رواية «المغاربة» لعبد الكريم جويطي: التاريخ أفقـا تخييليـا

حجم الخط
0

كشف الشاعر والروائي ووزير الثقافة المغربي الأسبق محمد الأشعري، من خلال قراءته التحليلية والنقدية لرواية «المغاربة» للروائي عبد الكريم الجويطي، عن تفاصيل دقيقة وجوانب تستحضر التشخيص السوسيولوجي والأنثربولوجي والتاريخي، وتعاقب الأزمنة وصراع الأجيال ومسألة الهوية والثابت والمتحول في صيرورة الوقائع والشخوص، وغيرها من التقييمات التي جعلت من الرواية عنصر تشويق وإثارة، للوقوف على جوانب مهمة من تاريخ المغاربة.
يؤكد الأشعري أن هذا النص الجديد محكم البناء ومتعدد الأبعاد في شخصياته وعوالمه ولغته، جاء بعد سنوات من صدور رواية «كتيبة الخراب» للكاتب الجويطي، ليضيف إلى المتن الروائي المغربي تجربة ثرية ناضجة وممتعة، تستند إلى رؤية فنية عميقة، وإلى جهد صبور في تشييد معرفة دقيقة بالتاريخ والمجال، وضعها المؤلف رهن إشارة كتابة تجمع بين الحكي والتأمل والغنائية والتحليل السوسيولوجي، بدون أن تتنازل عن توترها الذي يجعل الكاتب طرفا في كل تفاصيل الرواية.
ويتابع الأشعري قائلا إنه منذ الوهلة الأولى يضعنا عنوان الرواية في مهب أسئلة متضاربة: كيف يمكن لنص روائي أن يحيط بكل هذا الإطلاق والوثوقية بشعب كامل يجر خلفه قروناً من الوجود الجلي والخفي؟ هل سنلتقي في الرواية بكل المغاربة أم ببعضهم أم بملامح ينوب بعضها عن بعض؟ وهل المغاربة في هذا السياق هم «ألْ» ـ مغاربة» أي نمط محدد من الجنس البشري، جسد واحد معروف ومعرف لا يقبل التجزئة؟ أم هم مغاربة متعددون ومختلفون لا يمكن جمعهم في تعريف حاسم؟ وماذا سيحدث لنا بعد قراءة الرواية، هل سنفهم اللغز الذي اسمه المغاربة، أم هل سنعثر على لغز آخر أشد تعقيداً؟ هل هناك في تاريخنا البعيد والقريب تفاصيل لا غنى عنها لمعرفة من نحن وما معنى ما نحن عليه؟ هل هناك في أصل الرواية رواية «كامنة» تنير طريق الرواية؟ وهل الكتابة في «المغاربة» هي من أَجل تبديد الغموض حول هذا «الجوهر»، أم من أجل تشييد غموض يذهب بالتجريد إلى مداه، أي من أجل اقتناص «التاريخ اللاَّمرئي» الذي يتألف منهُ جوهر المغاربة؟
هذه الأسئلة وغيرها تتناسل لدينا حتى قبل أن نفتح الرواية، متواشجة مَع سؤال محير: مَا معنى الحاجة اليوم إلى «قلق روائي» حول المغاربة؟ هل المغاربة يضعون اليوم سؤالاً عن أنفسهم: من هم، وَمَا هو الوجه، ومَا هو القناع في وجودهم؟
في كتابه العميق والممتع: «متاهة العزلة أو في نقد الهرم»، يعتبر أوكتافيو باث الذي كرس كتابه لمحاولة سبر أغوار «المكسيكي»، أن من الأشياء العميقة الدلالة، الإلحاح الذي تعود به الشعوب في بعض المراحل من تاريخها، إلى نفسها، وتبدأ في طرح الأسئلة.. فالانتباه إلى التاريخ يعني الوعي بخصوصيتنا، وهو لحظة توقف وتفكير قبل الانتقال إلى مرحلة الفِعل… عندما نحلم بأننا نحلم، فمعنى ذلك أن لحظة الإفاقة قد أصبحت وشيكة كما يقول «نوفاليس».
لاَ شك أن هذا الإلحاح لم يكن غائباً عن عبد الكريم جويطي الشغوف بالتاريخ، يقرؤه كعمل تخييلي تتعاون فيه الاحتمالات الممكنة والمستحيلة على تَشييد «نص صامت». ذلك أن حروب القبائل وتيهها المجالي، وانبثاق الدول وانهيارها، وظهور مدن واختفاءها كل ذلك يُساهم بدرجات متفاوتة في بناء «مَا نحن عليه»، ولكنه أيضاً يخلف «نصا» لا يفصح عن نفسه بتاريخ الأحداث والمصائر، بل بذلك التماس المستمر بين الحقيقة والخيال. لذلك فإن استراتيجية الروائي تنبني على تتبع نصين: نص صاخب تقوله حياة المدينة وشخصياتها الحاضرة، ونص صامت تقوله الأصوات الغائبة.
في المدينة بؤر حكائية متعددة يكاد لا يجمع بينها شيء في الظاهر سِوى الفضاء المشترك. ولكنها في الواقع شبكة من الحكايات يضيء بضعها بعضا، وتلعب كل واحدة منها دور مَرْصد نتتبع منه تحولات السرد، وتنامي الشخصيات.
1 – في الرواية (وخارجها) يقودنا الراوي الأعمى، نتبع عماه، من العتمات الأولى حتى انبثاق فجر الحكاية. الأعمى يرى بعين الحكي مَا يريد أن نراه، ويختبئ في تفاصيل سيرته حتى نفقد الوِجْهة، ونسقط في المتاهة التي يجعلها «ميثاق قراءة» بيننا وبينه، لا نغادرها منذ الاستفاقة المضطربة على سرير مستشفى، حتى إغلاق الرواية على «الواقعة» أو على صبح الأعمى، أي على آخر فصل من فصول العنف والعبث والخدعة التي كانت كلها حلقات متماسكة داخل المتاهة.
2 ـ في بؤرة ثانية للحكي، نَتَبين على مهل انبثاق شخصية العسكري. كما تنبثق ملامح مشوشة من ضباب كثيف. عائد من الحرب، ومقيم فيها إلى الأبد. نتبين عطب القذيفة التي ذهبت بساقه، ولكننا ندرك أن ذلك ليس عطبه. في روحه شظية ما تزال، لَم يستطع الأطباء انتزاعها، يحمل معه «حديقة البوكمازي» التي أراد جندي مجهول أن يروض بها الجحيم، لا شَيْء بقي من الحرب، لا الأسماء ولا الحدائق المهربة ولا المدافن التي ابتلعتها جنازات سرية في جوف الليل.
3 ـ وفي بؤرة ثَالثة، يأخذنا الباشا سليل سلطة قديمة ولقاح سلطة مقبلة. في زوبعة «النشوء والارتقاء» التي تزف الحاكم إلى تاريخه الشخصي تاريخ القبلية والنفوذ والثروة. تاريخ الأمكنة الهاربة والتحولات التي تحيل كل شيء إلى رماد، ثم تخرج فينقاً جديداً من الرماد نفسه. الباشا شخص واحد، وسلالة متعددة، أفول سطوة غامضة، وانبثاقها من حيث لا نحتسب، أي من تلاقح استيهامات مجنونة تجمع في «سهرة العميان» غناء الشرق وغارات القبيلة، و»استشراق» بنت الجنرال الفرنسي.
4 ـ في بؤرة رابعة، تتحول المدينة باكتشاف غامض إلى تجمع هائل لجماجم تخرج من تحت الأرض، جماجم بلا هياكل مكتملة أو ناقصة تدل على مرور أجساد من هذه الحكاية، جماجم تقول بأعدادها وهوياتها المجهولة تراجيديا بلا إسم هي الأخرى، يتولى مسرحتها خبيران يتحولان أثناء ترقيم الجماجم وترتيبها إلى هاملت وهوراشيو يرتجــــلان مشهداً شكسبيرياً «للسيطرة على الموضــوع»، الجماجم قصة قديمة جداً أو حديثة جداً، نتاج حرب ضروس، أو مذبحة جماعية. الأعمى والعسكري يسهران في خيمة الخبراء، كل منهما يضع في الجماجم المتراكبة «كأكوام الدلاح» بعضاً من أركيولوجيته الأليمة، لا ينتظران شيئاً من التقرير الذي تتلهى به المدينة، كأن خيمة الجماجم «سيرك» جديد حط رِحاله بأبهائها الخاوية…
5 ـ ثم أخيراً قصة العشق الذي يزف للأعمى دعابة قاتلة، ها هي قصة حب بين الأعمى وجارته تورق أخيراً وتسمح بعودة حديقة البوكمازي إلى الرواية، ها هو شيء يانع يبزغ في صحراء المدينة وفي عتمات الدواخل، ثم ها هو الأعمى العاشق يقع على صنوه، على الند والشبيه والقناع والذئب المخاتل الذي يقود «ظله» الأعمى إلى مكان مقفر ويضع يده في يد الجَنَّة السراب.. ها هو الحب الذي كان يمكن أن ينقذ شيئاً يتحول إلى»مقلب»، ثم إلى ما يشبه حادثة سير حمقاء.
حول هذه البؤر المتواشجة والمتباعدة تتناسل محكيات صغرى يتخذها الكاتب وسيلة لتجميع ما تناثر من المحكيات الأصل، ووضعها من جديد في سياق الرواية، كأنه لا يريد إضاعة شيء مما حشده لبناء النص، التاريخ والوجوه والمشاهدات وأساطير المدينة.
في الختام يشير محمد الأشعري إلى كون الرواية تقفل أبوابها على مشهد عنيف وعابث ودموي بين شخصين أعميَيْن يهرب أحدهما بعشيقة غير مرئية، ويطارد الآخر مغتصباً غير مرئي. كأن هذا النِّزَال الأسطوري بين وحشين هو الخيط الذي تقترحه الرواية لنخيط به بؤر الحكاية بعضها إلى بعض.
تقوم الكتابة في رواية المغاربة يضيف الأشعري في البداية على تقاطع نصين. نص المدينة الناطق، الضاج بحكاياته وذاكرته وأمكنته.
والحافل بالتاريخ الشخصي (موت الجد، سيرة الأب، السلالة، الأرض، الأشجار، الكتب إلخ) وبالتاريخ العام (كتاب السلطة، كتاب القبيلة، كتاب الحرب، كتاب التراث الديني والثقــــافي إلخ)، ونص المجال الصامت، المنسي. النص الذي لا تقود إليه القراءة المعرفية، بل نوع من «التنقيب عن الآلام» نعثر على ذلك في استحضار كتابات ذات بعد شعري عميق «لبيسوا وميخائيل لوكونين» وغيرهما، ونعثر عليه في الشذرات والنصوص المنفلتة وأخبار الأولياء والصالحين، أو مَا سماه عبد الكريم جويطي بـ»هذيانات مغربية»، التي سنفهم في منعرج من منعرجات الرواية أنها جُمَاع ما كان يدونه العسكري من قراءاته المختلفة، في محاولة منه لإضاءة محنته «بهذيان الآخرين». كما سنفهم عند التأمل أن الرواية قد بنيت على تقابل محكم بين «تشذير» الحكاية، وبين بث شذرات من «هذيانات» مختلفة داخل المتن الحكائي وحوله. هل هو اختيار فني أملته رؤية الكاتب للرواية كعمل قائم أساساً على التشظي؟ (في النص يورد الكاتب مديحاً مستفيضاً للشذرة كأسلوب رباني!) أم أن «المغاربة» ما كانوا ليلتئموا في نص واحد لولا تصيدهم من «الليل البهيم» أو من عمى التاريخ شذرات تجعلهم احتمالاً واحداً من احتمالات شتى.

٭ كاتب صحافي من المغرب

 

رواية «المغاربة» لعبد الكريم جويطي: التاريخ أفقـا تخييليـا

محمد باهي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية