ليس من السهولة كتابة رواية في سن السابعة والسبعين، حتى إن كان الكاتب يمتلك تجربة أكثر من نصف قرن من الخبرة الأدبية في مجال الكتابة، لكن مع ماركيز يبدو الموضوع مثل نزهة أدبية، كما في روايته «ذاكرة غانياتي الحزينات» التي كتبها عام 2004 في عقده الثامن، تبدأ الرواية في سن يكون فيها كل البشر المهددين بالفناء وليس «فانين» توكيداً/قد ماتوا..». الرواية نص أراد له ماركيز أن يكون خاتمة تستحق أن تُذكر، لرجل كان على مشارف المئة عام من سني حياته، بتجربة حسيّة، من وحي إلهام غير مسبوق، يجابه بها لحظة مفارقة الحياة، فإذا بها تتحول إلى ذاكرة موغلة في القدم، لحياة مفعمة بالموسيقى والأدب والجنس والفنون والصحافة والتجربة الخصبة.
في اقتباسة صغيرة لسيرته الذاتية المعنونة «عشت لأروي» كتب ماركيز: الحياة ليست ما يعيشه أحدنا، وإنما هيّ ما يتذكره، وكيف يتذكره ليرويه. فالمسألة عند ماركيز ليست في الحقبة الزمنية التي يعيشها الإنسان وعدد سنينه، بل في الكيفية التي يعيش بها البشر، تلك السنين، ومن ثم في ما يتركه لنا ذلك الزمن لنتذكره. والطريقة التي ستروى بها تلك الذكريات، والطريقة هنا هيّ بالتأكيد/الأسلوب الأدبي «Style» الذي يختاره الكاتب في تدوين السيرة الذاتية، كنص (سيروائي)، أو سيرة ذاتية كاملة أو مجزأة، وببساطة سردية يدون ماركيز نصه السردي «ذاكرة غانياتي الحزينات» بلسان الراوي أو السارد العليم الذي يمتلك كل مقومات السرد: الحدث ـ الزمن ـ المكان ـ الشخصيات.
الحدث هنا هو محاولة إقامة علاقة مع فتاة عذراء يختم بها قحط سنينه القاحلة منذ عقود، «تكريم ذكراي بليلة ماجنة». والصدفة وحدها تقوده إلى «ديلغادينا» ذات الأربعة عشر ربيعاً والتي ستكون «حب حياتي الأول، وأنا في التسعين».
أما الزمن هنا فهو مجموعة محطات، كان لكل محطة منها وجهة مغايرة للأخرى فهناك الزمن الأسري، والزمن الإعلامي أو المهني، والزمن الجنسي، والزمن العام، بالإضافة إلى الزمن الداخلي للنص السردي، الذي هو زمن الكاتب/السارد. في صنع نص سردي، من توليفة زمن دلالي/ وظيفي كما يصفه بارت. يبدأ عشية احتفال البطل بعامه التسعين. وبالتالي فهذا النص هو رواية في فلسفة الزمن، أو إعادة صياغته بطريقة فلسفية، حين يسمو الفكر فوق الشكليات. ولم يعد لحساب السنين ما يرعب، إلا عندما يتوقف في لحظته الحاسمة، «فالسن الوحيدة الحاسمة هي الموت».
أما غير ذلك فإن الحياة بما يمتلكه الجسد من طاقة كيميائية، وما يمكن تسميته استعدادا بيولوجيا عضويا، تأخذ على عاتقها مسؤولية التعامل مع الوقائع اليومية، بما يتناسب مع حجم الطاقة التي يمتلكها الجسد نفسه، «لم أفكر قط في السن على أنها ثقب في السقف يقطر الماء منه، لينبه أحدنا إلى كمية الحياة الآخذة بالتبقي له». ربما هيّ لعبة ابتكرها رجل يعيش وحيداً بلا أسرة، بلا كلاب، بلا طيور، إلا من ظل خادمة، كانت عشيقة ذات يوم. حرصت على أن تتفقده كل أسبوع بعد أن هرمت وفقدت صحتها وعقلها.
في هذا النص القصير يهيمن صوت السارد العليم، بضمير المتكلم، الذي لم يفصح عن اسمه، بل ترك لنفسه العنان في إدارة نصه السردي وحبكته الرئيسية، وهيّ المستويات التي تدرجت بها تلك العلاقة، من رغبة حسية إلى متلازمة نفسية أمست تشاطر البطل تفاصيل حياته اليومية، بلغة سحرية تضمنتها الكثير من الشذرات الفنتازية، التي حرص الروائي على أن يضعها بين فصول النص، بدون المساس ببنيته الفنية، «ولم يكن غريبا عندئذ أن تتيح لنا هبات كانون الأول العثور على أصدقائنا المبعثرين في مواخير نائية من خلال أصواتهم». فيما كان إنجازه المهم في هذا النص هو آلية الاقتصاد في صياغة المعنى بجمل قصيرة مكثفة «. «منذ ذلك الحين، بدأت أقيس الحياة بالعقود وليس بالسنين، فخمسينياتي كانت حاسمة، لأنني وعيت فيها أن الجميع تقريبًا، أصغر مني سنًا، وسنوات ستينيات حياتي كانت الأكثر زخما بسبب شكوكي بأنه لم يبق لي متسع من الوقت للخطأ. وكانت سنوات السبعينيات مرهوبة بسبب خوفي من أن تكون الأخيرة. ومع ذلك عندما استيقظت حيًا في صباح اليوم الأول من سنوات تسعينياتي في سرير ديلغادينا السعيد، اخترقتني الفكرة السارة بأن الحياة ليست شيئًا يمضي مثل نهر هيراقليط. وإنما فرصة وحيدة لقلبنا على الشواية ومواصلة شوائنا.. لتسعين سنة أخرى». فيما وصف البيت وما يحيطه وما يحتويه بتسعين مفردة.
الرواية موسوعة بيلوغرافيا معرفية في الثقافة الشعبية والمقروءة حيث: ألف ليلة وليلة، والأمير الصغير، وحكايات بيرول، بالإضافة إلى ما تضمنته من أسماء لأغاني ومقطوعات ومعزوفات ورباعيات موسيقية محلية وعالمية.
«ذاكرة غانياتي الحزينات» من الروايات القصيرة التي أراد لها ماركيز أن تكون مسك الختام لحياة غنية حافلة تركت بصمة كبيرة في عالم الفن والأدب والإنسانية بما قدمه خلال تلك المسيرة التي جاوزت الثمانية عقود.
٭ كاتب عراقي
خضر عواد الخزاعي