المصالحة بين تركيا وإسرائيل.. من المستفيد أكثر؟

حجم الخط
2

الناصرة ـ «القدس العربي»: تأتي المصالحة بين تركيا وإسرائيل وليدة اعتبارات وتقاطع مصالح تكاثرت، ولكنها لن تعيد شهر العسل التاريخي بينهما وهي أقرب لأن تبقى «زواج متعة» يحقق فيه كل منهما أغراضه المتنوعة. هذه المصالح الكبرى هي في الواقع التي دفعت الطرفين للتفوق على الذات وتجاوز الأزمة باتفاق توّج سنوات من المفاوضات العسيرة. لا شك أن الاعتبارات الاقتصادية دفعت إسرائيل لتقديم الاعتذار والتعويضات لتركيا، فهي تحلم بتصدير الغاز لها بعد اكتشاف كميات هائلة منه قبال شواطئ حيفا.
وإسرائيل تدرك أن تركيا مستعدة لهذه الصفقة بعد تدهور علاقاتها مع روسيا مزودة الغاز الرئيسية لها حتى الآن، وهي تتطلع لتصديره لبعض الدول الأوروبية عبرها. المصالحة توفر حماية جنود وقادة جيش الاحتلال من دعاوى قضائية استنادا لقانون سيشرع في البرلمان التركي يلغي الإجراءات القانونية بحقهم. أمنيا يبقى اتفاق المصالحة أكثر أهمية من حيث منع أي نشاط عسكري من قبل حركة حماس ضد إسرائيل من الأراضي التركية بما في ذلك جمع الأموال لهذه الأغراض. وضمن المصالح الإسرائيلية غير المصرح بها والتي قادت لهذه المصالحة، الرغبة في الحصول على وجبة أوكسجين دبلوماسية هامة تساعدها في تخفيف وطأة المقاطعة والعزلة في العالم. هذا يضاف لحاجة إسرائيل لتعاون محتمل مع تركيا مستقبلا ضد المحور الإيراني الشيعي في المنطقة، فالطرفان يناهضان أطماع طهران في العراق وسوريا وما يعرف بالهلال الشيعي. كذلك تمكن المصالحة تركيا العيش مع استمرار حصار غزة ما يعني خدمة مصلحة إسرائيل بتكريس الانقسام بين القطاع وبين الضفة.
من جهتها تحاول تركيا الإمساك بطرفي العصا والاحتفاظ بعلاقات مع حماس والجانب الفلسطيني من خلال عدة بنود في الاتفاق تتعلق بمساعدات سخية لغزة كبناء مستشفى ومحطة طاقة وتطوير منطقة صناعية بالقرب من جنين. وتحقق تركيا مصالح هامة هي الأخرى في هذه المصالحة منها اقتصادية ترتبط بالمحافظة على حجم التبادل التجاري الكبير وبالتطلع لجني أرباح من صفقة غاز دسمة مع إسرائيل تعفيها من التبعية لروسيا وإيران وهذا ما لم يتضمنه الاتفاق رسميا. بواسطة هذا الاتفاق ورغم عدم الإشارة لذلك، تبحث تركيا عن معابر وقنوات تصريف لبلدان عربية في المنطقة بعد انقطاع الطريق التجارية التقليدية عبر سوريا. كما تطمع تركيا باستعادة مئات آلاف الإسرائيليين ممن زاروا كسائحين في الماضي. وعلى مستوى الكرامة الوطنية اضطرت إسرائيل للاعتذار عن قتلها متطوعين أتراك كانوا على متن الباخرة «مرمرة» في طريقهم لغزة وبالتالي تقديم التعويضات لذويهم وهذا ما اعتبرته أوساط إسرائيلية مسا بكرامة إسرائيل. كما زاود رئيس المعارضة ورئيس «المعسكر الصهيوني» يتسحاك هرتسوغ على نتنياهو بالقول إن الاتفاق جزء من نمط عمل نتنياهو، الذي يبدأ بتصريحات كبيرة، ومن ثم وعود، لكنه ينتهي بالخنوع.

ما الذي ربحته حماس

بين هذا وذاك ربما تزداد المساعدات الإنسانية الوافدة لها، لكن غزة تبقى رغم المصالحة داخل قفص الحصار. ولذا يرى رئيس الموساد الأسبق افرايم هليفي في المصالحة خطوة ذات أهمية استراتيجية بعيدة المدى لإسرائيل ليس فقط من ناحية الاقتصاد والإقليم. يوضح هليفي في مقابلات صحافية أن رئيس حكومة إسرائيل قلل من الحديث عن الآثار المترتبة على البنود المتصلة بحماس، وأثرها على سياسة إسرائيل تجاه غزة بشكل عام وحماس على وجه الخصوص. ويضيف «صحيح انه لم يتم رفع الحصار البحري المفروض على غزة، ولكنه تم فتح بوابة واسعة جدا لجلب السلع والمعدات من مختلف الأنواع ووسائل لبناء محطة لتوليد الطاقة ومستشفى. غزة ستشهد ثورة اقتصادية، وربما اجتماعية في المستقبل. سترتفع مستويات المعيشة المتدنية، وسيتوفر عمل بديل للعمل في حفر الأنفاق، ولن يتأخر اليوم الذي ستناقش فيه مسألة جدوى استمرار الحصار البحري على قطاع غزة».
ولكن منافع حماس كتنظيم سياسي لا تقل عن منافع غزة في نظر هليفي الذي يقول إنه في هذه المناسبة تم رفع مكانة حماس على المستوى الدولي ما يشير لدعوة رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل للقاء شخصي مع الرئيس أردوغان قبل عدة أيام من توقيع الاتفاق. وبعد يومين فقط من تلك الزيارة، قرر أردوغان الاتصال بأبي مازن واطلاعه هو أيضا على الاتفاق.
وبازدياد الاحتمال أن تتوسط الآن تركيا بين حماس وإسرائيل بشأن الجنديين المفقودين بينما تحولت حماس إلى جهة قابلة للحوار مع إسرائيل بواسطة أحد الرعاة السياسيين على الحلبة الدولية.
وينوه هليفي إلى ما لم يرد في العلن، فالاتفاق مع تركيا سيجعل الاعتداءات الإسرائيلية على غزة مهمة صعبة بل ينفيها في الواقع. ويدلل هليفي على ذلك بالقول «لا يمكن التفكير بأن طائرات سلاح الجو ستقوم بقصف محطة الطاقة التي ستبنيها تركيا في القطاع، ولا يمكن التفكير بأن إسرائيل ستقرر خوض حرب إبادة ضد حماس خلافا لرغبة موسكو وأنقرة. ولا يمكن تسليم تركيا مهمة الوساطة الحساسة، وفي الوقت نفسه السعي إلى مواجهة عسكرية مصيرية تحول غزة إلى موجة غبار خلال حرب أخيرة». وضمن التوقف عند أرباح حماس، يرى هليفي أن دعم الولايات المتحدة للاتفاق، يشكل أيضا دعما لحق تركيا بالحفاظ على قنوات اتصال مع حركة حماس التي يمكن ان تستغل الآن لصالح إسرائيل. لكن هليفي يخلص للقول إنه مع هدوء جولة السخرية الإسرائيلية من الاتفاق الناجح والدبلوماسية الخلاقة التي أدت إلى ذلك، يتبين أن إسرائيل بقيت عمليا بدون استراتيجية أمنية إزاء غزة.

التعاون في محاربة الإرهاب

ويرى رئيس إسرائيل رؤوفين ريفلين أهمية المصالحة بالنسبة لإسرائيل وأن تعزيز الحوار مع تركيا سيساعد كثيرا الجهود المشتركة في محاربة الإرهاب وسيبث رسالة واضحة إلى من يتعاملون بـ «الإرهاب» بأن «كل الأطراف لن تسكت حتى نضع حدا لهذا التهديد الرهيب».

نتنياهو قوي بالعربية، ضعيف بالانكليزية

ويتفق المعلق البارز آرييه شافيط مع ريفلين حول أهمية الإنجاز المتمثل في المصالحة مع تركيا بالنسبة لإسرائيل ويرى بها دليلا على أن نتنياهو هو أحد السياسيين الوحيدين في البلاد. ويقول في تعليق نشرته صحيفة «هآرتس» الجمعة إنه خلافا لكثير من وزراء المجلس السياسي ـ الأمني، يعرف نتنياهو التمييز بين الغث والسمين. وخلافا لقادة المعسكر القومي، لا يفكر نتنياهو بالمصطلحات الشعبوية كالكرامة القومية والإهانة القومية. وخلافا للكثير من قادة اليسار، الذين كانت تعقيباتهم على الاتفاق مخجلة، فان رئيس الحكومة لا يتحدث عاليا فقط عن السلام. ويجب على المنتقدين الثاقبين لنتنياهو بالذات، مثلي، الاعراب عن تقديرهم للحكمة والتحليق والمسؤولية والشجاعة التي أظهرها أخيرا.

المصالحة بين تركيا وإسرائيل.. من المستفيد أكثر؟

وديع عواودة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية