أفسحوا للشبح… أفسحوا لمانغويل

حجم الخط
0

في الفصل المسمّى «فسحة الشبح»، وهو الذي روى فيه ألبرتو مانغويل التفاصيل المرهقة، الحساسة والدقيقة التي لازمت سعيه إلى أن يصير كاتبا، لا قارئا فقط، نقرأ: «خلال النصف الأول من القرن الثامن عشر، كان مألوفا لمرتادي المسرح في فرنسا، الأثرياء منهم، أن يدفعوا ثمن مقاعد لا تقع قرب الأوركسترا أو في المقصورات، بل على الخشبة مباشرة، وقد شاعت هذه الممارسة كثيرا إلى حدّ أن هذا الجمهور المتطفّل كان غالبا ما يفوق الممثّلين عددا. وأثناء العرض الأوّل لمسرحية فولتير «سميراميس» تعثّر الممثّل الذي كان يؤدّي دور شبح الملك نينوس وأوشك أن يقع، مفسدا بذلك مشهدا دراميا رئيسيا. يقال إن فولتير، وسط القهقهات المجلجلة التي أعقبت ذلك، نهض واقفا وصرخ: «أفسحوا للشبح».
ما كان يقصده مانغويل من هذا المقطع هو ما يحفّ بالنصّ المكتوب من عناصر طفيلية تأتي من خارجه، لكن لتزاحم متنَه. من هذه مثلا: «الصدفة، المال، المكانة، الصداقة، الواجبات العائلية»، مقترحا، في فصل آخر من فصول الكتاب، أن الكتابة فعل عزلة وانصراف عن العالم وارتضاء بالحيّز المكاني الأكثر ضيقا، على مثال ما كتب كافكا تُحَفه في ممرّ داخل المنزل العدائي لوالده.
كان هذا ما قصده مانغويل من إيراده تلك الفقرة أعلاه، لكنني وجدت، في ما أنا مستغرق بقراءة الكتاب، أنا ما سبق من صفحات أخذني إلى فهم مغاير لما بين طرفي التشبيه اللذين قصدهما، وكذلك إلى ما بينهما من «وجه شبه» فأرى أن الذين أعاقوا الشبح من التمثيل، أو أعاقوا مانغويل عن الكتابة، هم الممثّلون لا الفضوليون الذين يقتسمون معهم مساحة الخشبة، أي أن فولتير كان، في صرخته تلك، إنما يخاطب الممثّلين قائلا لهم أفسحوا لهذا الشبح أن يمرّ. ذاك أن هؤلاء الممثّلين، أو الكتّاب بحسب ما كان مانغويل يقصد كانوا كثيرين إلى حدّ أنه بدأ بقراءة كتبهم وهو في عمر الرابعة، ولم يجرؤ على التقدم إليهم، ليكون واحدا منهم، حتى حين بلوغه الأربعين. وهو ظلّ على الدوام مفتونا بهم، وغير مصدّق أنه سيكون كاتبا مثلهم في يوم من الأيام: «السبب هو إدراكي، وبوضوح شديد، أن لاشيء مما يمكنني إنتاجه يستحقّ الجلوس يوما على الرفّ نفسه مجاورا الكتب التي أحببت».
ما يعني أنه كلما أمعن في قراءة الكتب أيقن أنّ من المستحيل أن تكون له هذه «الموهبة». وهو ظلّ يصعّب على نفسه احتمال أن يكون كاتبا. فما كان قرأه في عمر الرابعة أو الخامسة، ها هو يعيد قراءته، مرّة بعد مرّة وكلما أقبل على مرحلة جديدة من عمره. في الفصل الأوّل من الكتاب يروي عن المرّات التي قرأ فيها «مغامرات أليس في بلاد العجائب» وها هو، من وحي قراءته الأخيرة له، يقدّم لكل فصل من فصول الكتاب بجمل من تلك المغامرات. هذه ليقول لنا أن هناك كتبا لا تنفد، لا يُنتهى منها بعد قراءتها.
ولنقل أيضا، فيما نحن نتابع قراءة مانغويل، كتابا بعد كتاب، بدءا من كتابه المذهل الضخم «تاريخ القراءة»، كيف يمكن لذاكرة أن تحتفظ بهذا القدر من الجمل الفاتنة لكتّاب لا عدّ لهم. في كل صفحة من صفحات كتابه نقرأ شيئا يوسع مجالنا التخيّلي ومعرفتنا بالكتابة، وهذا مما حفظتْه ذاكرة مانغويل. أليس في هذا الحفظ، والافتتان من ثمّ، نوعا من التقصد، من قِبل الكاتب نفسه، ليظل مواجها نفسه بالعراقيل المانعة لكتابته.
«إنسَ ما حفظته!»، بهذا كان ينصح العرب من كان مقبلا منهم على نظم الشعر. ألبرتو مانغويل ظل ذاهبا في نقيض ذلك. كما أنه لم يقتل أباه، تبعا لنصيحة ثانية، فظلّ منذ أن جعلته الصدفة قارئا لخورخي بورخيس بعد عماه، وكان هو آنذاك ما يزال طالبا في الثانوية، وفيّا لانذهاله به، رجلا وكاتبا. كان قد روى معرفته به في كتاب» مع بورخيس»، وكان يعود إلى الكتابة عنه في كل عمل من أعماله. لم يغب بورخيس في هذا الكتاب الأخير أيضا. إنه حاضر فيه، مع نسائه هذه المرة، في الفصل الذي بعنوان «بورخيس عاشقا». كما أنه ظلّ حاضرا في كثير من فصول الكتاب الأخرى، مُتَذكَّرا، أو مستشهَدا به حتى في أدقّ التفاصيل كمثل ما قال بورخيس مرّة، واصفا حروف خطّه المنمنمة المنفصلة بأنها كتبت كأنما «بخطّ يد قزم».
وأيضا، ذلك الاستغراق بتفاصيل الكتابة بلغ به حدّ أن يخصّص فصلا للكلام عن معنى النقطة (علامة الوقف) بل لمديحها على الأصح. وهذا ما تتميّز به كل كتابة لمانغويل: المديح، مديح الكتابة، مديح الكتاب، مديح أبطال الكتب وشخصياتها، مديح العذاب المصاحب للكتابة، مديح النهايات المأساوية للأبطال… إلخ. وهذا أيضا مما لا يطابق تلك النصيحة الأخرى من وليم فوكنر «أقتل فاتناتك».
لم أقرأ «عودة»، وهي عمل مانغويل الروائي، الذي ربما كان مناسبة كلامه عن وقوفه مجرّبا أمام محراب الكتابة، لكن كل كتبه الأخرى، المتعلّقة بالقراءة والكتب، هي مما لا ينسى أبدا. لم يتح للقراءة، في تاريخها كلّه، أن تحصل على هذا القدر من التفكير والتركيز، مثلما أتيح لها مع مانغويل. هذا الكتاب الصادر حديثا كانت قد سبقته ترجمات لكتب أخرى هي: « تاريخ القراءة» و»يوميات القراءة، و»المكتبة في الليل»، وكذلك «مع بورخيس» الذي هو كتاب في القراءة أيضا.
وإذ يعرّف مانغويل عن كتابه هذا يقول في مقدمته: «موضوع هذا الكتاب، شأنه شأن كتبي الأخرى تقريبا، هو القراءة – تلك الفعالية الأكثر إنسانية بين الفعاليات الخلاقة».
لم يكن ذلك خيارا بين خيارات عدةّ، كان هو الاحتمال الذي لا يجارى للرجل الشغوف بكل ما يتعلّق بالكتب وكتّابها وأوراقها وحروفها وحبرها ورفوفها التي ترصف عليها…
كتاب «فنّ القراءة» لألبرتو مانغويل يضم كتابات ومحاضرات ألقاها الكاتب في مناسبات عدة وفي موضوعات مختلفة. الكتاب صدر عن دار الساقي بترجمة فذّة من جولان حاجي، 405 صفحات، 2016.

٭ روائي لبناني

أفسحوا للشبح… أفسحوا لمانغويل

حسن داوود

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية