احتفالات الفية غرناطة: تكريم للاشعاع الحضاري الاسلامي في الاندلس

حجم الخط
1

غرناطة من محمّد محمّد الخطّابي: تشهد مدينة غرناطة هذه الايام احتفالات كبرى، احتفاء بمرور الف سنة على ظهور وبزوغ هذه المدينة الفيحاء كحاضرة من الحواضرالتاريخية، ومعقل من معاقل العلم والادب والحضارة والعمران والازدهار في العصر الوسيط.
انّها مدينة عريقة في القدم، يرجع تاريخها الى ما قبل التقويم الميلادي، تعاقبت عليها حضارات قديمة متعددة على امتداد التاريخ. الا انّ المؤرخين الثقاة يؤكّدون انّها اكتسبت شخصيتها التاريخية، والحضارية الحقيقية الاصيلة منذ سنة 1013 خاصّة مع مملكة بني زيري، كما انّها عرفت مرحلة اخرى من التالّق والاشعاع والازدهار مع بني الاحمر بدءا من عام 1238، حيث طفق الاشعاع الحضاري للمدينة ينتشر في العالم اجمع .
الاحتفالات بهذه الالفية حتى وان كانت تتمّ استذكارا واستحضارا وتكريما لمختلف الحضارات التي تعاقبت على هذه المدينة منذ العهد الرّوماني البائد بها الى اليوم، الا انّه يتمّ خلال هذه الاحتفالات تسليط الاضواء الكاشفة على وجه الخصوص بنصيب اوفر على حقبة الوجود العربي، والامازيغي الاسلامي بها. ذلك انّه على الرّغم من تعاقب الحضارات المتعددة والمختلفة على هذه المدينة، فانّ الغلبة وقصب السّبق والاشعاع الابرز والاكثر شهرة وازدهارا واهمية وتالّقا يظلّ لقصر الحمراء الذي جعلها تتبوّا منزلة مرموقة، ومكانة عالمية الى جانب باقي المدن والحواضر الاندلسية الاخرى في مراتب التاريخ، وذلك بحكم احتضانها لهذه المعلمة الحضارية والعمرانية الفريدة التي ليس لها نظير .
مدينة الجمال والظلال
المدينة التي يحتفى بها هذه الايام ..حاضرة غرناطة، هي مدينة السّحر والعطر، والجمال والظلال، والانهار الجارية، والاشجار الباسقة والمياه المنسابة، والموسيقى الحالمة، بلد الفلامنكو (الفلاح المنكوب)، والمواويل والاهات ذات النغمات الرّخيمة، التي لا تخفى عن ايّ اذن شرقيّة كانت ام غربيّة، بها يوجد ‘قصر الحمراء’، معلمة حضارية طبّقت شهرتها الافاق، التي اصبحت اليوم من اولى المعالم السياحية، والتاريخية والعمرانية واهمّها في اسبانيا، وتدرّ على الدولة الاسبانية مداخيل طائلة لا حصر لها، انّها تتويج لتطوّر الهندسة المعمارية في الاندلس على عهد بني الاحمر، وهي مدرجة ضمن مواقع التراث العالمي لليونسكو منذ 1984. بغرناطة كذلك، وبمحاذاة قصر الحمراء توجد حدائق ‘جنّة العريف’ (استقرّت هذه الكلمة في اللغة الاسبانية باسم ‘الاريفي’ بمعنى (العريف) او المهندس المعماري او الخبير في شؤون البناء والتشييد والاعمار)، بهذه المدينة كذلك احياء ومناطق وضواح وارباض شهيرة مثل حيّ ‘البشرات’ الذي عرف ثورة الموريسكييّن الذين انتفضوا ضدّ الظلم والعنت، وانتهاك العهود والمواثيق، وحيّ ‘البيّازين’ (مربّو ومروّضو وبائعو طائر الباز)، وهو اليوم من اجمل الاحياء العتيقة في غرناطة.
وحريّ بنا ان نتساءل والحالة هذه، من اين جاء هذا الاشعاع الحضاري الوهّاج الذي طبع وغمر هذه المدينة ومختلف بقاع واصقاع ومدن وحواضر ومناطق وارباض وقرى ومداشر الاندلس..؟ وكيف يرى الكتّاب والمؤرّخون والدّارسون الاسبان هذه التاثيرات والمؤثّرات العميقة الغور، والبعيدة المدى التي تركت بصماتها الواضحة في العديد من المرافق والقطاعات الحيوية الهامّة، من فكر، وادب، وشعر، وتاريخ، وتاليف، وفنون، ولغة، وطبع، وموسيقى وغناء، وطرائق عيش، وترف، ورفاهية، وبناء، وعمران، وزراعة، وفلاحة، وملاحة، وصناعة، وصياغة، وادارة، واقتصاد، وطبخ، وريّ وبستنة، بل وفي مختلف اوجه الحياة الاسبانية بشكل عام التي لا عدّ، ولا حدّ، ولا حصر لها .
في هذا الصدد كان الكاتب الاسباني المعروف ‘انطونيوغالا’ قد اعاد توضيح بعض الحقائق التاريخية حول مدى تاثير الحضارة الاسلامية في الحضارة والنفسية الاسبانية، وقال انه بدون اسلام لا يمكن فهم اسبانيا.
و’انطونيو غالا’ كثيرا ما يتعرّض في احاديثه ومداخلاته، بل وفي كتبه ومؤلفاته شعرا ونثرا الى الوجود العربي والامازيغي في اسبانيا، والاشعاع الحضاري للعرب، وللمسلمين، وللامبراطوريات الامازيغية من (مرابطين وموحّدين) الذي عرفته الاندلس على امتداد التاريخ .
انّه يقول: ‘اذا سئلت ما هي الاندلس..؟ لقلت انها عصيرغازي يساعد على هضم كل ما يُعطى لها حتى لو كان حجرا، فقد مرّت من هنا مختلف الثقافات بكل معارفها وعلومها، الا انّ الثقافة الاسلامية بمختلف مكوّناتها العربية، والامازيغية، واليهودية في اسبانيا كانت من اغنى الثقافات الانسانية تنوّعا وتالقا واشعاعا التي عرفتها شبه الجزيرة الايبيرية في تاريخها الطويل، ممّا جعل من الاندلس بالتالي بحقّ منارة علم، وحضارة، واشعاع، وعرفان، وازدهار .
الاسبانية لغتان
يقول ‘غالا’ بعد الملوك الكاثوليك، جاءت محاكم التفتيش الفظيعة في اعقاب ما سمّي ب :’حروب الاسترداد’ التي كانت في الواقع حروبا للاستعباد والاستبداد، والتي تركت جروحا عميقة في الجسم الاسباني (وهذه الجروح لم تلتئم بعد حتى اليوم) فاسبانيا ظلت هي ذَنَب اوروبا غير المسلوخ، هي اوروبا كذلك، ولكن بطريقة اخرى، فهناك جبال البرانس التي توصد الابواب بيننا وبين العالم الاوروبي، وهناك البحرالابيض المتوسّط من الاسفل، فاسبانيا وكانّها تشكل قدرا جغرافيا، وهي ممرّ اوروبا نحو افريقيا. ولاسبانيا اليوم سفارتان كبيرتان ينبغي لها ان توليهما اهمية خاصة، وعناية فائقة وهما العالم العربي الاسلامي، والعالم الامريكي، فقد اورثها التاريخ هذه المهمّة الصّعبة، وهي (ايّ اسبانيا) اذا لم تضطلع بهذا الدّور فانما تخون نفسها وتخون شعبها.
ويشير ‘غالا’ انّ اللغة بالنسبة له، اساسيّة بل انها هوسه وقدره، وهو يعمل محاطا بالعديد من القواميس، فاللغة الاسبانية في نظره، لغتان او فرعان اثنان، فرع ينحدر من اللغة اللاتينية، وفرع اخر ينحدر من اللغة العربية لدرجة تبعث القشعريرة في الجسم
حقائق مثيرة ومعاني مبهرة
ويشير ‘غالا’: ‘انه خلال قراءاته العديدة، اوعند كتابته لايّ مؤلف جديد حول الحضارة العربيّة، فانّه يكتشف كلّ يوم حقائق مثيرة تدعو للتفكير والتامّل والاعجاب حقا.
فاجمل المعاني والاشياء في اسبانيا جاءت من الحضارة الاسلامية، بل انّ اجمل المهن، واغربها، وادقها، واروعها، وكذلك ميادين تنظيم الادارة، والجيوش، والفلاحة، والملاحة، والطبّ، والاقتصاد، وتصنيف الالوان، والاحجار الكريمة، والمهن المتواضعة، كلّ هذه الاشياء التي نفخر بها نحن اليوم في اسبانيا، تاتي وتنحدر من الاسلام وحضارته، وهذا لم يحدث من باب الصّدفة او الاعتباط، فالمسلمون اقاموا في هذه الدّيار زهاء ثمانية قرون، وظللنا نحن نحاربهم ثمانية قرون لاخراجهم، وطردهم من شبه الجزيرة الايبيرية . فكيف يمكن للمرء ان يحارب نفسه …؟ !
ذلك انّ الاسلام كان قد تغلغل في روح كلّ اسباني، فبدون اسلام لا يمكن فهم اسبانيا، ولا كلّ ما هو اسباني، بل لا يمكننا ان نفهم حتى اللغة الاسبانية ذاتها.’
ويضيف ‘انطونيو غالا’ ان هذه الحقيقة تصدم البعض، الا انّهم اذا اعملوا النظر، وتامّلوا جيّدا في هذا الشان، فلابدّ انّهم سيقبلون هذه الحقيقة، فالبراهين قائمة، والحجج دامغة، في هذا القبيل

حضارة بهرت العالم

ويقول ‘غالا ‘انّ الذي حدث في اسبانيا ليس اكتشافا او استعمارا مثلما هو عليه الشان في امريكا، فالذي حدث هنا كان فتحا ثقافيا جليّا، انه شيء يشبه المعجزة التي تبعث على الاعجاب والانبهار اللذين يغشيان المرء بعد كلّ معجزة، فقد وصل المسلمون الى اسبانيا وهم يحملون معهم ذلك العطر الشرقي العبق الفوّاح الذي كانت الاندلس تعرفه من قبل عن طريق الفينيقيين والاغريق، وصلوا بذلك العطر الشرقي والبيزنطي، ووجدوا في الاندلس ذلك العطر الروماني حيث نتج فيما بعد او انبثق سحر وعطر جديدان لهما طابع اندلسي قحّ بهرا العالم المعروف في ذلك الابّان.
لم يدخل المسلمون شبه الجزيرة الايبيرية بواسطة الحصان وحسب، بل دخلوا فاتحين مكتشفين، ناشرين لاضواء المعرفة، وشعاع العلم، والحكمة، والعرفان، فقد كان كشفا او اكتشافا ثقافيا خالصا.
ويضيف’ غالا’ :هنا يكمن الفرق بين الذي ينبغي لنا ان نضعه في الحسبان للاجابة عن ذلك التساؤل الدّائم: لماذا لم تلتئم القروح، ولم تندمل الجروح بعد في امريكا اللاتينية حتى اليوم..؟ ويتعجّب ‘انطونيو غالا’ من اسبانيا اليوم التي تقف في وجه كلّ ما هو اجنبي وتنبذه، فالشّعب الاسباني تجري في عروقه مختلف الدماء والسّلالات، ومع ذلك تظهر اسبانيا اليوم بمظهرالعنصرية، وتدّعي انها براء من ايّ دم اجنبي.. !.
ويشير ‘غالا’ بسخرية مبطّنة لاذعة الى انّ ايّ اسباني من مملكة قشتالة لم يكن في مقدوره ان يقوم بايّ اعمال يدوية بارعة، كما لم يكن في امكانه زراعة الارض بمهارة، وهذا هو السّبب الذي ادّى او افضى الى اكتشاف امريكا. فجميع هؤلاء الذين لم يكونوا يحبّون القيام بايّ عمل كان عليهم ان يذهبوا وينتشروا في الارض مكتشفين، وكان الاسبانيون شعبا محاربا، فهم يتدرّبون منذ 800 سنة.. ! وكانوا باستمرار ينتظرون الغنائم بعد هذه الحروب الطويلة الضروس، ومن هنا ذهبوا بحثا عن ارض بكر وكانت هذه الارض هي امريكا..!.
ويعتبر ‘غالا’: ‘انّ الكاثوليكية في اسبانيا وفي البلدان التي ‘غزتها’ اتّسمت بالعنف والقهر، والغلظة، والجبروت، والاثرة والكبرياء، ولم تعتبر تلك الشعوب في ذلك الاوان شعوبا ذات قيمة، بعد ان نزعت عن الاسبان كلّ صفة للرّحمة والشفقة، وهكذا اصبحت الكاثوليكية اليوم في هذه الاصقاع من العالم ابعد ما تكون عن رسالة السّيد المسيح المتسامحة’.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية