يجمع معظم الدارسين على أن الممارسة الثقافية عملية مستمرة، ودائمة التحول كونها تسعى إلى استثمار وتطويع المعرفة- الخطاب باعتبارهما نسقاً كما يصف معجم النظرية الأدبية، فثمة توجهات مركزية نحو بيان هذه الممارسات، ونقدها، والتي تمثل مركز العمل الخطابي، إذ أن معظمها يتسلل إلى الفعل الإبداعي، إما بوصفها نصاً موصوفاً، وإما بوصفها نصاً يهدف إلى تعرية، ومقاومة المظاهر الاجتماعية باعتبارها نسقاً مجتمعياً، فعلى سبيل المثال هيمنة الرجل على المرأة في المجتمعات، حيث أضحى الحراك الإبداعي النسوي منشغلاً في عملية تعرية هذا النسق، أو مقاومة التكوين النمطي للمرأة بوصفها كائناً سلبياً، صامتاً منكسراً، أو غير فاعل.
وكما يمكن أن نحيل إلى تحولات المجتمعات التي تحرص على صون تكوينها العميق لما يسمى الشخصية الثقافية للأمة، فثمة ذعر من محاولات التخلي عن الموروث، والعادات والقيم، أو كما يخيل للبعض، ولهذا نجد أن المنظور الثقافي يعنى بالحديث عن هذا الجانب كما يذهب الكثير من الدراسات، والمصادر الغربية التي اهتمت بهذا الشأن، وبوجه خاص في توصيف المسالك الثقافية لبعض المجتمعات، ولاسيما البدائية منها. فالثقافة ممارسة تتخلل النشاط الإنساني سواء أكان فرداً أم جماعة، ولكن هذا النشاط يتحول إلى إنتاج، أو تكوين معرفي لغوي، مرمّز، يتمدد في التسنينات الثقافية ليتحول إلى تشكيل فاعل، فالمنتج المعرفي يصوغ تفكيرنا، ومواقفنا، وهو يعبر بصورة، أو بأخرى عن ذواتنا، أو طريقة تفكيرنا تجاه بعض الأمور، فالثقافة تختص بمجموعة ما، أو طبقة، أو عرق، ولكنها مع ذلك ليست عبارة عن قطاعات منفصلة معزولة كما يقول الناقد السعودي عبد الله الغذامي، إنما هي تتقاطع، وتتفاعل في ما بينها، ولهذا؛ فإن الممارسة اللغوية المعرفية، تستوجب في بعض الأحيان فعلاً مضاداً، ومن هنا ينشأ التكوين، أو التسنين الثقافي الذي يعدّ مواجهة ثقافية حضارية، فهدف الدرس الثقافي ليس النص بعينه، إنما الهدف الكشف عن الأنظمة في فعلها الاجتماعي، ومن هنا يأتي مفهوم النسق الثقافي الذي يحيله عبد الله الغذّامي إلى رومان ياكبسون، وعناصره الستة المعروفة، غير أن الغذامي يضيف عنصراً سابعاً، ونعني النسق، أو الطريقة التي يتم فيها الاستقبال.
يبين الغذامي أن النسق يقوم على وظيفة الدلالة النسقية التي ترتبط بعلاقات متشابكة، نشأت مع الزمن لتتحول إلى عنصر ثقافي آخذ في التشكل، وهو أحياناً إما أن يكون ظاهراً، وإما أن يكون كامناً، غير أن أهم ما يميز النسق ما ينهض به من وظيفة، ولكن ليس من حيث وجوده المجرد، فالنقد الثقافي يهدف إلى بيان أثر الثقافة في تمرير أنساقها عبر الحيل الجمالية والبلاغية حيث تشتغل هذه الأنساق بوصفها خطاباً، وهنا تتراجع القيمة المعنوية للمؤلف، لتنوب عنه أنظمة الخطاب، وما يمكن أن يكمن خلفها من بعد مؤسساتي، وتحديداً من حيث قدرتها على تفعيل التأثير اللغوي البلاغي تجاه المتلقي، فالنسق يعمل على أنه عناصر وتمظهرات تتخلل المجتمع باختلاف مستوياته، غير أنها تتميز بقدرتها على تكوين خططها بهدف التورية، والمغالطة،والكشف، والتعمية، إنها نماذج من الخداع الذي يستثمر البلاغي، والجمالي كما المجازي، من هنا فثمة حاجة لتكوين مقاربة نقدية تتسم بتكوينها المفاهيمي المعمّق للكشف عن الطبقات العميقة لهذه النصوص، وما تنطوي عليه من ممارسات ثقافية.
وإذا كان الدرس الثقافي عامة معنياً بالممارسات والمنتجات الثقافية، فإن القصة والرواية والشعر والأدب عامة مما يعد شكلاً من أشكال الثقافة، أي بوصفها مظاهر ثقافية تتأسس على الوظيفة التي سبق أن أشرنا إليها، ضمن سياق المجتمع، والاقتصاد، والسلطة السياسية التي تسهم في تشكيل خاصية ثقافة ما، ومنحها الدلالة، أو المعنى في بعده الاجتماعي كما يـذكر م. إبراهمز في مسرده الخاص بالمصطلحات النقدية. ولبيان القيمة التي ينطوي عليها تحديد الأنساق الثقافية، والكشف عنها في مقاربة النص الأدبي بوجه خاص، لا بد أن نشير إلى ما يوضحه كتاب «Critical Theory Today» عبر الاتكاء على نموذج رواية «غاتسبي العظيم» للكاتب الأمريكي فرانسيس فيتزجيرالد، إذ يمكن أن تقدم لنا هذه الرواية عدداً من المقولات التي تتعلق بالثقافة الأمريكية، والأنساق التي تهيمن عليها، شأنها في ذلك شأن أعمال فوكنر، وشتاينبك، وهمنغواي، وغيرهم. إنها صورة من التكوين الثقافي الذي يتخلل الزمان والمكان، والذي يشكل قيمة موحدة وخاصة، وهي كذلك تعني سلوكاً تجاه بعض القضايا من منظور النقد الثقافي، فقيمة هذا النقد كما يذكر الكتاب تتأتى من تعدد الأوجه، والمسالك التي يمكن من خلالها قراءة النص الأدبي، فقراءة رواية «غاتسبي العظيم»، وغيرها من الأعمال يمكن أن تقارب من وجهة نظر ماركسية، ونسوية، وما بعد كولونيالية، أو حتى في ضوء النقد الأفريقي- الأمريكي، فضلا عن دراسات الجنسانية، والشذوذ، وغير ذلك، وبهذا يمكن أن تعد تلك المنظورات مجتمعة مقاربات ثقافية، التي تهدف إلى الكشف عن الثقافة الأمريكية الخاضعة لأنساق طبقية، وكراهيات، فضلاً عن عنصريات مضمرة، كما يقول لويس تيسون في مصنفه النقدي الهام «النظرية النقدية المعاصرة» .
لا شك بأن كل عمل أدبي يستهدف مقصدية ينشأ عن الرغبة في استثارة وعي المتلقي تجاه ما يتفق عليه بالمضامين التي تتطلب بنية لغوية، أو تشكيلاً لغوياَ فنياً، غير أن الباحث ينبغي أن يتنبه كي لا ينقاد إلى دراسة أو مناقشة المضامين، أو البنى والتشكيلات الفنية، وهذا ما يقع فيه الكثير من النقاد. ما يهم حقيقة في تكوين النسق الثقافي ونقده، تلك العلاقات القائمة على النسقية الثقافية، من منطلق أن الثقافة والمجتمع عنصران تبادليان حيث يؤثر كل منهما في الآخر. فإذ كانت ثمة أنساق ثقافية ظاهرة في القصة، فإن هنالك أنساقاً كامنة، أو مضمرة تتصل بتصورات معينة تجاه بعض المواقف والممارسات الناشئة، وتعبر عن موقف ثقافي ما، ولا سيما في ظل التحولات التي نشأت بفعل حركة الحداثة، و«المدينية»، ودخول المجتمع في حلقات من التغيرات المجتمعية التي تتمخض عن بعض الأنساق الثقافية التي تنطوي على تعارض ما نتيجة اختلاف المنظورات، فعلى سبيل المثال نرى أن الكتابة القصصية الأنثوية (النسوية) أو الليبرالية، تحفل بعمليات تعريض بالأنشطة الذكورية، وممارساتها، علاوة على قيم المجتمع التي تعوق تحررها، وتثمين إنسانيتها، لا ريب أن هنالك نظاماً طباقياً يتمثل بأنساق معرّضة، أو مقوّضة، ولا سيما تلك التي تأتي من لدن الكتابة الذكورية، أو (المحافظة)، خاصة من حيث بيان مخاطر القيم المدينية، أو الحداثة، وهذا ما يمكن أن ننعته بالكتابة المضادة، وتحديداً في ظل وجود الخوف الجمعي من شيوع هيمنة الثقافة الطارئة من الخارج، التي يمكن لها أن تهدد بعض القيم المحلية والموروث، فالمتكلم في السرد كما يذهب باختين فرد اجتماعي، وخطابه لغة اجتماعية، فكلام الشخوص في القصة أو الرواية « ينزع دوما نحو دلالة وانتشار اجتماعيين معينيْن: إنه لغات افتراضية بالقوة كما جاء في كتاب «الخطاب الروائي».
يلاحظ أن بعض الكتاب يشرعون في بيان أنساق التمييز العنصري، وتعريته، أو الطبقي، ولاسيما تلك التي تنتشر في المجتمعات المحافظة التي لم تتعرض لهذا النوع من الخضّات، كما نقرأ في بعض النصوص التي تنحاز إلى إبراز الطبيعة الإنسانية للعمال والخدم والملونين، والمشتتين، والمهاجرين، وغيرهم، حيث نجد أن الأعمال الأدبية تعنى باستثمار الثراء النسقي لهذه التكوينات الثقافية نظراً لطبيعة وتكوين المجتمع الذي يتكئ على أدوراهم الوظيفية، والدلالية والحضارية، والآثار المترتبة على هذا الوجود، مما يحــيلنا إلى الأثر الاقتصادي للعبيد في المجتمع الأمريكي، وترسبات الأثر الثقافي لانتشار هذه الفئة، ولكن بين ثنايا هذا الحضور تنشأ مفارقات ثقافية، وهذا ينسحب على سائر الفئات المهمشة، كالمرأة، كما إشكاليات تتعلق بالغربي والآخر، والأبيض والملون، وابن الوطن واللاجئ، والمرأة والرجل، وغير ذلك.
لا شك بأنه في في ظل ما يشهده العالم من الانهيارات السياسية، والنزاعات، والإرهاب، والإسلامفوبيا، لا بد أن يذهب بعض النصوص لخلق ممارسة تستشعر وجهاً من الكتابة المخففة، أو الغاضبة، كما أن هنالك حضوراً لتمثيل بعض الطبقات الفقيرة في المجتمع، وغير ذلك من إفرازات تتصل بالمؤسسة، والحكومة، والمرجعيات الدينية، وأنساقها… ومع ذلك تبقى هذه الأنساق عائمة تمارس سطوتها، حضوراً، وتأثيراً، ونقضاً، ولكنها تتصل أحياناً بطابع فردي، معني بالأنا في تشكيلها الوجودي، وهي مثلبة ما زالت كامنة في الكتابات العربية غير القادرة عَلى توجيه التناول بحدود الكوني، ومع ذلك، فإذا ما نظرنا لهما مجتمعة، فإنها ستشكل نسقاً حافلاً بتنظيم معين يقود إلى أن ثمة إشكاليات تبدو جُزرا معزولة غير أنها تبدو واضحة للعيان تبدو تشكيلاً واحداً، ولا سيما مع الإضاءة المنبعثة من كل جزيرة، غير أنه ثمة فروق، ومستويات مختلفة في العمق.
٭ كاتب فلسطيني أردني
رامي أبو شهاب