قصور المتحف الروسي ونفائسه الفذة: التوهج بالبهجة والتألق بالذوق الباذخ

حجم الخط
0

لا تقتصر وظيفة المتحف الروسي على حفظ ما هو نفيس من كنوز الإرث الثقافي الفني لشعوب روسيا وحكامها العظام، وتنظيم معارض الفنون الجميلة، بل هو اليوم أحد أبرز المراكز الثقافية التنويرية في روسيا الفيدرالية. ويُعتبر معهداً هاماً لصيانة النتاج الفني وترميمه، ودراسة المذاهب والظواهر الفنية واستقصاءها. وأيضاً تُقام في قاعاته الباذخة ندوات ودورات في الفنون التشكيلية والحياتية.
في قاعاته المئة وخمسين ورواقه الباذخة، يدخر المتحف الروسي الفخم ما يربو على 400 ألف قطعة فنية نفيسة منتقاة من مجمل الإبداعات الثقافية والفنية والمعيشية للمجتمعات الروسية على امتداد أكثر من عشرة قرون، تجسد مراتب تطور مدارس الفن الروسي وأجناسه العديدة. ويكتنز أيقونات فريدة جُلبت من كنائس وأديرة أرثوذكسية وقصور الأمراء والنبلاء الروس وبلاطهم توحي بالجلالة والتبجيل، ولوحات تعبيرية تنتمي إلى مذاهب فنية متعاقبة تزهو بالإبداع والبهاء، ورسوم الغرافيك وتماثيل ومطرزات وعاديات نادرة تتألق بالروعة والبهجة. إضافة إلى نقوش وزخارف عابرة القرون رفيعة الذوق والرونق، تزين بوابات المتحف وواجهاته ذات الطراز المعماري الفاخر.
تأسس المتحف الروسي عام 1895، وفق مرسوم القيصر نيقولاي الثاني (1868-1918) كأول مؤسسة روسية لحفظ وعرض كنوز الفن الروسي، وفتحَ أبوابه للزائرين عام1898. ويروي مؤرخو الثقافة الروسية أن قصة بناء القصر ذات صلة بيوم ميلاد الأمير ميخائيل، ومع حلول عام 1819 دُشنَ القصر وحسب تصميم المعماري الشهير كارل روسّي(1775- 1849) (إيطالي الأصل وروسي النشأة) صاحب تصاميم قصور شهيرة في مدينة سانت- بطرسبورغ.

نفائس المتحف واتجاهاته التعبيرية

استمر حال المتحف على ما هو عليه حتى انتصار ثورة أكتوبر 1917 التي قادت تغييرات نوعية ملموسة في حياة المتحف ودشنت مرحلة تاريخية جديدة، وخلقت ظروفا مناسبة لنمو عاصف في محتوياته. وحينئذ تضاعف عدد اللوحات والأيقونات والتماثيل والأثاث والأزياء المعروضة بترتيب في غاية الدقة، رُعي فيه ظهور وتطور المدارس والتيارات الفنية الروسية. ولأجل أن يقتني المتحف إبداعات فناني روسيا الكبار، ليتم عرضها بطريقة علمية متناسقة، رصدت الحكومة السوفييتيّة ثروة طائلة لهذا الغرض، حتى أصبح المتحف وبحق واحداً من أثرى متاحف العالم العظام.
يلاحظ الزائر أن المتحف الروسي يضم اليوم عشرة أقسام رئيسية، رُتبتْ حسب المراحل التاريخية التي اجتازها الفن الروسي بمختلف اتجاهاته التعبيرية، منذ العصر الوسيط وحتى وقتنا الحاضر. إذ تُعرض آثار العصر الوسيط في قسم رسومات روسيا القديمة، وتشمل صورا حائطية وفسيفساء ومجموعة هائلة من الأيقونات أبرزها: أيقونة (مريم العذراء) و(إيفان وغريغوري وملاسي). وتشغل إبداعات جماعة (أكاديمية الفنون المسكوبية- القرن الخامس عشر) وأكثرهم شهرة الرسامين العبقريين فوفان غريك وأندريه روبلوف وأتباعهما، واجهات بارزة في معارض المتحف. وفي هذه الرسوم، حسب ناقد روسي، تمتزج الفخامة بالدرامائية وتناسق الألوان الزاهي بالنزعة الإنسانية، وعبر وجوه القديسين المجسد في اللوحات يرنو إلينا أناس ذلك العصر الأحياء بملامح وجوههم الروسية الخالصة. وتعد أيقونات الرسام النابغة روبلوف؛ (الرسول بطرس) و (الرسول بولص) ولوحته الشهيرة (الثالوث) تُحفاً شامخة من بين رسومات عصر النهضة. وللعبقري أندريه روبلوف أثر هائل في تطور اتجاهات الفن الروسي في عصر النهضة وما بعدها، إذ لاقى رسم صور التَّزيّن الصغيرة انتشاراً واسعاً وقتئذ في مدن روسيا. وحينها قام الرسامون الروس بتزيين المخطوطات بمئات الصور والرسومات الملونة الزاهية، وزخرفوها بكائنات خرافية.
تميزت معروضات رسومات القرن السابع عشر باشتداد الميل نحو الوصف الواقعي لمعيشة المجتمع الروسي ومحيطه الطبيعي. هذه المشاهد الفنية تتجلى بصورة ملحوظة وبأروع ما يكون في إبداعات الرسام المعروف سيمون أوشاكوف، الذي سعى إلى تجسيد الواقع تجسيداً فنياً نيراً منشرحاً وقريباً من الطبيعة ذاتها.

عصر التحولات
والاتجاه التصويري

ويغلب على نماذج فنون القرن الثامن عشر الطابع العلماني الذي وسَّم الثقافة الروسية في عصر التحولات الكبرى، التي طالت البناء الاقتصادي والاجتماعي في روسيا القيصرية، وتحديداً في النصف الأول من القرن الثامن عشر، وبلا شك أن عمليات النهوض والرقي التي ألفتها الدولة الروسية في عصر الإصلاحات الكبرى ساهمت في ازدهار الاتجاه التصويري (البورتريت). ويعد النقاد الرسامين نيكيتين وأرغونوف أبرز رواد هذا الاتجاه الفني، وهما أول من رسما صور شخصيات سياسية واجتماعية في ذاك العصر. ومن تلك اللوحات التي رسمها نيكيتين (بطرس الأول) و (نابولني كتيمن)، وهنا يمكننا مشاهدة لوحات محفورة للنابغة زوبوف، صور فيها مناظر بطرسبورغ ومشاهد من حروب روسيا. ورغم أن الفنانين الروس عملوا في ظروف قاهرة، وتعرضوا للملاحقة من طرف الوجهاء والسلطات القيصرية، غير أنّهم أبدعوا آثاراً خالدة وأسسوا (الاتجاه التصويري) وأرسوا بداية موفقة لفن اللّوحات المحفورة والفسيفساء.
وأيضاً، تحتل أعمال فناني النصف الأول من القرن التاسع عشر، الذين انشغلوا في رسم الأحداث التاريخية والتحولات الاجتماعية والسياسية في روسيا القيصرية، حيزا بارزا بين معروضات المتحف، إذ كانت الغلبة، حينذاك، للإتجاه التاريخي الواقعي في الوسط الفني الروسي، بفضل ما حققه من ازدهار مرموق، الأمر الذي بان في إبداعات أساتذة المدرسة الأكاديمية. وبإمكان زائر المتحف التمتع برؤية لوحات عباقرة الفن الروسي وبينهم كارل برولوف صاحب اللوحة الأكثر شهرة (اليوم الأخير لبومبي)، التي أنجزها عام 1833، بعد عمل مُضن استغرق ثلاث سنوات، و(الحصاد) و(إقطاعية منشغلة في شؤون البيت) لفينتسيانوف. أما لوحات الفنان فيدوتوف وتحديداً (خطوبة ضابط) و (عشيق جديد)، فَيتسمان بالاتجاه الغوغولي التشهيري في فن الرسم. وفي لوحته الشهيرة (عودة المسيح إلى الناس)، حاول الفنان إيفانوف أن يعبر وبجلاء عن اليقظة الروحية للشعب الروسي. كما وتعرض هنا بورتريهات من إبداع الفنانين كيبونيسكي وفوروبيوف، إضافة إلى منتخبات من أعمال نحاتي روسيا في هذا العصر الذهبي للآداب والفنون الروسية مثل بيمينوف (هرقل وآنتي)، وميخائيل كزلوفسكي (أورلوفسكي).

الاتجاه الواقعي
والأيديولوجية الجديدة

ولابُدَّ لنا من التعريف بإبداعات رواد الاتجاه الواقعي، (الذي طغى على غيره)، إذ أحرزوا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر نصرا حاسما في الفنون الجميلة. والمعروف أن هذا الإتجاه تشكل بعد انفصال نخبة من الفنانين، في العقد السابع، عن الأكاديمية (الرجعية) وأسسوا عام 1870 جمعية (المعارض الجوالة)، التي رفدت الفن الروسي بروائع نفيسة لعل أبرزها أعمال الفنانين بيروف (جنازة فلاح) و(الثالوث)، وكرامسكوي (الحزن الذي لا يعزى) واللوحة التراجيدية (بطرس يستجوب الأمير أليكسي).
كما وتدخر صالات ورواق المتحف باعتزاز، مجموعة لوحات بهية لنابغة الفن الروسي ريبين منها (اجتماع) و(اعتقال محرض) و(إيفان الرهيب) و(النواخذة على نهر الفولغا). أما لوحات الفنانين المبدعين شيشكين وسافراسوف وفاسيلييف فتنقلنا إلى طبيعة روسيا الخلابة الآسرة. وأيضاً يمكن مشاهدة أعمال الرسام سورياكوف (إخضاع سيبيريا من قبل يارماك) و (عبور سوفوروف الألب) و(ستيبان رازين) ومنحوتات الفنان كامينسكي.
ومما ميّزَ هذه الأعمال الرفيعة المواضيع والأشكال الجديدة والأساليب الأكثر تعبيرية ذات الطابع (المؤدلج)، باعتباره وليدا طبيعيا من تفاقم حدة الصراع الاجتماعي والسياسي، وتعاظم نفوذ الحركة الثورية في روسيا، وشيوع تداول مؤلفات الأدباء والنقاد والمفكرين والثوريين الروس بين عامة الناس، ونخص بالذكر: بوشكين، ليرمونتوف، دوبرولوبوف، تشيرنيشيفسكي، غوغول، دوستويفسكي، تولستوي، سالفيوف، بيرداييف، سالطيكوف- شيدرين، وغيرهم الكثير.
ونشاهد في معروضات الفن السوفييتي، أكثر من 250 لوحة، من أعمال فناني ما بعد ثورة أُكتوبر 1917، حيث لم يعد من العسير معرفة عالم الفنان ونزعاته، إذ أنّه اقترب في أدواته التعبيرية من تجسيد حركة الواقع الاجتماعي وتفاعلات الحياة الأخرى، وغدت تدريجياً تتشكل خصائص مميزة لإتجاه الواقعية الاشتراكية. والواقع أن هذا الإتجاه لم يرسخ في الفنون والآداب السوفييتية إلا في أعقاب ثلاثينيات القرن الماضي. ولعل جُل الأعمال الفنية لهذه المرحلة تؤرخ مسار الحركة الثورية الروسية، وهذا ما نشاهده في رسومات روبلوف (لينين على الخليج الفنلندي)، وإيفانوف (العائلة)، وأعمال النحات موخينا (العامل والفلاحة الكولخوزية)، وأنيكوشين تمثال (بوشكين)، وأندرييف.

وجوه القديسين والتعبيرات السيكولوجية

وتضم مجموعات فن الزخرفة والأعمال التقليدية نماذج منوعة من إبداعات فناني العصور الوسطى والحديثة، بينها الزخرفة والنقش على الخشب والأقداح وباقي الأدوات المنزلية والتزيين المعماري. وعصر ذاك اتسمت الزخرفة والنقش بالفخامة، ولاح في وجوه القديسين روعة الألوان والتعبيرات السيكولوجية القاسية. وكذلك يمكن ملاحظة تماثيل فريدة لأبرز معماري ونحات تلك العصور فاسيلي يرمولين، الذي صمم جدران الكرملين ونحت تماثيل من الصخر. تُعرض أيضاَ في المتحف مصنوعات فخارية وزجاجية تنتسب إلى فترات زمنية مختلفة، وآثار رائعة من الفن التطبيقي مثل الحفر على الخشب والعظام والمصوغات والتطريز وأوان منزلية في غاية البهاء. وكلها تشهد على المهارة العالية للصناع الروس.

قصور المتحف الروسي ونفائسه الفذة: التوهج بالبهجة والتألق بالذوق الباذخ

ناظم مجيد حمود

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية