خيال شاعر حداثي «يعمل مناديا للأرواح»

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي» من كمال القاضي: عادة ما ينام قبل أن تكتمل علامة الاستفهام بنقطه ــ يتأمل سقفاً يرتكز على الفراغ المحيط به بلا برواز ــ يوشك أن يكون ذاكرة لضمير الغائب على حائط بعيد… ماذا لو أكملت قدماه خطوه؟
أثناء مشوار للسقوط على عجلات الكرسي المتحرك ـــ يتسع عالم الفم بدون نقصان، بينما تعاقب ليل ونهار في شمعه.
بهذه السطور يستهل الشاعر أشرف يوسف ديوانه الذي جاء عنوانه أغرب من سطوره، حيث سماه «يعمل منادياً للأرواح».
لا يمكن أن نستنتج معنى مما قرأناه غير الدهشة، فهي الانعكاس الوحيد الذي يمكن أن يتبدى في وجوهنا، إذ تأخذنا الصور والخيالات إلى ما هو أبعد من العالم الحداثي الذي قد يُفترض أن الشاعر ينتمي إليه، ومن ثم وبقياس المسافة بين الحداثة المتعارف عليها وبين ما ورد في الديوان يصبح القارئ أيضاً معزولاً عن ذلك العالم الإبداعي الجديد ومغترباً فيه، فإذا انقطع تواصل المعاني وجرت التعبيرات على النحو الغامض المبهم فلا يمكن أن يكون للقارئ حضور مع النص الغارق في الغرائبية والتجريد.
في قصيدة بعنوان «شارلي شابلن» يكتب أشرف يوسف: أود لو أقول كلمه عن اليأس ــ لا أعرف ــ كلمة عن أب وأم في المقابر يحتضنان بعضهما للبكاء ــ لا أعرف ــ أو لو أقول كلمة عن الزمن للباب والنوافذ ــ لا أعرف ــ كلمة عن نفسي ــ أنا خايف.
شطر آخر على التنويع ذاته يجتر فيه الشاعر أحزان الممثل العالمي شارلي شابلن راثياً إياه متخيلاً أمه وأباه وهما يرقدان بجواره يعوضانه عن مأساة عمره الذي أفناه في البحث عن نفسه، ويستلهم أشرف يوسف أو يحاول استلهام أجواء نصه الشعري من معطيات الحياة الخاصة ببطله الافتراضي ومفارقات مشواره الإنساني أو الحياتي، ورغم تحديده للفكرة، إلا أننا نلحظ ذلك الشتات والتشظي والتسطيح مما يُفقد المتلقي التواصل ويحول دون تذوقه للقصيدة أو النص المزعوم.
ولا يقتصر هذا الأمر على نص بعينه أو نصين، بل يكاد يشمل التشويش الديوان كله، غير أن ثمة لغة شعرية لا تخلو من جمال نراها قد برزت كملمح واضح بين السطور تدلل على إمكانية ما يمتلكها الشاعر ربما مكمنها الأساسي في إحساسه وصوره، بغض النظر عن اختلالات التكوين المبني في المطلق، بدون ارتباطات شرطية أو وحدة واحدة للنص.. ويمكن قراءة ما هو مكتوب باعتباره انفعالات يصوغها صاحبها في عبارات وسياقات مدهشه تعطي نكهة القصائد ولا تُعطي معانيها، أي أن كل جملة قائمه بذاتها تحمل خصائصها الجمالية من حيث الشكل فقط بعيداً عن كونها ذات صلة بما قبلها وما بعدها، وبالعودة إلى الشتات أو التشظي نسوق نموذجاً آخر.. بعنوان «قصة الكاميرا» يأتي على هذا النحو «حسب التوقيت المحلي لحكومة أكتوبر 1973 ميلادية ــ رأس الفتى ــ تنطح المعادل الذاتي لخط بارليف ــ بالدم وبرائحة فتاة أفديك يا تراب ــ سكوت ــ 321ــ تك ــ انتهت صورة العالم!
هذه بعض دلائل ما يؤخذ على الكتابة ويفضي إلى فراغ المحتوى الحقيقي للفكرة، فالعلاقة المفترض وجودها بين الفكرة والنص غير متصلة إلا في عقل ووجدان كاتب السطور، فهو وحده من يتوهم أن هناك رابطا يحمل على أطرافه معنى أو دلالة أو إشارة لموضوع، حيث ما يتبدى فيما نسميه بالدهشة ليس سوى جماليات يتزين بها ما هو مكتوب كي يتحقق عنصر الإيهام بفعل الإيقاع والجرس الموسيقي الآتيين من مستوى النظم والمعتمدان على الصنعة وإشكالية التسلط على المتلقي بأدوات التأثير السمعي كالصوت الخفي في العبارة المنمقة الموضوعة داخل سياق غرائبي حداثي مفتعل آخذ في التمادي بلا ضرورة فنية.
أما النموذج الأخير في ديوان «يعمل منادياً للأرواح» فهو ذاك المعنون بهذا العنوان: «بشر يشمرون جفونهم»، إذ يقول شاعرنا أشرف صديق: «أكتاف جنب أكتاف ــ ربطها رجل الدولة في تمثاله منشدة للتمثال ــ عكس ما خمن مثقفو الصالونات والسنوات الكبيسة ــ مشى أبونا الذي في التمثال ولم تكن شمعة تكفي لإحراقه.
كل هذه العلاقات هي معكوسات المرايا التي يرى فيها كاتب السطور أو النصوص أو الأبيات صور عالمه الخاص الذي يسكنه وحدة داخل ما يكتبه وخارجه وهو مستمتع بحالة التماهي في اللاشيء. وأظنها حالة الفصام الإبداعي التي تفصل البعض عن الحقيقي في الكلمة والمعنى والصورة الشعرية البليغة فيتوهم أن الكتابة بالقوة كالكتابة بالفعل، بينما قواعد المنطق تؤكد أن الموجود بالقوة ذلك الموجود كفكرة فقط، في حين أن الموجود بالفعل هو ما نراه ونلمسه ونحسه.

خيال شاعر حداثي «يعمل مناديا للأرواح»

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية