بين الشنفرى والطغرائي: شعر الاعتزال والانشقاق

حجم الخط
2

علوّ الهمة والروح الجموح لا تختلف حسب الزمان والمكان، إذا ما استعرضنا أمثلة من البشر في عهدين مختلفين وظروف مختلفة، بل متعارضة. ونأخذ من تراثنا الأدبي العربي مثالاً جيداً على هذه الدعوى، في تناول شخصية الشاعر الجاهلي الشنفرى الذي عاش قبل الإسلام بسبعين سنة وتوفي عام 525م، قبالة شخصية الطغرائي الذي عاش ببغداد في العصر السلجوقي، وتوفي عام 1119م. الفرق الزمني بين الشخصيتين شاسع، وكذلك الفرق في المحيط الذي عاش فيه الاثنان. الشنفرى عربي أصيل، جاهلي، لا عهد له بالحضارة والعيش في قصور الخلفاء والأمراء مثل الطغرائي، ذي الأصل الفارسي والثقافة العربية الفذة، التي تكاد تنسي الباحث أو القارئ أن هذا الشاعر الأديب ربيب القصور ليس عربياً صرفاً ولا جاهلياً في نشأته وتوجهاته. لكن طينة الرجلين وروحهما الوثابة تطغى على كل اعتبار آخر.
قصيدة الشنفرى تجري على بحر الطويل: فَعولنَ مفاعيلن فَعولن مفاعِلُ وهو البحر الذي تجري عليه أشهر القصائد المعلقات، لامرئ القيس. كان هذا إيقاعاً جاهلياً طبيعياً قبل أن يعطيه الاسم الخليل بن أحمد الفراهيدي في القرن الثاني الهجري. ومثل ذلك قصيدة الطغرائي، بحراً وتوجها وروحاً. والفرق بين الشاعرين كبير في الزمان والمكان. فما الذي تسبّب في هذا التشابه والتقارب غير تشابه الروحين عبقرية وتوجهاً؟
قصيدة الشنفرى تقع في 69 بيتاً، وقصيدة الطغرائي في 59 بيتاً. وإذ لا ننتظر تطابقاً في عدد الأبيات لنبحث عن التشابه أو التقارب في الروحية التي تحكم القصيدتين، يكون من الأجدى ملاحظة التوجّه عند قامتين شعريتين كبيرتين على بُعد الشقة زماناً ومكاناً.
قد يكون الشنفرى، الصعلوك الشاعر الجاهلي، حكماً على هذه القصيدة التي اشتُهرت باسم «لاميّة العرب»، أول ثائر على مجتمعه في تاريخ العرب القديم. «أقيموا بني أمّي صدور مطيّكم/فإني إلى قومٍ سواكم لأميَلُ». بني أمي هم إخوتي والأقربون إليّ. هذا خروج على أقرب الأقربين، وهو أمرٌ عجيب لدى عرب الجاهلية، لما عرفنا عن العصبية القبلية في الجاهلية، وشدة الانتماء إلى الأهل والعشيرة. فإني ﺇلى «قومٍ» سواكم لأميَلُ، أي أشدّ ميلاً إلى غيركم من ميلي اليكم يا أبناء أمي والاشدّ قرباً إليّ. ما هو السبب؟ ولماذا قرر هذا الثائر الأول أن يشد الرحال عاجلاً، والليل مقمرٌ، أي أنه سيغادر في «وضح القمر» مثل «وضح النهار». ومن الذي يفضِّل هذا الثائر على «قومه» سوى وحوش الفلاة: من ذئاب وضباع بأنواعها؟ ولماذا؟ لأنه «كريم» نفسٍ يأبى اللوم: «وفي الأرضِ منأى للكريم عن الأذى/وفيها لمن خاف القِلى مُتعَزّلُ» هذا ثائر يريد الاعتزال عن قومه. كذلك، لمَ هذا الغيظ، الشديد من «مجتمع» الشاعر. أهو «مرض نفسي» بلغة بعض المعاصرين، أم أنه سبب أبسط من ذلك؟ هذا ما لا نعرفه من التاريخ ولا بد من الاعتماد على النص دون غيره. وحوش البرّ هم «مستودع السرّ» لا يذيعونه مثل بعض من عرف من «بني أمه»؟ هذا محض تساؤل. الكريم الجاهلي «يُجير الجاني» ولا يخذله. هل خرج بنو قوم الشاعر على هذه الصفة الكريمة فقرر «الاعتزال». وهو غير «جشع إلى الزاد» والمكاسب، مثل عنتره الذي «يغشى الوغى ويعفّ عند المغنم». ما خَبِر الشاعر من بني قومه جعله إلفَ هموم ما تزال تعودهَ/عياداً كحمّى الربع أو هي أثقلُ . والقصيدة كلها فخر بالذات وإعلاءً على ما دون الكريم من الصفات. وكل ذلك بلغة من حوشي اللفظ تتوهج بأصالتها، وترغمنا على احترامها: «دَعستُ على غَطشٍ وبَغشٍ وصحبتي/سُعارٌ وإرزيزٌ ووَجرٌ واكفَلُ». هذا هو السفر الذي يحمل «الوَعثاء» لا سفر الحضارة بالطائرات الباذخة المكيفة. لكننا نجد اليوم من يشكر مسؤولاً كبيراً على «تحمّل وَعثاء السفر».
وقصيدة الطغرائي في جوهرها تشبه قصيدة الشنفرى في الاعتداد بالنفس في الحديث عن «أصالة الرأي» و»حلية الفضل» و»مجدي أخيراً ومجدي أوّلاً». والطغرائي مثل الشنفرى يقرر «الإغتراب» عن أهله ومجتمعه. نقرأ عن دسائس البلاط السلجوقي التي عانى منها الطغرائي، ولكن ليس من سبيل إلى التحقق عما «تناقله الرواة» عن محيط القصور العباسية في العهد السلجوقي، ولكن الإشارة إلى أن «الكاتب السلطاني الأديب» قد واجه الحكم عليه بالموت قد يفسِّر بعض ما دعاه إلى القول «فيمَ الإقامة بالزوراء لا سكني/بها ولا ناقتي فيها ولا جملي» هل بلغ الأمر بهذه النفس العليّة أن ينأى عن «لغَبٍ» و»عذلٍ» فصاح «فلا صديقَ إليه مُشتكى حَزَني/ولا أنيسَ اليه منتهى جذلي»؟ واذا يحتفل الشنفرى بكرمه وتعففه عن المكاسب، يحتفل الطغرائي بأنه «حلوُ الفكاهةِ مُرّ الجد قد مُزجت/بقسوة البأس فيه رقَّة الغزل» هذه صفات «حضارية، عباسية» تشبه الصفات «الصحراوية الجاهلية» من حيث أساسها في دفع الشخصية إلى مراقي الرفعة، كل حسب «ظروفه». وإذ يكون طموح الصعلوك الجاهلي صحبة وحوش الفلاة، يكون طموح شاعر القصور إلى حيث «يُشفى لديغُ الغواني في بيوتهم/بنهلةٍ من لذيذ الخمر والعسلِ. فرق شاسع مثل بُعد صحراء الصعاليك عن قصور الخلفاء. لكنه في الحالين طموح مشروع ولا مجال لمناقشة الشاعر في قناعاته. والطغرائي ربيب القصور يفضِّل المغامرة على السلامة: «حُب السلامة يثني همَّ صاحبه/عن المعالي ويُغري المرء بالكسلِ. وطموح الطغرائي، على الرغم من مؤامرات القصور» هو طلب العُلى عن طريق الاغتراب والنزوح: «إن العُلى حدثتني وهي صادقة/في ما تُحَدِّثُ أن العزّ في النُقَلِ» أي الانتقال بعيداً. وهذا أملٌ لا يخبو: «أعلل النفسَ بالآمال ارقبها/ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل» وربما كان هذا أشهر بيتٍ في هذه القصيدة. واذ كان الصعلوك الجاهلي يترفع عن «بني قومه» الذين ساءت أخلاقهم عن مألوف الأخلاق الجاهلية كما يرى، فإن الشاعر البلاطي لا يقصِّر في وصف محيطه بالدناءة عن المأمول: «ما كنتُ أوثر أن يمتدَّ بي زمني/حتى أرى دولة الأوغاد والسفلِ» هل هذا أول أصناف النقد السياسي، دون خوف من الحاكم؟ لا يقوى على مثل هذا القول غير صاحب همةٍ عالية، شديد الوثوق من نفسه، مثله هجوم الصعلوك الجاهلي على «بني أمِّهِ» وأخلاق المحيطين به.
التمسك بالرأي، والمجاهرة به، على الرغم من جميع المخاطر، هي من صفات الشخصية الواثقة من تماسكها. فالصعلوك الجاهلي كان مُصرّاً على الاغتراب عن محيطه على الرغم من المخاطر التي تنتظره من وحوش البراري. وشاعر القصر العباسي كان مُصرّاً على منازلة رجال البلاط مع معرفته بما كان ينتظره من مخاطر، نقرأ أنها أدّت به إلى مواجهة الإعدام، ولا ندري ما حل بالشنفرى مع الوحوش. ولكن تاريخ بريطانيا يروي لنا أن سير توماس مور كان من أكبر رجال بلاط الملك هنري الثامن ملك بريطانيا المِزواج. فهو إن لم تعجبه واحدة من ست نساء تزوجهن طلَّق منهن من يشاء، والطلاق محرم في شرعة الكنيسة في عهد الملك هنري الثامن (1491 ـ 1547). وقد عيَّن الملك توماس مور عام 1529 في أعلى منصب في المملكة وما لبث أن أعدمه لأنه تمسَّك برأيه ضد رغبة الملك في الزواج والطلاق على هواه، دون موافقة الكنيسة التي ما لبث أن ألغى سلطتها باعلان نفسه الرئيس الأعلى للكنيسة.
هل كان الشنفرى بخروجه عن مجتمعه الجاهلي، والطغرائي بمعاكسة السلطة السلجوقية، يسيران بالطريق نفسه الذي يؤدي إلى الهلاك بسبب التمسك بالرأي الذي يجدانه صواباً؟

بين الشنفرى والطغرائي: شعر الاعتزال والانشقاق

د. عبد الواحد لؤلؤة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية