حين تتحدث عن المعمار التاريخي الفريد، والطقس المعتدل الجاذب وبروق الصيف «البنفسجية»، التي تخرج أحيانا عن كونها تعبيرا كهربائيا لمفاعل سحائبي لتخصيب ذرات المطر، إلى اعتبارها تلاوة فاقعة من نصوص الألوان تختزنها السموات القريبة منذ بدء التكوين، فأنت تتحدث بالذات عن صنعاء.. ويقال بأنك لن تجد شتاء كشتاء صنعاء ولا صيفا كصيفها..
وكما أن لمزنها ومضات زاهية، فإن رعودها تتلون بالأشيب الداكن الغليظ ليتسق مع مدينة التاريخ المحتشمة التي ترتفع كثيراً عن البحار المسطحة، وتغلقها بشكل صارم أسوار من الجبال والتلال والقبائل.
التاريخ يسكن هنا وعلى مقربة منه يتسلل القرن الواحد والعشرين الذي افتتح عشريته الثانية بربيع أخرج من جوف أرضها أسرارا ظلت مخبوءة لعقود طويلة.
لم تنتبه صنعاء إلى حقيقة أن التاريخ لا يسير فقط في الأزقة المحشورة بين قصور الطين المزخرفة بالقمريات البهيجة، وإنما تستبطنه في اللاوعي شرائح تبحث عن المُلك التليد الضائع وتكتشف القوة في لحظة انتقالية هشة لم تضبط صنعاء خلالها أنفاس رعودها، حتى ازدهرت بدلاً منها ملصقات «الصرخة» الآتية من مغارات الزمن العتيق.. وتفشت على الجدران وفي المؤسسات ونقاط التفتيش ودخلت في الحياة البسيطة كمهر طروادي في ليلة استهلت خريف عام =2014.. ليهيمن التاريخ القديم مجدداً على قطعة جغرافية ثمينة. منذ تلك الليلة أصبحت صنعاء على موعد مع سفر «الموت الشاق» الذي هيأت قدومه نبرات الحمم الصوتية النافرة من حناجر الصرخة: «الموت لأمريكا الموت لإسرائيل… الخ» بعد أن زُرعت في صدور شباب القبائل كتتر بلا ميلودي لمسلسل تاريخي تعاد صياغة مشاهده وفقاً للمعطيات المعاصرة التي تتعدى حدود صنعاء إلى فضاءات لاهبة خارج منطق الزمن المعاصر.
ومن على منصة في «ميدان السبعين» يُعلَن مؤخراً على مسامع السادة المحتفلين بذكرى «الوحدة اليمنية» أن كل المدن كربلاء، وهو الزعيق الكربلائي الذي توج مخاضات ارتدادية نحو الماضي عبرت عن حضورها بالحشود المسلحة التي غزت المدن والأرياف اليمنية، ولا شــــيء أغرب منها سوى أكف حاضرة تفاعلــــت بتصفـــــيق مازال صداه يذكر بالإيقاعات المرافقة لخطابات المنعطفات في فترات ماضية، فربما اعتبرها «الطقاقون» مجرد مناسبة يتلون الناس في مجرياتها ليجدون فيها سبل البقاء السياسي.. لكن هذا ليس ككل المنعطفات لأنه يحمل المدينة ومعها البلد نحو هاوية زمانية غير محسوبة قيعانها.
عاشوراء في ذاكرتنا مناسبة يُرش الماء فيها على وجوه الاطفال، ويُسكب فوق رؤوس المارة كتعبير رمزي يرد عن «الشهيد الحسين» في موقعة كربلاء عطشه قبل الشهادة، أو إحياء ذكرى قديمة حين أنقذ الله كليمه موسى وأغرق فرعون في مياه البحر الأحمر.. ولم يمحص أحد في ذلك سوى أن الأمر مناسبة انسجمت دلالاتها مع الطريقة التي ترجمتها الأجيال وخلعت عنها عُقد التاريخ وتداعياته وأخرجتها بنفَس شعبوي عفوي للغاية، حتى جاء جنود «السيد صاحب الحق الإلهي» وتبدل الماء الشفاف بالأحمر القاني وتناثرت المدن والقرى على صفيح زحفهم.. وتحولت صنعاء إلى لوحة عاشورائية جامدة ومعقل محاط بفرسان «المسيرة القرآنية».
كانت صنعاء تحتاج إلى الهواء النقي وأن تتلمس الطريق نحو الأمن والسلام وتوفير الرغيف والمدارس والمصحات، وآخر ما كانت تحتاجه هو أن تُعاد أحلامها الى تاريخ مضطرب، فقد شبعت من التواريخ وتكلست رئتاها من دخاخينه العالقة في ذرات المكان.. ولما أصبحت الان قطعة يعاد تشكيلها بصورة تتواءم مع ثقافة الشهادة والسيد والإمام، والحسينيات والحوزات والمليشيات، فإنها بالفعل تعيش لأول مرة في عهدها الحديث حالة الانهيار الممنهج، من دون رجعة إلى الصواب ما لم تكن قد مرت سنوات قاسية يحاول خلالها الناس إطفاء حرائق فظيعة.
سيمر وقت حتى يدرك الأحياء والشهداء أن الصرخة التي يرددها فرسان السيد ما هي إلا شيفرة في لوحة عاشورائية وخدعة بصرية لمسار سياسي خطير نحو زمن الحاكم بأمر الله، الذي سيضع الدولة في قفص الانتظار لعودة الإمام الغائب، بينما السلطة تغنمها فئة اجتماعية لها مكانة في تراتبية الاصطفاء الطبقي الاكليريكي بنمطه الطائفي العتيق الذي سيجعل من صنعاء حاضرة الإمام الفقيه في جزيرة العرب.
صنعاء تركها الاشقاء عقوداً من الزمن يتغافلون عما بداخلها من خلال الانشغال بلعبة الاحتواء التي أجادوها، واستمرأوا التغافل عن مقتضيات التغيير، بالاتكال عليها، ولم يتبصروا في كون الآليات تقادمت ولم تعد صالحة لكل زمان، ولهذا حلت المفاجأة الكبرى في فبراير 2011 ولم يكن أحد يمتلك وقتا للتفكر ولا وقتا لإطلاق العقول نحو السبل النظرية للأخراجات السياسية المثلى، أو غيرها من الحميات المتبعة لتخفيف الوزن الضار الفائض عن الحاجة، فكانت مبادرة الخليج طبخة سريعة تطايرت نكهتها، حتى ظن العالم أنها نموذج مثالي يُحتذى، ويمكن تطبيقه في غير بلد من بلدان العرب الجريحة، حتى تكشف الامر بأن صنعاء كانت أسرع في تحضير نفسها للعودة الحازمة نحو هدف بعيد موغل في القدم.. ولم تكن هناك حتى دوائر حقيقية للاستكشاف ودق الأجراس.
لقد انشغل الناس حينها بالسلطة وتسرع الثوار في محاولة جني ثمار ربيعهم من دون تشكيل اصطفاف وطني كبير حقيقي، ليس من أجل السلطة ولكن من أجل تأمين البلد من أي انزلاقات جارفة، وذهب الإعلام يخدم الأطراف المتقاسمة وانشغل الرأي العام بظروف المرحلة الانتقالية المعقدة وبحالات المعيشة المتدهورة وأزمات الكهرباء والوقود المفتعلة، وغير ذلك حتى نضج الأمر وحدث الانقضاض تحت شعار الصرخة الثورية: الموت لأمريكا… ولم يحصل بالطبع أي شيء لأمريكا ولا لإسرائيل، ومن مات وسيموت هم عشرات الآلاف من اليمنيين المسلمين، وما يزال الطريق مفتوحا للمزيد وقد يطول الأمر ويتعقد أكثر إذا تكرر سيناريو التوافقات الغامضة على الورق، من دون حزم حقيقي واذا لم يتحد العالم والإقليم في مواجهة ذلك بشكل جاد وواقعي.
٭ كاتب يمني
أحمد عبد اللاه