هل استنفد أردوغان استثماره فينا؟ قراءة محايدة

في التاسع والعشرين من يناير 2009، أنسحب الرئيس التركي الحالي رجب طيب اردوغان من منصة مؤتمر دافوس، احتجاجا على الخطاب الاستفزازي الذي اعتمده رئيس الكيان الصهيوني آنذاك شيمعون بيريس، والتبريرات التي ساقها في موضوع الهجوم على غزة.
وفي جو احتفالي كبير استقبل الآلاف من الاتراك، وقلوب الملايين من العرب الزعيم بطل دافوس. آنذاك كانت الأمة العربية في أوج صدمتها وإحباطها مما حصل في العراق، بينما النظام الرسمي العربي يتفرج على دمائنا التي تسيل غدرانا، فوجدوا فيه بقية نخوة وبصيص أمل ورهان.
تبع ذلك توتر في العلاقات التركية الاسرائيلية عقب هجوم القوات الصهيونية على أسطول الحرية، الذي كان يحمل مساعدات إنسانية إلى أهلنا في غزة في 31 مايو 2010. ولان فلسطين التي انتفض أردوغان من أجلها لا يعلو عليها جرح في ضمائرنا، ولأننا لا نستطيع العيش بدون شخصية رمزية، ولأن الطائفيين منا أرادوه مرشدا أعلى نظيرا للخامنئي، فقد بات هو زعيمنا الأوحد، إلى الحد أن بعض وسائل الإعلام العربية خرجت علينا لتقول، بأن اسم الرجل بات هو الاكثر الذي يسمي القوم به مواليدهم الجدد في وطننا العربي.
ننحني إجلالا لفلسطين التي أرضعتنا أمهاتنا همها، ونقدّس أهلنا فيها الذين لازالوا يدفعون أشقاءنا في سبيلها وسبيلنا وكأنها احتلت البارحة. لكن هل يستحق موقف أردوغان في دافوس كل ذلك الفرح، وموقفه حين أعاد العلاقات مع إسرائيل قبل أسبوعين كل هذه الصدمة؟
كانت تركيا ثاني دولة إسلامية تعترف بإسرائيل بعد إيران، وهي وإسرائيل جزء من تحالف شمال الاطلسي، الذي يشمل الشؤون العسكرية والاستخباراتية والسياسية أيضا. ولإسرائيل أكبر محطة استخبارات على الاراضي التركية لرصد ومتابعة دول الجوار التركي لتأمين أمنها. وللجيشين التركي والاسرائيلي علاقات تدريبية وتسليحية بعيدة المدى وعميقة الجذور، وللأخير مصانع حربية على أراضي تركيا لصيانة دبابات وطائرات الجيش التركي، وعقود ذلك بملايين الدولارات. كما أن الطيارين الاسرائيليين كانوا يتدربون في الاجواء التركية على مدى عقود من السنين. أما في المجال التجاري فإن القطيعة الدبلوماسية التي حدثت بين الطرفين لم تنعكس على العلاقات الاقتصادية، ولم يتراجع حجم التبادل التجاري بينهما. ونود الإشارة هنا، إلى أن الاتراك حاربوا العراق وسوريا في موضوع المياه في ثمانينيات القرن المنصرم، بينما كانوا يبيعون المياه إلى اسرائيل ببالونات بلاستيكية ضخمة عبر البحر. هذه العلاقات الإستراتيجية المتطورة ليست قائمة على أساس آني، بل تحكمها وتطورها رؤية إستراتيجية ترى أن مثلث القوى غير العربية، تركيا وإيران وإسرائيل، يجب أن يبقى هو المتحكّم بالمنطقة العربية، وإسرائيل تعرف جيدا أن تركيا وإيران تحاولان الاستثمار في القضية الفلسطينية، لمجرد جمع أوراق ضغط سياسية عليها، وكل منهما تحاول الحصول على موقع قدم في هذا القطر العربي أو ذاك، لاحراجها في لعبة كسب المواقف، وأن كل ذلك ليس له أي صفة مبدئية حقيقية. تذكروا جيدا أن إيران الاسلامية التي تريد تحرير القدس، كانت في طور التحضير لقصف المفاعل النووي العراقي في الثمانينيات، وعندما علمت من خلال القنوات الاستخباراتية بينهما، بأن أسرائيل جاهزة لفعل ذلك، أعطت لها كل المعلومات المتوفرة عنه في اجتماع سري، وسمحت لطائرات العدو الصهيوني بالهبوط في أراضيها إن اضطرت لذلك أثناء تنفيذ الضربة. «أنظر كتاب التحالف المخادع للكاتبه تريتا بارسيفي». وفي السياق نفسه فإن الطيارين الاسرائيليين الذين كانوا يقصفون أهلنا في غزة، كانت الاجواء التركية هي الساحة التي تدربوا فيها.
إذن نحن أمام ظواهر صوتية إعلامية لا غير، وأحاديث منمقة من المرشد الاعلى السني أردوغان، وخطابات ثورية من المرشد الاعلى الشيعي الخامنئي، الهدف منها مغازلة قلوبنا وعكس الوعي في عقولنا، فكلاهما لم يتجاوزا الخط الاحمر باتجاه المواجهة مع إسرائيل.
لقد حسمت تركيا الاردوغانية وما قبل الاردوغانية، أمر انتمائها في ميزان الاستراتيجيات الدولية بأفعال كثيرة نجدها في تاريخها السياسي، كانت اخرها إعلان قبولها استقبال رادارات الدرع الصاروخي لحلف شمال الاطلسي في الثاني من سبتمبر 2011، وأكدت بذلك انتماءها إلى هذا الحلف وارتباط مصلحتها الإستراتيجية به، وهذا يؤكد أن توتر علاقاتها مع إسرائيل يقع في إطار تقدير سياسي، وليس في إطار عداوة لا تقبل الحل.
في حادث أسطول الحرية خرقت اسرائيل القوانين التركية، وقتلت عشرة من الرعايا الاتراك الذين كانوا موجودين على ظهر السفينة، وهذه كانت نقطة الانطلاق في الازمة، وفي كل ازمة توجد أسباب عرضية وأخرى رئيسية. الاسباب العرضية هي التصرف الاسرائيلي. أما الاسباب الرئيسية فهي أن إسرائيل أصبحت عبئا على العالم وحتى على أمريكا. الامريكان كرروا موقفهم في الخمسينيات، عندما تركوا للاتحاد السوفييتي حرية التصرف لوقف العدوان الاسرائيلي على مصر، وهذه المرة أوعزوا إلى تركيا بحرية التصرف تجاه إسرائيل، فوحّدت تركيا كل القوى المعادية لاسرائيل تحت لوائها، وهزمتها سياسيا على الصعيد العالمي، لكن تبقى العلاقات بينهما وفق ما رسمه لهما حلف شمال الاطلسي، والقائمة في سياق المبالغة بدور إسرائيل الجيوسياسي في استراتيجية الولايات المتحدة المتعلقة بالشرق الاوسط.
واليوم ومع توقيع اتفاقية إعادة تطبيع العلاقات مع اسرائيل فإن تركيا تؤكد مرة اخرى، أن خلافها مع إسرائيل لم يكن مبدئيا بل مصلحيا، فإسرائيل اعتذرت لها عن قتل المواطنين الاتراك، وشرعت ببحث موضوع تقديم التعويضات لذوي ضحايا الحادث، فتراجعت تركيا عن مطالبها السياسية وأبدت استعدادها للتعاون كما سبق، ووضعت شرط رفع الحصار عن غزة وراء ظهرها، بما يؤكد أن ليس له القوة نفسها في ميزان مصلحتها القومية أسوة بالشرطين اللذين تحققا، بينما أعلن المتحدث باسم الرئاسة التركية أن سياسة بلاده تجاه فلسطين لم ولن تتغير، وأن بلاده ستظل تدافع عن حقوق الشعب الفلسطيني في كافة المحافل الدولية، وأن التفاهم الاخير وتطبيع العلاقات لا يعني تغييرا في سياسة أنقرة تجاه القضية الفلسطينية.
إنها صفقة سياسية بين بلدين حليفين حقق كل منهما أهدافه فيها. فتركيا حافظت على حجم التبادل التجاري مع إسرائيل وستزيد منه، خاصة وهي تتطلع لعقد صفقات غاز مع إسرائيل تعطيها خيارات في موضوع تنويع مصادر الطاقة التي تحتاجها، كما أنها ستبعد اليد الاسرائيلية عن مد العون للاكراد الذين تقاتلهم. كذلك الطرف الاسرائيلي هو الاخر حقق ما يريد، بابعاد قادة جيشه من الملاحقات القانونية التي كانت تطالب بها تركيا، التي تنازلت عنها في الاتفاق، إضافة إلى تجفيف منابع الدعم المادي لحماس على الاراضي التركية. فهل من الانصاف أن نطالب أردوغان أن يكون عربيا أكثر من زعمائنا؟

٭ باحث سياسي عراقي

هل استنفد أردوغان استثماره فينا؟ قراءة محايدة

د. مثنى عبدالله

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية