جدلية الشورى والديمقراطية في الفكر الإسلامي

حجم الخط
1

لـ«مؤمنون بلا حدود» إصدارات في الفكر الإسلامي المعاصر تمس الشواغل الحديثة للمثقفين والمهتمين بالشأن السياسي العربي بوجه عام. فهذا الموقع الذي يطال اهتمامه كل فروع المعرفة العربية والغربية على حد سواء يسعى إلى إنتاج وتطوير أدبيات في المعرفة تأخذ بالحسبان هاجسين: الأول هاجس القراءة المستنيرة للتراث الإسلامي، والثاني هاجس الاستمداد الأبيستمولوجي من عيون الفلسفات الغربية التي لم تعد حكرا على أهلها وإنما أمدت كل العقول بالمنهجيات اللازمة من أجل مقاربة هذه القضية أو تلك بوعي نقدي وبخلفية أبيستمولوجية صلبة بعيدة عن الراديكالية في افتتانها بالذات أو في ذوبانها في الآخر.
إن المعركة تبدو لنا هي معركة المفاهيم والاصطلاحات، وهذا يتجلى لنا في أحد الملفات الأخيرة التي صدرت في «مؤمنون بلا حدود» والتي تعنى بمسألة مهمة وهي العلاقة بين الشورى والديمقراطية، وقد كان هذا الملف الصادر في فبراير/شباط 2016 فضاء لسجالات وترجمات يرى بعضها أنهما مفهومان متباعدان، مفهوميا وبراغماتيا، فيما يرى البعض الآخر أنهما متداخلان تداخلا لا يحجب التعارض.
وقد عمد الباحثان بسام الجمل وأنس الطريقي إلى تبويب البحوث من خلال البدء بتحديد المفاهيم والتعريفات بدقة رفعا لكل التباس منهجي، ويمكن أن نقول إنهما بوبا الأبحاث الصادرة عن الديمقراطية والشورى من خلال البعد المعجمي، فالمفهومي، فالإنثروبولوجي، فالمقارني. وتتداخل هذه الأبعاد في البحث الواحد سواء انتصر إلى الديمقراطية أو لإبراز الجهود الحديثة من أجل دمقرطة الشورى.
وفي الحديث عنهما يمكن القول أن هناك مبدأين يحكمان علاقتهما: التكامل والتعارض إذ ترى الباحثة نورهان عبدالوهاب أن الديمقراطية في الحضارة الإسلامية لا بد أن تنهض على «العمل على دمقرطة الاجتهاد ومأسسته لتجسير الهوة بين النص الإلهي والفهم البشري». وهي في بحثها تقدم الشواهد في إمكانية توطين الديمقراطية في الفضاء الإسلامي المعاصر وتستوقفها آراء المفكر الإسلامي المعارض فتح الله غولن «في أن الديمقراطية تكون كاملة إذا أفسحت مجالا لحضور البعد الروحاني». وتخلص الباحثة إلى أن جهود المفكرين الإسلاميين تنحو في اتجاه التقارب بين الديمقراطية والشورى بالتأكيد على البعد المؤسسي الذي يجب أن تتصف به الشورى، وليس على البعد الفردي أو النخبوي الذي حكم مساراتها منذ عهد السقيفة. ومهما كان عمق تحليل هذه الباحثة، فإنها في آخر بحثها لا تتراجع عن طرح الأسئلة المحرجة والحاسمة وهي في «التعارض القوي بين المفهومين، وهو تعارض ناشئ بقوة من مصدرية كل منهما، ومن طرائق تفعيلهما على أرض الواقع خاصة أن الشورى مفهوم يطــــبق داخل مفهوم الأمـــة فيما أن الديمقراطية تطبق داخلها وخــارجها على حد سواء.
أن الاسئلة الحارقة والضرورية تجد طريقها في بحث أدريس الكنبوري الذي يعقد المقارنات بين الشورى والديمقراطية بعد أن تستوفي الشورى مقاربتها الفقهية، ولكنه يخلص إلى إعلاء الشورى على الديمقراطية لأن الأولى «نوع من الفضائل الأخلاقية»، فيما الثانية «إجراء سياسي». كما أنه يشير إلى أن «الأولى لا تدخل في الضروريات بل في التحسينات، وهي مزية من الحاكم يمن عليها على الشعب لأنه ليس مطالبا منه مشاورته أصلا، ولكن هذا الباحث سعى في آخر بحثه إلى تكثيف الشواهد التي تجسر الهوة بين المفهومين خاصة في قول الشيخ محمد الغزالي في «أن الديمقراطية رديف للشورى»، أو في أقوال الشيخ حسن الترابي في ممكنات التوافق بينهما.
بقدر ما تتسع المقارنة بين المفهومين بقدر ما يظهر الخلاف بينهما على الصعيد الأبيستمي وعلى الصعيد التطبيقي والإجرائي، ولأجل ذلك تقف هذه الابحاث الجادة في لحظتين الأولى لحظة التناسب والتداخل، وهي لحظة أرساها ـ في ما يبدو ـ محمد إقبال في الأربعينيات من القرن العشرين، ثم وجدت طريقها إلينا عبر ثلاث تجارب تثاقفت مع الغرب وعاشت فيه وخبرت ديمقراطيته، وهي تجارب الشيخ راشد الغنوشي في تونس، والشيخ حسن الترابي في السودان والمعارض الإسلامي التركي فتح الله غولن. وكلهم عاصروا الديمقراطية الغربية وكتبوا عنها ودعوا إلى الاستلهام منها، فالشيخ الغنوشي ـ حسب ورقة الباحث عمار بن حمودة «دعا إلى قبول الديمقراطية ونقدها في الحين ذاته». فيما ضمنت الباحثة نورهان عبدالوهاب قولة لفتح الله غولن «إن الديمقراطية والشورى تتبعان المبدأ نفسه «.
الملاحظ أن هذا الجدل والحجاج عن الشورى والديمقراطية قد انحسرا لدى هؤلاء الشيوخ في المسائل الفنية والإجرائية والبراغماتية إلى حد ما ولم تشأ إدارة الحوار في أمرهما في العمق الفلسفي والنظري وذلك في تقديرنا بحث منهم عن توافقات ـ قد تكون وهمية ـ بين المقولتين / الإشكاليتين. إنهم في كل الأحوال غير مدينين إلى الآراء الجريئة للشيخ علي عبدالرازق في مسألة الخلافة والحكم التي دونها في كتابه المهم «الإسلام وأصول الحكم» ففي هذا الكتاب أرجع مسائل الشورى والحكم «إلى أحكام العقل وتجارب الأمم وقواعد السياسة» وهذا ما أكده الباحث حبيب خدوش حينما قال إن الإسلام هو في الأصل وسيبقى دينا شأنه شأن الأديان السماوية الأخرى. ويقول في هذا الشان قارئا لعلي عبدالرازق «الدين الإسلامي بريء من تلك الخلافة التي يتعارف عليها المسلمون»، وعليه فإن الشورى ليست ملزمة ولا قاعدة مؤكدة ولا حكما فقهيا وإنما «هي نمط حكم توصل إليه المسلمون» مثلما توصلت شعوب أخرى إلى أنظمة أخرى.
إن هذا الكلام الذي ورد معناه على لسان الشيخ علي عبدالرازق ينزل السياسة والشورى منزلتهما من المصالح لا من العقائد، وهذا الموقف ينفرد به هذا المفكر الأزهري إذ أن الأجيال التالية له من المفكرين الإسلاميين قد نظرت إلى الشورى باعتبارها مسألة عقدية لا يجوز مسها أو إحلالها بنية محلها وهذا ما يجعل الشيخ الغنوشي ـ حتى إن بحث عن «الدمقرطة في الفكر الإسلامي» (بحسب عبارة الباحث عبدالله بن حمودة) يعود إلى المربع الأول في الفكر الإسلامي في علوية الشورى على غيرها وفي الاحتفاظ بالأبنية القديمة مثل جماعة الحل والعقد وفي ضبابية الموقف من المرأة ومن المواطنين ممن لا يتبعون الإسلام دينا. فنحن لا نعلم إن نزلنا نظرية الشيخ الغنوشي منزلتها من الواقع، لا نعلم منزلة الأقباط في مصر، إن كان يحق لهم أن يكونوا ضمن «اهل الحل والعقد» وأن يكونوا أهلا للشورى وأن يكونوا أهلا للسلطة والحكم وإن لم يكونوا كذلك فما منزلة مفهوم المواطنة؟ وأليس ذلك هو في الأصل استعادة لمفهوم قديم ومنبوذ وهو «الذمي»؟
إن في فكر الشيخ راشد الغنوشي تثاقفا مع الفكر السياسي الغربي فيما يتصل باسلوب الحكم ومقاصده وليس في فلسفته وخلفيته الأبيستمية من ذلك إيمانه «بحق الأمة في اختيار رئيسها»، مثلما يجوز لها أن تراقب الأداء السياسي لحكامها بكل الطرائق فتعزلهم أو تعزز من مكانتهم، وهذا ما جعل الباحث إدريس الكنبوري يرى في أفكار الشيخ ونظريته عن الخلافة والشورى وأهل الحل والعقد مجرد إسقاط للبنيات الإسلامية على المفاهيم الحديثة»، ما جعل نظريته لا تخرج «عن تحويل القيم الدينية إلى مؤسسات سياسية».
إن آراء الغنوشي تبدو أكثر تقدما مقارنة بآراء المودودي وسيد قطب الذي قسم العالم إلى كافر ومؤمن أو جاهلي وإسلامي، إذ نلاحظ حضورا لقواعد المواطنة ولبعض فصول حقوق الإنسان، وعلى أي حال يمكن أن نرجع ذلك إلى فاعلية التثاقف مع الآخر الغربي ويرى الباحث عمار بن حمودة أن تفكير الشيخ قائم «على قبول الديمقراطية ونقدها في الآن ذاته»، وعلى «البحث في خزينة التراث عن أشكال سياسية تحاكي الديمقراطية»، فالعودة إلى المربع الأول هو الذي يحكم تفكير الشيخ على الرغم من الإشارات العديدة في ممكنات استيعاب الديمقراطية الغربية. إن الباحثين البارزين إدريس الكنبوري وأنس الطريقي ينفيان مراكبة الديمقراطية على الشورى ويرى أنس الطريقي أن الشورى هي «حنين إلى الماضي والى استبقاء لنمط ولى من الوجود»، فيما يرى الكنبوري أن الشورى ـ على خلاف الديمقراطية ـ ليست «نظاما مؤسسيا له ضوابط محددة يمكن التحاكم اليها»، فيما كان مسعى الشيخ الغنوشي لدى الحسين خدوش قائما «على مأسسة الشورى» وإخراجها من سياقها المزاجي والمشخصن.
لا ينفي الباحثون أن آراء الترابي والغنوشي أكثر حداثة وتنويرا من المودودي وسيد قطب ممن كانت الديمقراطية لديه كفرا بواحا وخروجا عن الدين والملة، ولكن ما يلاحظ أيضا أن نظريتيهما في الحكم والشورى لا تتصل بسبب مع آراء الشيخ على عبدالرازق الذي كان أول من انشأ القطيعة الأبيستمية في صلب نظرية الحكم في الإسلام، ولكن نظريته التقدمية تلك لم يتلقفها الإسلام السياسي وإنما شقت طريقها إلى أبحاث المفكرين مثل الجابري الذي بحسب الباحث الحبيب خدوش» قد استعاد طروحات الشيخ علي عبدالرازق من منظور اكثر تنويرية وحداثة وضمن فلسفة القطيعة الابيستمولوجية مع الشورى ومع وهم التوفيق بينها وبين الديمقراطية .
هناك أزمة حقيقية بين تراث هذا الشيخ الأزهري السابق لعصره وبين الإسلام السياسي الباحث عن توافقات ومطابقات والعاجز عن محاكمة ذاته. إن هذا العجز جعل من الارتداد إلى الماضي ارتدادا حاملا معه (مع الأسف) وعيد العنف في تطبيق الإسلام السياسي لذاته ولرؤيته السياسية للحكم ومحييا للصورة المثالية للزعيم في المتخيل الإسلامي، فهذا الزعيم لا يمكن أن يأتي بالاقتراع العام وبالانتخاب المباشر وخلافهما وإنما لكونه زعيما ملهما، وقائدا فذا، ورجلا حكيما يستغني عن مشورة الشعب الذين هم الدهماء والعامة والرعاع. وواضح أنه ليس من مهام الشورى أن ترتقي بالوعي السياسي العام، ولا أن تنتج وعيا سياسيا معارضا على عكس الديمقراطية وهذا ما يجعل المنادين بالشورى غير منفصلين عن الأبيستمية القديمة والتي هي غير متجانسة مع فكر حقوق الإنسان ومع التطورات الهائلة التي شهدتها المجتمعات الإسلامية.

٭ ناقد تونسي

جدلية الشورى والديمقراطية في الفكر الإسلامي
البحث عن تنويرية عربية معاصرة
عبدالرزاق القلسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية