الفنّ: صراع الإلزام والحرية

حجم الخط
1

 

من الواضح أن تاريخ الأدب العربي يجتاز أزمة شديدة ويقف على مفترق الطرق. ويعصف بنا هذا السؤال باستمرار: ما دام تاريخ الفكر العربي يتطور في سبيل خلق أدب جديد يعبر بصدق وإخلاص عن الحياة العربية الحاضرة، فما هو اتجاه هذا الأدب المنتظر؟ وما هي بالتالي رسالته؟
هنالك نظريتان تطبعان الأدب العالمي اليوم:
أ ـ النظرية الحديثة التي تقول: إن الفن للمجتمع.
ب ـ النظرية الكلاسيكية التي تقول: إن الفن للفن.
وتتلخص هاتان النظريتان في السؤال التالي:
هل الأديب حرّ في ما يكتب، أو هو مقيد بالتزامات واتجاهات معينة (أخلاقية ـ سياسية ـ وطنية…)؟ ولا يخفى أن الماركسية تنادي بالإلزامية الأدبية، وتقول بأن الأديب يجب أن بعبر عن الجماهير، وتحارب اللون الغنائي، أي تحارب فردية الأديب. الأديب ليس ملك نفسه بل هو ملك المجتمع. وقد قُدّمت لستالين مجموعة شعرية عاطفية فقال ساخراً: «يجب أن تُطبع من هذه المجوعة نسختان: نسخة للشاعر ونسخة لحبيبته».
وهذا يعني أن هذا اللون من الشعر لا يهم الجمهور، بل هو بورجوازي، رجعي، فهل من الضروري أن يقرأ الجمهور غزل الشاعر بحبيبته، وتصوير عواطف الحب والمواقف الغرامية؟ ينبغي على الشاعر أن يعبر عن الحاجات الجماهيرية، ويتغنى بآمالها، ويصف حياتها، ويرسم أمامها الطريق الإنتاجية الفعالة. وبكلمة مختصرة يجب أن يكون الأدب موجهاً.
وبهذه النظرة قامت «رابطة الكتاب السوريين»، وتضم الرابطة جميع الأدباء الناشئين ذوي الميول الشيوعية.
وقد حاولنا ـ أنا وفئة من الشباب الأدباء الناشئين أيضاً ـ أن نؤلف رابطة أدبية تقف موقفها الصريح من مشكلة الإلزامية والحرية، بتوضيح طبيعة الأدب، وتوضيح عناصره ورسائله الحقيقية، وكيف يجب أن يولد الأدب العربي الجديد. وعملنا طوال السنة الماضية، وعقدنا اجتماعات تمهيدية، ثم طرحنا كل ما يهم الأدب العربي على بساط البحث، وانتهينا بعد مناقشات طويلة إلى وضع بيان رسمي يشرح وجهة نظرنا، وأطلقنا على أنفسنا اسم «جماعة الكتاب التقدميين»، وكدنا أن ننشر البيان في الصحف، وندعو الصحفيين والأدباء المعروفين والأساتذة إلى حفلة رسمية نفتتح فيها أعمالنا.
إن الظاهرة الرئيسية في صراع الفكر الإنساني اليوم هي تشعبه الواسع. وهذا يفسر مدى القلق الروحي الذي صبغ عصرنا الحاضر، بعد أن تشابكت العوامل الروحية والسياسية والاقتصادية تشابكاً أصبح من الصعب أن ندرس كلاً منهما على حدة. لقد شهد تاريخ الفلسفة في مطلع هذا العصر ذلك الصراع العنيف بين المادية التي برزت كمنهاج فلسفي واجتماعي كامل في الماركسية، وبين الروحية التي تمثلت أولاً في البرغسونية، وأخيراً في الوجودية التي أبرزت الحرية الذاتية إلى المرتبة الأولى. وطبيعي جداً أن يخضع تاريخ الأدب أيضاً إلى هذا الصراع.
فنحن ـ كما يبدو ـ أمام إلزامية وحرية. وهذا ينتهي بنا إلى معالجة قضية ما تزال ميداناً لكثير من المناقشات، وأقصد تحديد العلاقة بين مفهومي الجمالية والواقعية، أي بين الشكل والمضمون، وإلى البحث عن مفهوم النقد الأدبي.
كانت هذه أهم مشكلة استغرقت من دراستنا زمناً طويلاً حين شرعنا في رسم منهاج (الجماعة)، ومع أنني أنظر إلى هذه القضية نظرة أعمق من أن تبحث في سطور قلائل، فإنني سأحاول هنا أن أبسّط وجهة نظري ما أمكنني ذلك. أعتقد أن طرح القضية: الفن للمجتمع، أو الفن للفن، على هذا النحو خاطىء من الأساس. وطبيعة الأدب نفسها تنفي أن يكون هناك سؤال عن إلزامية الفن أو حريته. إن مجرد قولنا إن الفن الرفيع يجب أن يكون موجهاً أو طليقاً دليل على أننا نجهل الصفة الأولية للفن، وهو أنه إنساني. إن مادة الأدب الحي هي الإنسان نفسه، ومن الصفات الإنسانية الحية تتكون طبيعة الأدب الحي. وكلما أوغل الإنسان في حريته وتوجه إلى أعمق أعماقه، إلى الجوهر والرمز، إلى النقطة التي تنبع منها مشكلة وجوده.. التقى مع جميع الناس، ومع الجمهور، وبالتالي مع الإنسانية. إذن لا انفصال بين الفرد والآخرين لأن الصفات الإنسانية وحدة لا تتجزأ. إنني عندما أعبر عن مشاعري وأفكاري الخاصة فإنما أعبر في الواقع عن كل إنسان. متى كان (هملت) شكسبير، و(دون كيشوت) سرفانتس، و(عدو المجتمع) موليير، غرباء عنا؟ أليس فينا جانب كبير من مأساة (هملت) وأحلام (دون كيشوت)، وقسوة (عدو المجتمع)، أليس فينا إنسان (الجريمة والعقاب) لدستويفسكي؟ أليس فينا بلادة عبيطه (الأبله)؟
من هنا يتضح لي أن الأدب كلما اتجه إلى المنابع الأساسية للإنسان، كلما كان حياً. وحين أعبّر عن حاجات المجتمع، وأرسم أهدافه، وأصور آلامه، فإنما أعبر عن حاجاتي، وأرسم أهدافي، وأصور آلامي، لأني ابن مجتمعي وابن عصري معاً. وحين يفرض علي أن أتجه لناحية معينة وأقول عنها شعراً أو أضع قصة، فإنما أفقد الحرارة الذاتية، والإخلاص اللازم، ليطفح بهما أثري الأدبي. ولكني حين أعيش تجربتي كإنسان لا بد لي من أن اصل بالنهاية إلى كل ما يتطلبه المجتمع والإنسانية، وما يتطلبه الآخرون، وما أتطلبه أنا نفسي. لقد قلت سابقاً: «الجمال لا يمكن أن ينفصل عن الحرية…».
وعلى هذه القاعدة يمكننا أن نحدد العلاقة بين الشكل والمضمون.
الأثر الفني وحدة فنية لا تستطيع أن نفصل بين عناصرها، أو نضعها أمامنا كشيء موضوعي. فالقصيدة الرائعة، رائعة في مضمونها وشكلها معاً. أما أن يكون كل همنا أن نرفع من قيمة المضمون (كأن يكون مضموناً أخلاقياً مثلاً…) ونهمل الشكل الفني، فلن يكون هنالك أدب حقيقي بل مجرد وعظ أخلاقي. وقيمة الأثر الفني هي في قيمة نوع التجربة التي صدر عنها. وعلى هذه النوعية يجب أن يقوم النقد الصحيح.
لا شك أن أدب الثورة الروسية أدب إنساني رفيع، عالج مقومات الإنسان الأصلية باعتباره أدب ثورة، وأدب ثورة اندفعت لتقلب جذور الحياة الروسية وتهيئ لها عالماً جديداً كل الجدة. فلندرس أوضاع هذا العالم الماركسي الجديد الذي انبثق عن الثورة، لندرسه من الناحية الأدبية.
لقد وضع هذا العالم أسساً شاملة، ولم يترك منحى من مناحي الفرد والمجتمع إلا بحث فيها واستفاض، ووضع لها مبادىء، وبيّن الشروط وأكد النتائج، لأن الماركسية كنظرة فلسفية أولاً، وكعقيدة سياسية ثانياً، مذهب شامل يستند إلى الجريان الديالكتيكي الجدلي ليخلص إلى حتمية في كل شيء. ومن الناحية الأدبية قال بوجوب تحرر الأدب من العواطف والأفكار الفردية البورجوازية التي قام عليها الأدب البورجوازي. على الأدب أن يحمل رسالة اجتماعية وأن يكون ملزماً وموجهاً، فنتج عن هذه الإلزامية أن تقيّد الأديب السوفييتي بأشياء فرضت عليه فرضاً. ومن البديهي بعد ذلك أن يختلف أدب الثورة عن أدب ما بعد الثورة.
1954، في « ـ الآثار الشعرية والنثرية»

سيزيف سوري

كان الشاعر والأديب السوري (1921 ـ 1960) ثالث ثلاثة شعراء «حماصنة»، نسبة إلى مدينة حمص في التعبير السوري الشائع؛ تكفلوا بنقل الحركة الشعرية في المدينة، ثمّ في سوريا بأسرها أيضاً، إلى مصافّ تجديدية جذرية، في الموضوعات كما في الأشكال. رفيقاه في رحلة التجديد كانا وصفي قرنفلي وعبد السلام عيون السود، ورغم أنّ قرنفلي كان أقرب إلى الأستاذ بالمقارنة مع الصوفي وعيون السود، إلا أنّ الثلاثة تقاربوا، وبعدئذ تكاملوا، في تأسيس حركة واحدة أنجزت غرضين كبيرين: تحرير اللغة الشعرية من إفراط البلاغة الكلاسيكية وقيودها، دون تفريط بالجزالة والفصاحة والمعجم الخصب؛ وإطلاق مدرسة رومانتيكية مثّلت واحداً من أبرز تحديات الشعر السوري في خمسينيات القرن الماضي، بالمقارنة مع مدارس أخرى ناجزة احتكرتها تيارات قصيدة الغزل والقصيدة الوطنية والقصيدة الملتزمة.
غير أنّ الصوفي امتاز عن زميليه بحسّ فلسفي قلق بمعضلات الوجود، لعله نجم عن قراءاته المبكرة في أعمال نيتشه وشبنغلر، ويقينه بأنه سيزيف آخر: «في أعماقي كائن عجوز، هرم، مريض، أحمق، يرتطم الآن ارتطاماً قاسياً، على صخور تجارب وحقائق جديدة. أنا الآن في البوتقة، أريد انصهاراً كلياً لأدرك وأستطلع قابلية الإدراك في ذاتي.. أريد انتصاراً كبيراً على الجزع الروحي الذي مزقني.. أريد أن أتعرى…»؛ هكذا كتب إلى أحد أصدقائه، قبل أسابيع قليلة من نجاحه في الانتحار، بعد محاولات سابقة باءت بالفشل.
ومن المحزن حقاً أنّ هذا الشاعر الكبير لم يمتلك الوقت لكتابة ذلك الشجن الإنساني، العميق والجارح والطافح، الذي ظلّ يعتمل في نفسه منذ أن كتب أولى قصائده، أو حتى وهو يتنقل بين أغراض شعرية متعددة، قادته من القصيدة العاطفية الوجدانية الغنائية، إلى القصيدة الرمزية الرومانتيكية التي تؤنسن الطبيعة، مروراً بالقصيدة الوطنية التي تمتدح نضالات الشعوب، وصولاً إلى القصيدة الميتافيزيقية العابرة للحدود وللثقافات. وهكذا لا نملك اليوم إلا مجموعة شعرية يتيمة بعنوان «أبيات ريفية»، صدرت عن دار الآداب سنة 1961؛ ومختارات من آثاره الشعرية والنثرية، صدرت عن وزارة الثقافة السورية، سنة 1968.
درّس الصوفي الأدب العربي في ثانويات حمص ودير الزور (حيث كتب قصيدته البديعة «مدينة الغَرَب»، بمقدمتها النثرية الفاتنة)؛ وفي سنة 1960 أوفدته وزارة التربية إلى غينيا لتدريس اللغة العربية، وهناك أقدم على الانتحار وفارق الحياة في إحدى مستشفيات كوناكري. وعن أفريقيا نقرأ له: «أنت، في أفريقيا، تحتاج إلى شيئين: خرافة وتطرف. وليست الخرافة هنا بمعناها المعروف: وهم يناقض الحقيقة، وإنما هي إخصاب إنساني يمد حقائق الوجود الأولى العارية، وانتصار على الرعب الميتافيزيكي. والتطرف هنا ليس مغالاة وتهوراً، وإنما هو ضرورة دائمة للتلاؤم مع عالم لا يزال في لحظة الخليقة الأولى، بكل قواه الفتية الثائرة».

الفنّ: صراع الإلزام والحرية

عبد الباسط الصوفي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية