الجزائر: معارك الإعلام والسياسة والمال والسلطة في قلب مخاض عسير 

حجم الخط
14

الجزائر ـ «القدس العربي»: تعيش الجزائر هذه الأيام على وقع صراع وقبضة حديدية بين السلطة والمعارضة وبين السلطة والإعلام، عنوانها العريض الحريات، وتفاصيلها معارك يراها الكثير من المراقبين والسياسيين مقدمة لما هو آت، وانعــكاسا لمخاض عسير لم ينزل حمله بعد.
في كل مرة تكون فيها البلاد مقبلة على مرحلة جديدة تتحول الأنظار نحو الإعلام، الذي عادة ما يعكس صورة ما يجري في دهاليز الحكم. فالصحافة ان لم تكن قد أصبحت سلطة رابعة فإنها تصبح الهاجس الأول بالنسبة للسلطة في مثل هذه المراحل، فقضية شراء رجل الأعمال اسعد ربراب لمجمع «الخبر» الإعلامي حركت مخاوف السلطة من تبعات هذه الصفقة، وإذا رجعنا إلى الوراء قليلا نجد أن كل الذين اقتربوا من الإعلام بأكثر مما سمح لهم تم نسفهم من المشهد وطردهم من الخشبة، بداية بالجنرال محمد بتشين الرجل القوي في عهد الرئيس السابق اليامين زروال، وصولا إلى «الغولدن بوي» رجل الأعمال المسجون حاليا رفيق عبد المؤمن خليفة، وبالتالي فان اقدام ربراب على شراء «الخبر» جريدة وقناة وشركة طباعة واسما تجاريا ومصداقية، جعل السلطة تتحرك، خاصة وأن الخطوات الأولى التي قام بها رجل الأعمال عززت مخاوفهم بشأن الطريقة التي سيوظف بها ربراب هذا الدرع الإعلامي الذي اقتناه. فالرجل «متهم» من طرف بعض رجالات السلطة بان له مشروعا سياسيا.
وزارة الإعلام تحركت بسرعة لإبطال الصفقة، إلى درجة ارتكابها سلسلة من الأخطاء الإجرائية في الدعوى التي رفعتها أمام المحكمة الإدارية، لكنها حصلت على قرار بتجميد الصفقة، ولن تنتظر طويلا للحصول على قرار قضائي بإلغاء الصفقة نهائيا، بدليل أن محاميي «الخبر» انسحبوا من القضية، بدعوى أن الحكم جاهز سلفا، وبدليل أيضا أن رجل الأعمال شرع في مفاوضات مع ملاك «الخبر» السابقين من أجل استرجاع أمواله وإعادة المجمع إلى ملكيتهم.
القضية كانت لها تبعات أخرى، فمدير قناة «الخبر» مهدي بن عيسى، وهو رجل الثقة بالنسبة لرجل الأعمال اسعد ربراب موجود في الحبس المؤقت، بسبب قضية تراخيص تصوير برنامجين ساخرين، وهذه القضية لم تكن لتحدث لولا شراء ربراب لمجمع «الخبر»، ولولا الظرف السياسي العام الذي تميزه حالة التوتر والاضطراب، فالكل يجمع هنا ان السلطة لا تطبق القانون بهذه الصرامة إلا لما تشعر بالخطر أو ترغب في الانتقام، حتى وان كان مدير القناة ارتكب خطأ بإقدامه على إنتاج برنامجين وهو لا يملك الحق في ذلك، لان شركة الإنتاج «ناس برود» التي اشترى من خلالها ربراب الخبر، والتي يديرها مهدي بن عيسى، بالغضافة إلى إدارته لقناة «الخبر كي بي سي» لا تملك في سجلها التجاري صلاحية إنتاج برامج تلفزيونية، وكان يمكن أن يمر الأمر دون إثارة الانتباه، لكن في خضم الأجواء المشحونة فإن القضية عرفت تطورات غير منتظرة، ووجد بن عيسى نفسه في السجن، ومعه مدير الإنتاج في القناة، وكذا مديرة في وزارة الثقافة وقعت على تراخيص التصوير، ووجدت نفسها في السجن، بسبب عدم تدقيقها في السجل التجاري، لانها تعودت التعامل مع مهدي بن عيسى قبل اندلاع هذه الأزمة.
في المقابل الساحة السياسية لا تقل غليانا، فالحكومة اختارت فترة شهر رمضان التي تعرف عادة ركودا في الحياة السياسية من أجل تمرير مجموعة من القوانين التي وصفت بالمهمة والخطيرة، لأنها تأتي لتضع ضوابط جديدة للممارسة السياسية، وخاصة ما تعلق لقانون واجب التحفظ بالنسبة للعسكريين، الذين سيجدون أنفسهم مستقبلا معاقبين بتنزيل الرتب وحتى السجن، ان انتقدوا مؤسسات الدولة ومسؤوليها، ولو بعد مغادرتهم لمناصبهم وخروجهم إلى التقاعد، وهو قانون أثار الكثير من الجدل، لان المعارضة اعتبرته تضييقا على الحريات، وحرمانا للعسكريين من حقوقهم المدنية، وإيداعهم في سجن الصمت مدى الحياة.
وقد جاء القانون على خلفية خروج عدد من الجنرالات السابقين عن صمتهم بين فترة وأخرى لانتقاد السلطة ومن يسيرون البلاد، وكذا انتقاد قيادة الجيش، وهو السبب الذي أدى إلى اعتقال الجنرال المتقاعد حسين بن حديد وإيداعه الحبس المؤقت منذ أكثر من ثمانية أشهر، بسبب انتقاداته لقائد أركان الجيش وكذا شقيق الرئيس عبد العزيز بوتفليقة ومستشاره، بالاضافة إلى إفشاء بعض المعلومات التي يمكن ان توضع في خانة الأسرار العسكرية.
من جهة أخرى أسال قانون الانتخابات الجديد الكثير من الحبر، فالمعارضة ترفض القانون، معتبرة إياه محاولة لتصفية قانونية للمعارضة السياسية قبل الانتخابات البرلمانية والمحلية المقبلة التي ستشهدها البلاد العام المقبل، لانه يتضمن شروطا القصد منها إقصاء الكثير من الأحزاب المعارضة والمضي في مسعى حصر المشهد السياسي في حزبي السلطة فقط، فهو يشترط حصول أي حزب على نسبة 4 في المئة من الأصوات على الأقل في الانتخابات السابقة للمشاركة في الانتخابات المقبلة، وهو ما رفضته المعارضة، لاعتبارها أن الانتخابات السابقة مزورة ولا يمكن القياس عليها، كما اتهمت السلطة أيضا بالتعجيل في تمرير هذا القانون دون أن يأخذ حقه من النقاش، والعمل على تضييق مساحات الحرية تحضيرا لترتيبات الخلافة، وتنظيم المشهد استعدادا لانتقال السلطة.

الجزائر: معارك الإعلام والسياسة والمال والسلطة في قلب مخاض عسير 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية