من الأخطاء الشائعة والمتكررة التي تقع فيها الأنظمة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عموما هي عندما يقع هجوم إرهابي كالهجوم الذي وقع على مطار إسطنبول الثلاثاء الماضي، حيث لم تمر سوى ساعات قليلة حتى قام المسؤولون الأتراك بتحديد المسؤول عن تلك الهجمات، الأمر الذي أظهر مدى فقدان المسؤولين الأتراك للحرفية والموضوعية في متابعة ملابسات عملية إرهابية كهذه.
بالتأكيد هذه ليست المرة الأولى التي يتصرف فيها المسؤولون الأتراك بهذا الشكل المتسرع في إصدار الأحكام المسبقة. أعيدكم بالذاكرة للهجوم الذي تعرضت له مدينة إسطنبول في تركيا العزيزة، في التفجير الذي هز صباح الثلاثاء 12 يناير ميدان السلطان أحمد وسط المدينة، وهو من أهم المعالم السياحية فيها، الذي أسفر عن 10 قتلى و15 جريحا، كحصيلة أولية آن ذاك حينما نشر الخبر في بداياته. ولم يمر سوى أقل من ساعتين حتى قال أردوغان في كلمة بثها التلفزيون التركي: «إنني أدين الهجوم الإرهابي في اسطنبول الذي يعتقد أنه نفذ من قبل انتحاري من أصل سوري. للأسف الشديد، هناك 10 قتلى، بينهم أجانب وأتراك، كما هناك 15جريحا.» وامتنع أردوغان عن توجيه أصابع الاتهام إلى أي جهة معينة، لكنه اعتبر أنه «لا فرق بين «داعش» وحزب العمال الكردستاني وبقية التنظيمات الإرهابية.
ورغم إصرار المسؤولين الأتراك في تلك الأيام على أن منفذي العملية الإرهابية هم من السوريين وقد دخلوا الأراضي التركية من الحدود السورية. لدرجة أن المسؤولين الأمنيين في تركيا كانوا يؤكدون في الساعات الأولى على أن منفذ العملية الإرهابية دخل الأراضي التركية ووصل إلى إسطنبول وخطط لها خلال أيام قليلة فقط.
لكن وبعد مرور أسبوع فقط من تنفيذ العملية، تغيرت معطيات الملف بشكل عجيب وتغيرت أصابع الاتهام إلى جهة أخرى تماما، بحيث قال المسؤولون الأمنيون الأتراك بأن منفذ العملية يحمل الجنسية التركــــية، من دون الإشــــارة إلى تصريحاتهم وتأكيداتهم في الساعات والأيام الأولى التي تلت الهجوم الانتحاري الذي أصاب ميدان السلطان أحمد.
فالموضوع مرّ مرور الكرام من دون أن يعتذر المسؤولون الأتراك عن تصرفهم هذا، أو حتى الإشارة للمعلومات التي نشروها سابقا وكأن شيئا لم يحدث. هذا غيض من فيض من التصرف غير المهني في تحديد هوية منفذي هجمات إرهابية استهدفت مدنا ودولا في منطقتنا العزيزة، سواء في تركيا أو دول أخرى من دول المنطقة.
لو قارنا تلك الأحداث بمثيلاتها في الدول الأوروبية، سنجد التكتم سيد الموقع في الساعات الأولى من وقوع أي هجوم إرهابي، بحيث لا يدلي أي مسؤول أوروبي بأي تصريح من دون التأكد من صحة المعلومات التي بحوزته، كما حدث في هجمات باريس وبروكسل وحتى ألمانيا، ورغم تعرض الحكومات في هذه الدول لهجوم قاس من بعض الأحزاب اليمينية المتطرفة والشعبوية ومن بعض وسائل الإعلام التي تعرف في العادة بإصدارها للأحكام المسبقة ضد المسلمين، إلا أن المسؤولين في هذه الدول أصروا على عدم التسرع في إلقاء المسؤولية عن تلك الهجمات أو اتهام أي جهة من دون التأكد من هوية الفاعلين والدوافع الرئيسية لتلك الهجمات, فعلى سبيل المثال أصر الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند على عدم التسرع في إصدار الأحكام وإلقاء المسؤولية على المسلمين في أوروبا حتى لو كان لو كان المنفذون مسلمين أو الفكر الذي يتبنونه ذا طابع إسلامي. وأكد حينها على أنهم لا يمثلون الإسلام في شيء، وإن دققنا بالموضوع سنجد المسؤولين الأوروبيين كانوا أكثر حرصا على تحيّيد الإسلام من هذا الفكر الضال أكثر من المسلمين أنفسهم.
فالسؤال المثار هو إلى متى سيصل المسؤولون في الدول الإسلامية لنوع من النضج والحيادية والمهنية في تصرفاتهم وتصريحاتهم، أو اتخاذ الموضوعية والمهنية منهجا في كل مجالات ومؤسسات الدولة وعدم التسرع في اتخاذ القرارات أو توجيه أصابع الاتهام لطرف أو لآخر من دون التأكد من المصادر والمعلومات التي بحوزتهم.
٭ صحافي إيراني
فاضل مندني