكافحة الإدمان، وأكدت الدراسة على أن المصريين ينفقون أكثر من مليار جنية سنويا على الحشيش، وفي هذا السياق يقول أحد الأدباء الشباب الذي طلب عدم ذكر إسمه «الحشيش يمنح الناس القدرة على الإستمرار في الحياة، يجعلهم ينسون همومهم، ويشعرون بقدر من المساواة والعدالة حتى لو في خيالهم» ويضيف «الأدب الشرقي هو ثمرة الحشيش، أنظر حولك، في كل مكان تلال من الجثث، وبحار من الدماء، لا أحد يستطيع أن يتحمل كل هذا الجنون، الناس تحتاج إلى واقع بديل، والحشيش يمنحهم إياه ولو لوقت قصير، لذلك تتساهل الحكومات العربية في السماح بتداول الحشيش، وليست الحكومات العربية فقط بل كل حكومات العالم تفعل ذلك».
خطورة الحشيش ليست فقط في كونه واحدا من أكثر أنواع المخدرات ضررا على كيمياء المخ، ولكن الخطورة الأكبر تأتي من الأكاذيب التي تروج حوله وتتعامل معه بإعتباره لا يسبب الإدمان ولا يؤثر على الصحة، والأكثر خطورة تحوله لطقس إجتماعي ومصدر رئيسي للبهجة، لذلك لم يعد تعاطي الحشيش مقتصرا على الذكور والشباب كما كان معتاداً، ففي السنوات الماضية تضاعفت نسبة الفتيات اللاتي يتعاطين الحشيش، عن هذه التجربة تقول ليلى (27 عاماً)، تعمل في احد البنوك المصرية، «لما فكرت أجرب الحشيش، كانت محاولة لاستكشاف السحر اللي بيخللي الناس تكلم القمر، كان نفسي أفهم إيه فكرة الدماغ، هو أنا مافهمتاش لحد النهارده، غالبا لأني ما كلمتش القمر و لا مرة لحد دلوقتي». وتضيف «أول مرة جربته كان عندي مشكلتين ،الأولانية إني قلقانة و التانية إني مش مدخنة أصلا،و بالتالي ماحستش بأي اختلاف و لا تأثير، تاني مرة كنت أهذي وكنت احاول أدخن من غير ما أوصل لمرحلة الكحة الشديدة اللي بتمنعني من إني أكمل، وفي المرة دي حسيت إني اتخدرت و إني عايزة أنام جدا و فعلا نمت بعدها لوقت طويل و صحيت من النوم هادية جدا و استمريت هادية لليوم التاني و كنت قادرة أتعامل مع مشاكل اليوم من غير ما أتعصب زي عادتي. بس تالت يوم اتحولت 180 درجة، كان مزاجي حادا جدا و مش طايقة حد يكلمني، يومين و رجعت لوضعي الطبيعي اللي هو لا هادية و لا مجنونة».
وتشير ليلى إلى أن طقس الحشيش في ليلة العيد أكثر إنتشارًا بين الشباب منه بين الفتيات، بسبب المسؤوليات الإجتماعية التي تكون على عاتق الفتيات في هذه الليلة من تنظيف للمنزل وإعداد للطعام، وتوضح أنها مارست طقس الحشيش في ليلة العيد مرة واحدة عندما سافرت مع صديقتها للساحل الشمالي لقضاء العيد العام الماضي.