نيويورك الأمم المتحدة «القدس العربي»: في تقرير صادر عن فريق الأمم المتحدة المستقل للتحقيق في جرائم الحرب في سوريا بتاريخ 16 حزيران/يونيو جاء أن المتطرفين من تنظيم الدولة الإرهابي المعروف باسم «داعش» إرتكب جريمة الإبادة الجماعية ضد الشعب الإيزيدي المحاصر بين كماشتي الصراع السوري والعراقي وما زال يمارس وحشيته هناك.
وقال باولو بينيرو، رئيس لجنة الأمم المتحدة للتحقيق في التجاوزات وانتهاكات حقوق الإنسان في سوريا، إن «كل الإيزيديين رجالا أو نساء أو أطفالا تعرضوا لأبشع الفظائع في المنطقة التي استولى عليها التنظيم بما في ذلك عرض النساء للبيع بالمزاد».
ووفقا للتقرير، فقد تم اطلاق النار على الرجال والفتيان في سن المراهقة، في حين أن الآلاف من النساء والفتيات ما زلن محتجزات ويبعن كرقيق أو يستعبدن كجوار لتقديم الخدمات الجنسية للمقاتلين.
ويطالب التقرير مجلس الأمن بالنظر السريع في المسألة واعتماد قرار يحيل مرتكبي هذه الجرائم إلى المحكمة الجنائية الدولية. كما يطالب مجلس الأمن باعتماد قرار تحت الفصل السابع للتعامل مع ما يشكله تنظيم الدولة من خطر على السلم والأمن الدوليين.
وبمناسبة صدور التقرير حضر وفد صغير من الطائفة الإيزيدية إلى مقر الأمم المتحدة بترتيب من البعثة العراقية الدائمة لدى الأمم المتحدة للقاء المسؤولين الأممين والمؤسسات الصحافية والإعلامية لشرح ما تعرضت له الطائفة من حرب إبادة جماعية حقيقية على يد تنظيم الدولة «داعش». «القدس العربي» التقت النائب وقائم مقام منطقة شنكال محما خليل شنكالي وأجرت معه هذا الحوار.
○ أتعرف عليك أولا ثم حدثني عن الطائفة الإيزيدية.
• أنا قائم مقام منطقة شنكال، من المكون الديني الإيزيدي، وعضو في مجلس الشعب العراقي «البرلمان» لدورتين سابقتين ورئيس لجنة الأقليات في اتحاد البرلمانيين العراقيين، وأحد الذين قاتلوا بشرف تنظيم الدولة «داعش»عندما قام بحرب الإبادة الجماعية للمكون الإيزيدي. شنكال مدينة تقع في غرب محافظة نينوى وقريبة من القطر السوري الشقيق يسكنها نحو خمسمئة ألف نسمة. كانت المنطقة معرضة للتهميش والاهمال تاريخيا وتوارثت الأجيال هذا التهميش، حيث تعرض المكون الإيزيدي إلى 74 حملة إبادة جماعية قبل يوم 3 آب/أغسطس 2014 تاريخ هجوم «داعش» على منطقة شنكار كما جاء في شهادات المؤرخين. وشنكال قاومت الأعداء دائما. وجبل سنجار يمثل رمز المكون الديني للإيزيديين ووضعنا الجبل شعارا لنا لأنه يعني لنا الصمود والتصدي والصلابة.
○ إذن كان هناك إضطهاد وتهميش للمكون الإيزيدي قبل 3 آب/أغسطس 2014؟
• كانت المنطقة مهمشة ومدمرة وخاصة إبان النظام الدكتاتوري. لقد تم إجراء تغييرات ديموغرافية عليها وتم تهجير قسري لبعض مكوناتها وتعرضت للقهر والظلم وإضاعة الحقوق وكنا نعامل كمواطنين من الدرجة الثالثة بسبب ديننا. ودعني أؤكد لك أن الديانة الإيزيدية من أقدم الديانات في منطقة الشرق الأوسط. إيماننا بالله قوي ونعتز بلغتنا الكردية الإيزيدية، وهي أحد أسماء الله وتعني عبادة الله باللغة العربية. فنحن من عُبـّاد الله وكل ما يشاع عنا عبارة عن تلفيقات وليست لنا علاقة لا من قريب أو من بعيد بيزيد بن معاوية كما يقال. نحن من أقدم ديانات العراق وعشنا بسلام ووئام مع كافة الأطياف الدينية الأخرى من مسلمين ومسيحيين وصابئة وغيرهم. لكننا رغم سلميتنا تعرضنا لهذه الإبادة الآن وقد تعرضنا لحروب إبادة كذلك أيام الدولة العثمانية.
○ كيف كانت أمور الإيزيديين في دولة العراق الحديثة؟
• لقد كنا نعيش أزهى أوقاتنا أيام العهد الملكي في العراق وأيام عبد الكريم قاسم وحتى أيام أحمد حسن البكر. أما في عهد الدكتاتورية، فقد تعرضت كل مكونات الشعب العراقي للاضطهاد وخاصة الأقلية الدينية الإيزيدية.
○ وماذا عن فترة الاحتلال الأمريكي ألم تكن هناك أربعة تفجيرات في يوم واحد وسقط مئات القتلى؟
• نحن نقول إن منطقة الموصل هي مهد الحضارات ومهد الأقليات الدينية. ففيها المسيحيون والإيزيديون والمندائيون والشبك وغيرهم. وكان هناك تعايش سلمي حقيقي بين كل هذه المكونات. بعد إنهيار النظام الدكتاتوري ظهر في العراق عدد من الجماعات المتطرفة وخاصة القاعدة. وللأسف أن بعض العشائر الموالين للنظام الدكتاتوري إنخرطوا مع الجماعات المتطرفة. ليس الكل ولكن على الأقل جزء منهم. قدموا معلومات لتنظيم القاعدة عن بعض القرى الإيزيدية. تلك القرى كان فيها ناس بسطاء طيبون يعيشون في بيوت طينية لا يطمحون في أكثر من عيش بسيط بكرامة ضمن الوطن الذي يضم الجميع. هم عراقيون مخلصون لوطنهم. لكن تنظيم القاعدة إستهدفهم يوم 17 آب/أغسطس 2007 بتفجير أربع سيارات مفخخة وضعت في مجمعات تجارية وذهب ضحيتها نحو ألف إنسان بين قتيل وجريح، وبعض الجثث لم يتم التعرف عليها أو تفحمت ولم يظهر لها أثر. كنت آنذاك عضوا في البرلمان العراقي وناشدت البرلمان بالوقوف معنا وكشف ملابسات التفجيرات. وبالفعل وقف الكثيرون معنا وجرى التحقيق في الحادث المروع لكشف ملابساته وتم إعتبار منطقة شنكال منطقة منكوبة وقدمت الحكومة مبلغ عشرة ملايين دولار بشكل عاجل لمساعدة المنكوبين. كما أن حكومة كردستان إستضافت الجرحى والمشردين وشكلوا لجان حماية لتلك القرى.
○ وهل تبنى أحد العملية وهل عرف مرتكب تلك المجزرة؟
• نعم. لقد تبنى تنظيم القاعدة المجرم هذه العمليات. وعرف الشخص الذي قدم التسهيلات اللوجستية وهو من قرية بعاج. نعرف إسمه ومكانه وارتباطاته وكان من البعثيين الكبار.
○ نأتي الآن لمرحلة تنظيم الدولة «داعش». عندما انتشر التنظيم في سوريا ألم تشعروا بشيء من الوجل والخوف من تمدده الدموي إلى العراق، خاصة أنكم قريبون جدا من حدود سوريا ولا تتجاوز مسافة الحدود عنكم أكثر من 18 كليومترا؟
• للأسف الشديد نعم، طالبنا وناشدنا وكتبنا ولكن «لا سميع ولا مجيب» ونادينا ولكن لا حياة لمن تنادي. كتبت تقريرا في عام 2008 لرئيس الوزراء العراقي آنذاك، نور المالكي، وقلت له إن ما حدث في الموصل سيمتد ليشمل العراق. قلت له إن هذه الحركات المتطرفة ستصبح نارا ووبالا على كل الشعب العراقي وهدفهم إسقاط العملية الديمقراطية السلمية في العراق، وطلبت حينها بإقامة سياج حول مدينة الموصل لحمايتها وحماية الأقليات.
نعم شعرنا بالخوف وأن الذي يجري على حدود سوريا لا بد واصل إلينا عاجلا أم آجلا، وكانت هناك تقارير من جزيرة بعاج وغرب سنجار ونينوى كلها كانت تشير إلى قوة متنامية تكبر كل يوم لتنظيم الدولة الذي كان يقيم المعسكرات القريبة التي نشاهدها بالعين داخل الحدود. وأبلغنا الجميع نحن لا نستطيع مقاومتها لوحدنا.
○ ألا ترى أيضا أن بعض سياسات رئيس الوزراء السابق، المالكي، عززت التمحور الطائفي ودعم محور ضد آخر؟
• نحن لم نأت إلى هنا لنبحث قضايا داخلية، بل لنشر القصة الكاملة التي تعرضت لها الطائفة الإيزيدية. السياسيون، ونحن منهم، ارتكبوا أخطاء. الجميع ارتكب أخطاء في المرحلة الانتقالية التي تحتاج إلى جهد ووقت ومساندة. ولكن أود أن أذكر أن بعض دول الجوار أيضا لعبت دورا في تأجيج التأزم الداخلي ببث نوع من السموم الدعائية. وكأن هناك من يريد للعملية السياسية في العراق أن تنهار ربما كنوع من الحسد أو الغيرة لأنها كانت تسير في الطريق الصحيح. كان هناك دستور وانتخابات وحرية تعبير وحرية أحزاب وبدأ الناس يشعرون بمثل هذا التحول الإيجابي مما أثار حفيظة بعض الدول المجاورة، فأرادوا أن يسقطوا العملية السياسية. أنتقد المالكي أو ينتقدني فهذه عملية داخلية. نحن الآن لا نريد أن ننتقد أحدا، نريد أن نلملم جراح الوطن كله ولكن نحن كسياسيين نتحمل شيئا من المسؤولية.
○ كنتم كطائفة تنأون بأنفسكم عن التجاذبات الداخلية وتحاولون أن تقيموا علاقات طيبة مع الجميع. هل هذا صحيح؟
• المثل عندنا يقول «كل في بيت المسيحي وارقد في بيت الإيزيدي». للأمانة الكل يشهد لنا أننا مخلصون للوطن ولا نتآمر عليه ولا نبحث عن مناصب ونقيم أفضل العلاقات مع جميع مكونات الشعب العراقي المتعددة. أردنا أن نعيش كمواطنين صالحين في عراق الرافدين بكرامة. ولكن لم نجد الكرامة في بلدنا بعد ما حدث. تشتتنا في أصقاع الأرض كما حدث لإخوتنا الفلسطينيين الذين نتعاطف معهم. نحن نموت مرتين مرة عند التهجير ومرة عند الموت الحقيقي. هذا ما تعرض له المكون الإيزيدي المسالم الإنساني والعراقي المخلص.
○ ولماذا لم تهب ميليشيات البيشمركه لمناصرتكم وحمايتكم قبل وصول «داعش»؟
• أتمنى أن يتذكر الناس أن تنظيم الدولة استولى على سلاح دولتين هما سوريا والعراق. كان يسيطر على منطقة واسعة فيها موارد اقتصادية كبيرة. البيشمركه كانت موجودة بسلاحها البسيط. لكنها كيف ستصمد أمام هذا الطوفان وهذا السلاح المتطور؟ لقد كان هناك متطوعون يساعدون تنظيم «داعش» من 80 دولة. قاومنا على قدر امكانياتنا ولم يسقط جبل سنجار في يد تنظيم الدولة. وانطلقت من جبل سنجار مقاومة شريفة نظيفة وكنت واحدا منهم ضد تنظيم الدولة الذي رغم امكانياته لم يستطع تسلق جبل سنجار.
○ الآن صـف لنا ماذا حدث يوم 3 آب/أغسطس 2014 بالضبط؟
• ما حدث ذلك اليوم هو إبادة جماعية حقيقية. بل هو هولوكوست حقيقي. تم تهجير خمسمئة ألف إنسان قسريا واقتلعوا جميعا من ديارهم وشتتوا عن بكرة أبيهم. إنه تطهير عرقي حقيقي. كان القتل للرجال على الهوية أو على الدين وكان هناك سبي للنساء ووضع القتلى في مقابر جماعية. لم يبق شيء في منطقة شنكال إلا لحق به ضرر تنظيم «داعش». إتجه النازحون لإقليم كردستان الذي أصبح ملاذا آمنا ليس للإيزيديين فقط بل للسنة والمسيحيين والتركمان والمندائيين وغيرهم. في يوم واحد إرتكبت عصابات «داعش» جرائم يصعب وصفها في عجالة. لقد حاولوا إجبار الناس على تغيير دينهم ودخول الإسلام بالقوة وإلا فمصيرهم القتل. وارتفع عدد المقابر الجماعية المكتشفة من 24 إلى 41 مقبرة فيها نحو 5000 جثة. كذلك سبي النساء، إذ وصل عدد السبايا إلى نحو 5877. تم تحرير 2700 إمرأة بعد إستعادة بعض المناطق من أيدي «داعش» وترحيل 1100 من هؤلاء النسوة إلى ألمانيا لتلقي العلاج النفسي. وهناك 1600 في 18 مخيما في محافظة دهوك. وقد زرت المنطقة والتقيت بالمحافظ وشكرته على تحملهم هذا العبء الكبير فمن بين كل أربعة أفراد في دهوك ثلاثة من النازحين أو المهجرين على الرغم من ضعف الإمكانيات.
○ هل قدمت لكم الأمم المتحدة أي مساعدات؟
• نعم قدمت لنا مساعدات لكن ليس في مستوى طموحنا ونحتاج إلى المزيد وهذا ما جاء بنا إلى هنا لنناشد المجتمع الدولي بمساندة الإيزيديين وعدم التخلي عنهم.
○ التقرير الأخير الذي أصدره فريق التحقيق المستقل برئاسة باولو سيرجييو بنيرو وعضوية كارن أبو زيد وكارلا ديل بونتي يتهم تنظيم الدولة «داعش» بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وارتكاب جريمة الإبادة الجماعية. فهل وثقتكم ما جرى؟ هل لديكم من الوثائق ما يساهم في إدانة مرتكبي هذه الجرائم عندما يقفون أمام العدالة يوما ما؟
• نعم قمت بتقديم الكثير من الوثائق الحقيقية لكارن أبو زيد. قدمت لها صورا وفيديوهات وأقراصا مدمجة، ونحن نطالب الإعلام والصحافة الحرة أن تقف معنا وتمد لنا يد المساعدة لأننا أمام قضية إنسانية. نحن ندفع ثمن مواقفنا الإنسانية فقد وقفنا مع إخوتنا الشيعة عندما تعرضوا للإبادة الجماعية في تلعفر واستقبلنا الفارين عندما سقطت محافظة نينوى. دفعنا ضريبة دينية لأننا إيزيديون ودفعنا ضريبة وطنية لأننا عراقيون ودفعنا ضريبة إنسانية لأننا أكثر من يؤمن بالإنسانية والتعايش السلمي وأخيرا دفعنا ضريبة قومية لأننا كرد ونتمسك بلغتنا الكردية. كل شيء موثق. قاتلنا بمالنا وسلاحنا وأرواحنا وجئنا هنا لاستكمال نضالنا وذلك بنقل معاناتنا للمجتمع الدولي وللناس في نيويورك أكثر مدينة في العالم تحتضن الأقليات الدينية والعرقية. ونتمنى على فريق التحقيق المستقل أن يقدم هذه الوثائق لمحكمة الجنايات الدولية حين يقف المجرمون أمام استحقاقات العدالة فما تعرضنا له ليس فقط إبادة جماعية بل هولوكوست حقيقي.
○ هل تنوون العودة إلى دياركم بعد تحريرها من الجماعات الإرهابية الممثلة بتنظيم الدولة «داعش»؟
• نعم يمثل جبل سنجار رمز الديانة الإيزيدية. لن نغادره إلى أبد الآبدين. لن نتخلى عنه. الإيزيديون يريدون أن يعودوا إلى ديارهم بعد التحرير- بعد تحرير الموصل وتوفير الخدمات الأساسية ويكون هناك إستقرار سياسي واستقرار أمني. فمنطقتنا مصنفة من البرلمان العراقي على أنها منطقة منكوبة.
عبد الحميد صيام