علّمني السفر

حجم الخط
0

كشمير – فواز حسين: كلهم يسألونني من أين جاء شغفي بالترحال؟. أجوبة كثيرة، لكني فقط، أملك حكاية. وسأرويها.
بعد زيارة لمنزل جدتي حين كنت في التاسعة وجدت نسخاً من العهد القديم وبضعة كتب لشهود يهوا والإنجيل، وكتب بوذا وكونفوشيوس و نسخة من القرآن، وحينها أثارت فضولي ورغبتي في فهم كنه هذه الكتب وفحواها. بعد تعرضي لحادث سيارة أقعدني في الفراش سنة او اكثر، ونجاتي من حادث ارهابي في اليمن كاد يقتلني، ووقوعي بإصابة في ظهري، بعيد تفجير مسجد السلام في طرابلس، قررت أن أتقاعد لمدة سنتين في عمر الـ29 و اؤجل تقاعدي سنتين إلى الـ66 و سأكرر هذا كل فترة.
بدأت اخرج من سجن الـ «أنا الحق»، من خلال وجودي في المغرب الأمازيغي وجبال الأطلس، والاحتكاك بثقافة جديدة مليئة بالفن والابداع. كانت كلها دافعاً لي للخروج و استكشاف ما تيسر من الكون. بدأت بأوروبا و لكن رغبتي باكتشاف اصل الحضارات و الفكر و الأديان دفع بي إلى شرق و جنوب آسيا. بدأت من النيبال. بلد مليء بالحب والبراءة والجمال. قضيت اوقاتاً كثيرة أتجول وأجلس في معابد الهندوس. أتعلم وأفهم، أراقب و أشعر. انتقلت إلى الأرياف لأعايش واختبر تأثر عامة الناس بمفاهيم المعابد. كنت استقل دراجتي الهوائية بين القرى البسيطة في الجبال والوديان. كلما استوقفتني ابتسامة إمرأة كبيرة السن، غنية الروح، بسيطة المعالم، بادرتها بالتحية (نامسكا) نجلس. نحاول ايجاد طريقة تواصل. أساعدها ببعض أعمال الزراعة. نطبخ عشاءً قروياَ ومن ثم أودعها.
في «تشيتوان بنينا» منازل خشبية صغيرة، كانت بمثابة فندق متواضع صديق للبيئة و يحترم حق الحيوان، لا سيما وحيد القرن المنتشر بكثافة في الأنحاء.
من هناك إلى الهند البلاد الاغنى تنوعاً. من معابد السيخ الجميلة المزينة ببسمة روادها وكتبها الغنية في بنجاب، إلى نهر الـ»غانج» الهندوسي المقدس إلى الهندسة المثيرة للدهشة، إلى كشمير حيث الحضارة و جمال الطبيعة إلى الجبال «لاداك» البوذية حيث سكان التيبت وغيرها الكثير.
رحلتي ستمتد حوالى الـ18 شهراً في آسيا ثم أفريقيا. أتعرف إلى مسافرين من كل انحاء العالم. اكتسب مخزوناً ثقافياً ضخم، ينعش خيالي و يثير رغبتي في معرفة الحقيقة. السفر علمني أن جمال المنزل هو بصدق أهله لا بتفاصيله المعمارية.
ليال في بيت بسيط وسط قرية جبلية خير من ألف فندق خمس نجوم مسور بالماديات و الشكليات البالية. طعام من يد عجوز صادقة أشهى من أفخم المطاعم.
الراحة ليست على مقعد جلدي فخم أو بمكيف بارد، بل أن تسافر مع غرباء في سياراتهم، شاحناتهم ودراجاتهم، وتبادلهم الأحاديث و المشاعر الانسانية. تجربة لا تقدر بثمن. التواصل مع الآخر هو مفتاح لحل كل أزمة. تحقيق الحلم هو قرار. الحياة لا تعطي فرصاً، علينا نحن أن نصنع فرصنا.
ما أريده عندما أكبر في السن هو أن اعد وأحصي ذكرياتي لا ما تبقى لدي من مال جمعته خلال سنوات عمل شاقة فارغة. ما أريده عنما أكبر في السن أن أخبر جيراني و من حولي عما تعلمته من ثقافات و مجتمعات لا ما أحس به من أوجاع و عن منفعة دواء السكري هذا. قررت ان أؤجل سن تقاعدي من العمل و أوزع تلك السنوات على ما قد يتبقى لي من حياة على هذا الكوكب. فبدلاً من العمل بكد و العيش بالروتين الاجتماعي الذي بناه المجتمع و حصنه بأسوار من الخوف من المستقبل من الحاجة المادية، الوحدة او الخذلان، فرسم لنا أدوارا اعتبر انها آمنة. أقض شبابك كموظف تجني المال لتبني عائلة لتتولى دفنك بعد وفاتك بقبر من رخام ابيض. الحقيقة أن المجتمع يتقاعد عن الحياة منذ الولادة حتى عمر الـ64 حيث يكون لديه الوقت للالتفات إلى نفسه وروحه. لكن قد انهكته سنوات الكد والجد، فخسر الأولى و الآخرة.

علّمني السفر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية