تندرج العمليات الإرهابية التّي عرفها مطار أتاتورك الدولي بإسطنبول في ظرف معقد بلغته توازنات إقليمية ودولية، زاد من تعقيده فواعل وقضايا محلية قديمة متجدّدة أخذت بُعدا إقليميا أكثر من السابق ونعني بها كلا من القضية الكردية، بالإضافة إلى صعود نجم تنظيم الدولة المسمى بداعش منذ سنة 2014 كتنظيم لا مركزي بلغت عملياته الإرهابية أوروبا الغربية، وهو التنظيم أُثيرت حوله شبهات عديدة من طرف كتّاب غربيين.
لن تكون علميات المطار شبيهة من حيث الأثر بسابقاتها (سبع عمليات شهدتها تركيا إلى الآن في ظرف عام واحد)، كما أنّها لم تكن مشابهة لها أيضا من حيث الظرف والتوقيت بالضبط، لقد جاءت هذه العمليات الإرهابية بعد ثلاثة أحداث مهمة أولها إعادة تطبيع العلاقات التركية – الإسرائيلية، ثانيا، تعبير الرئيس التركي أردوغان لعائلة الطيار الروسي عن إعتذاره والذّي قُتل أثناء عملية إسقاط طائرة السوخوي الروسية من طرف المقاتلات التركية تشرين الثاني/نوفمبر الماضي بعد إختراقها للأجواء الإقليمية التركية وإعلان الطرفين عن استعدادهما لتطبيع العلاقات بينهما، ثالثا، خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي بعد استفتاء شعبي جعل من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يلمح بإجراء استفتاء شعبي مماثل يخيّر الشعب التركي بين الاستمرار في مفاوضات الإنضمام من عدمها بعد نفاد صبر الأتراك من التماطل الغربي المتعمد تجاههم.. فهل كان توقيت تفجيرات المطار محض صدفة وما علاقته بالتحليل الإقليمي؟ لكن السؤال الأهم يظل «جنائياً» بطبيعة الحال، فمن هو المستفيد من هذه التفجيرات في هذا الوضع الإقليمي المتأزم؟
لم تتبن أيّة جهة هذه العملية، وقد حصرت التخمينات التركية طرفين مشتبهين، البي كاكا وتنظيم داعش مع ترجيح الأخير لا سيما مع تكشف الحقائق وهوية وجنسية المنفذين الانتحاريين، قد تكون العملية من تنظيم خلايا نائمة لداعش في تركيا. لكن كيف سيستفيد تنظيم الدولة من ذلك؟ لا توجد فائدة من ذلك تعود على داعش مباشرة في الشام أو العراق، لذا يقودنا ذلك إلى افتراض أنّ تلك الخلايا في الخارج تتحرك بإيحاء ودفع جهات استخباراتية معينة تستفيد دولها من هذه العملية وتخترق هذا التنظيم بقوة، والأكثر استفادة منها في نظرنا كل من «إسرائيل» والولايات المتحدة الأمريكية، فأخبار انفراج العلاقات التركية-الإسرائيلية من جديد أثارت موجة انتقادات عربية شعبية عارمة لن تضمن معها “إسرائيل” نجاح هذه الخطوة على المدى القريب، وبعد هذه الهجمات سيتفهم العربُ حديث الأتراك عن ضرورة تطبيعهم لهذه العلاقات مع «إسرائيل»، وستلعب هذه الهجمات دورها في إعادة التعاطف العربي على ما كان عليه مع تركيا المسلمة.
تستفيد الولايات المتحدة الأمريكية في الجهة الأخرى من العملية إذا زعمنا أنّها تريد أن تضمن عدم تطور أكبر للعلاقات التركية- الروسية على حساب المصالح الأمريكية في المنطقة، إذ يلوح في الأفق عودة العلاقات بين البلدين إلى وضعها الطبيعي، بعدما أدرك الأتراك أنّهم غير قادرين على الإعتماد على الأمريكان في حماية أمنهم القومي من أي هجوم روسي محتمل، كما أنّ استمرار اضطراب العلاقات مع الروس وحلفائهم الإيرانيين من شأنه أن يُبقي تركيا في حالة عزلة معرضة لعقوبات روسية تضعف من قوتها على المدى المتوسط والبعيد في الوقت الذّي يدير فيه الأوروبيون ظهورهم للأتراك بغلقهم عضوية النادي الأوروبي أمامهم، لذا فهم بحاجة دوما إلى تذكير الأتراك عبر رسائل مختلفة الشكل أنّهم محدودو الإرادة السياسية وأنّهم في حاجة دائمة للحليف الأمريكي التقليدي إذا أرادوا أن تبقى تركيا بلدا مزدهرا من الناحية الإقتصادية وقِبلةً للسياح عبر العالم، وأنّ الوقت لا يزال مبكرا جدّا على الأتراك ليفكروا في بدائل جيوبوليتيكية جديدة.
تبدو نزعة «نظرية المؤامرة» غالبة على هذا التحليل وقد يرد بهذا الانتقاد كثيرون على اتهام كل من «إسرائيل» وواشنطن بتدبير أو تسهيل وصول وتنفيذ الانتحاريين لعمليتهم الآثمة، لكن واشنطن حذرت رعاياها من عمل إرهابي في واشنطن قبل أيام من حدوث الهجوم، وحتى المخابرات التركية أبلغت أجهزة الأمن التركي الداخلية باحتمال وقوع مثل هذا الهجوم على المطار، في ظل الانفتاح التركي على تحسين علاقاتها مع خصومها القدامى، فلكل من تل أبيب ووشنطن مصالح متعارضة في الظاهر، ولكنها متوافقة في النهاية على القيام بعمل إرهابي، يكسب تركيا تعاطف العرب وجيرانها واوروبا بعد التطبيع مع تل أبيب من جهة، ويحذرها من جهة أخرى من عواقب الانضمام الى الحلف الروسي على حساب حلفها القديم مع الولايات المتحدة، ولذلك كانت جنسية المنفذين (المرتزقة) ينتمون إلى الاتحاد الروسي أو على الاقل.. ناطقين بلغة الروس ومصالحهم ضماناً لرد الفعل التركي في الوقت الراهن!
٭ كاتب وباحث فلسطيني
هشام منوّر