«تبرع ولو بجنيه» وإن لم تكن من سكان «الكومباوند»

حجم الخط
7

كعادته يلتقط الريموت كنترول أثناء تناوله طعام الإفطار، بحثاً عن التسلية والمتعة بين قائمة البرامج والمسلسلات العديدة الصاخبة، بفواصل طويلة من الإعلانات المكثفة، التي تترافق والشهر الكريم، والتي طالما تندر على كثرتها واعتبرها الأساس الذي تتخله فواصل من المسلسلات والبرامج الكوميدية غير المضحكة في بعضها ومؤذية في أحيان كثر.
ورغم شكوته وانتقاده لهذا الكم المبالغ فـــيه من الإعلانات إلا أن قوة الواقع والمعلنين فرضوا سطوتهم على المواطن المصري منذ سنوات عديدة، جعلته يرضخ لشروطهم، بل الانغماس والتكيف ليصبح متابعاً جيداً لهذه الإعلانات، يحفظ كلمات أغانيها ويسخر من بعضها، أو مادحاً في البعض الآخر.
وتكمن المفارقة في أن كل هذا الزخم جاء بالتزامن مع حملات مكثفة تبنتها الجهات الإعلانية وربما الإعلامية نفسها ــ بعد أن اختلطت مسارات رأس مال التمويل ــ حملة مفادها «تبرّع ولو بجنيه» التي ترمز في طياتها للعديد من الجهات التي بدأت في اعتماد سياسة التبرعات في تمويل نفسها، وكذلك بزوغ عالم (الكومباوند) ذلك العالم الموازي لحمى العشوائيات والفوضى التي انتابت القاهرة العاصمة، لتجد في الإعلان عن نفسها واستغلال المشاهدات المرتفعة خلال رمضان، فرصة عظيمة لضمان انتشارها. إلا أن تسلسلاً جهنميا شاب هذا الإعلان وذاك وزاد من تناقضه فـ»تبرع ولو بجنيه» تتبعها دعوات للإقبال على السكن بالكومباوند، أو انفاق الملايين لقضاء بضعة أيام بأحد الشاليهات، ذلك في بلد تخطت مباني العشوائيات فيها نسب خطيرة، والإحصائيات تكشف عن 17 مليون شخص موزعين بينها وبين المقابر. ذلك التسلسل خلق على شاشة التلفزيون حالة عبثية ساخرة، نتجت عن التواتر غير المقصود، والمتمثلة في العرض أثناء ما يُطلق عليه في فن الإعلان أوقات الذروة، والحصول على أعلى نِسب المشاهدة.
وبالنظر إلى الإحصائيات نجد أن ميزانية الإعلانات الرمضانية للعام الحالي في مصر بلغت ملياراً و200 مليون جنيه، في ما تتراوح سعر الدقيقة الإعلانية في القنوات المصرية ما بين 150 إلى 75 ألف جنيه، البذخ الإعلاني وصل أوجه فى بعض الإعلانات التي تصل تكلفتها إلى عشرات الملايين، وخلال العام الماضي أكدت الجمعية المصرية لحماية المستهلك في تقريرها السنوي ارتفاع الإنفاق على الإعلانات التلفزيونية بنسبة 62٪ عن إعلانات رمضان العام السابق له، منتقده طول الفواصل الإعلانية وزيادتها على مُدد بث المواد الإعلامية التي وصلت نسبتها إلى 60٪ مقابل 40٪ مادة إعلامية، في ما بدا العام الحالي أكثر زخماً وكثافة.
أشارت الأرقام أيضاً إلى الزيادة المرعبة في عدد الإعلانات الداعية إلى التبرع للفقراء ولعلاج المرضى، فوصلت هذا العام إلى ما يقارب 30٪ من محتوى الإعلان. الأمر الذي يطرح سؤالاً حول الوجــــــود الحقيقي للحكومات، خاصة بعد أن تخطى الحال الحدود المســــموحة، فالتـــبرعات لم تعد قاصرة على المرضى فقــــط، وإنما امتدت لتشــــمل الغارمين والجوعى وسكان العشوائيات، وأخيراً المرافق الحيوية والأساسية في المناطق المحرومة منها. فهل تتخلى الدولة عن مسؤولياتها لصالح فكرة التكافل الاجتماعي، على نحو مُعلن لتسير على خطى سوق حرة متوحشة بدرجة لا تسمح لها برعاية مواطنيها، وأن عليهم التكفل ببعضهم بعضا؟
وفيما تتصارع المستشفيات والجمعيات الخيرية على جذب المشاهد للتبرع، لتتحول تلك الإعلانات لنوع جديد من التسول على الهواء، بحسب تعليقات الكثير من المتابعين، فإن الأمر لا يجد قبولاً وتأثراً كبيراً، كما كان الحال من قبل، نظرا لتزايد نسبة إعلانات الكومباوند والمنتجـــعات الســـياحية وغيرها من إعلانات الطبقات الغنية وصفوة المجتمع، وهو ما خلق نوعاً من التناقض رفضـــه المشاهد نفسياً وأثار حفيظته.
هذا الفصام يجسده أيضاً أن هذه الإعلانات تقوم ببطولتها مجموعة من الشخصيات الفنية والإعلامية والرياضية، بل والسياسية والدينية المعروفة، والتقارير الصحافية تتحدث عن أجور خيالية، حتى أن تكلفة إنتاج أحد الإعلانات قد وصل إلى 60 مليون جنيه، بعد الاستعانة بـ11 نجماً من الفئة الأولى في مصر والوطن العربي لتنفيذ إعلانها، في ما تستقطع بعض الجهات الخيرية من دخولها المعتمدة على التبرع بالأساس لتمويل إعلاناتها، مما حدا بالبعض إلى التشكيك في جدوى التبرع وأوجه صرفه، هذه الإعلانات التي تطالب فقراء البلاد بالتبرع للطبقات الأكثر فقراً وعجزاً عن الاستمرار في الطفو على سطح الحياة.
وظهر هذا التناقض أو حالة الفصام الاجتماعي عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فالبعض دعا الدولة إلى تحمل مسؤولياتها من جهة، وكذلك الميزانية المبالغ فيها لتلك الإعلانات وترسيخها لواقع طبقي جديد فرضته حالة تفتت الطبقة المتوسطة ومعاناتها المستمرة، ليصبح التنازع بين طبقتين فقط لا غير. أحد المغردين واسمه مايكل أيمن وعبر هاشتاغ «رأيك في الإعلانات» لخص الأمر بقوله «البلد دي زرعت في الناس حقدا طبقيا»، وهناك المغرد سيد إبراهيم، الذي رأى في إعلانات رمضان «الشيء ونقيضه.. قرى سياحية ومنتجعات ومستشفيات وجمعيات خيرية عايزه تبرعات والشعب بيتفرج على الاتنين ومش معاه يصيف ولامعاه يتبرع»، أما المغرد (يتيم) فانتهى إلى أن «الدولة تتسول من الشعب الميت».

٭ كاتبة من مصر

«تبرع ولو بجنيه» وإن لم تكن من سكان «الكومباوند»

أسماء كامل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية