صلاح باديس: في العام 2004 وبينما كانت الجزائر تغلي وهي ترى عبد العزيز بوتفليقة يترشّح لعهد رئاسي ثان، إلى جانب «أرانب سباق» لا يؤثرون في مجرى الانتخابات، كان هنالك رابر مشهور في اوساط العاصمة، إسمه رابح دونكيشوت، قرّر الترشّح إلى الرئاسة على طريقته، عبر إطلاق أسطوانة إسمها «رابح بريزدنت». وعقد مؤتمراً صحافياً للحديث عن ذلك.
رابح دونكيشوت، مؤسس فرقة MBS سنة 1993، الفرقة التي إنطلقت من حي حسين داي العريق بالعاصمة، لتكسر صمت الحرب الأهلية (وهو ما يعنيه إسمها، الميكروفون الذي يكسر السكات) لتصل إلى إستديوهات UNIVERSAL في باريس، مع فرق راب جزائرية أخرى صنعت الحدث وقتها مثل «حامة بويز» و»أنتيك»، من هذه الخلفية خرج «دياز» (DIAZ)، الذي يصغرهم بنحو عشر سنوات.
الرابر الأهم اليوم في الجزائر، بعيدٌ عن الصحافة وقنوات الإعلام التي تُرسكل كل شيء. بعيد عن الرابرز- الظاهرة الذين برزوا منذ بداية الألفية كمعارضين سياسيين، سريعاً ما تم إحتواؤهم بالمال والمهرجانات، وانتهى بهم الأمر إلى مذيعي تلفزيون أو أنصاف دعاة إسلاميين. دياز من حومته حسين داي، حيّه الأثير، يواصل العمل ويستعد لإطلاق ألبومه الأول (الحومة) الذي سيجمع عمله على مدى أكثر من عشر سنوات.
أول مرّة سمعتُ دياز كانت عبر إحدى أقدم أغانيه «عرّس له» والتي تحكي عن موقف حصل له، دفع به شرطيان في زي مدني إلى داخل عمارة في ساحة موريس أودان بوسط العاصمة ليفتشا جيوبه من دون سبب، فقط لأنّ شكله «مشبوه». وعندما أسمعتها لصديقة مصرية، لم تفهم الكلام طبعاً، لكنّها أعجِبت بالعنوان وقرأته بالمصري «عرّص له». الأغنية التي شدّني مطلعها «الشعبي» (نسبة لموسيقى الشعبي الجزائرية)، جعلتني أكتشف هذا الرابر، الذي سأنتبه مع الوقت والسَماع إلى أن الميكسات التي يشتغل عليها تنهَل من هذا المحيط. خليطٌ من موسيقى الشعبي والموسيقى الأمازيغية، والذي سيقول في أحدث كليباته «سيفيل في بلاد العسكر» أنّه ليس قَدْ الشعبي، لكن الراب لم يعُد قَدُهْ، في تصريح عن أنّه يتحرّر من النوع إلى أسلوبه الخاص (وهذا ما سيحدُث لاحقاً لهذه الأغنية عندما يُحرّرها دياز في كليب جديد من أي إيقاع إلكتروني ويُغنيها على ألحان فرقة شعبية تُرافقه) في بلد المليون الرابر الذين عرف النظام كيف ينظمهم في مهرجانات رسمية وحصص تلفزيونية لرابرز «محترفين» مرتزقة.
يعمل دياز على الموسيقى والكلام… بمعدل أغنية كل عام، قد يرى البعض أنّ هذا قليل جداً. يتنقّل عدّة مرات في العام شمالاً وجنوباً، الجزائر/مارسيليا/باريس… الجزائر/باماكو في مالي، يُشارك في ملتقيات وحفلات تنظّمها دوائر المدونين وفناني الهيب هوب وكل من يثيرون الشغب داخل «النظام»… أي نظام، وحتى عندما يشارك في ملتقى بمتحف «ميوسَم» بمارسيليا عن «الغضب والإبداع» وتحمل أفيش المهرجان صورته وهو على الرُكح، يرفض البقاء داخل القالب الذي يُقدّم به ويقدّم عرضاً مع رابَر فلسطيني وزوجته عازفة الفلوت… ويحكي عن التأقلم والقرصنة والنظام، يقول دياز أنّ القرصنة ردّ فعل طبيعي للشخص الذي لا ينتمي للنظام، هنالك شعوب كاملة تعيش بالقرصنة من النّاس التي كانت تُعدّل إرسال التلفزيونات في الثمانينيات بشوكة الأكل إلى الجماعات التي تُحوّل وجهة السُفن، لا يسقُط أبداً في التبرير الأخلاقي لكنّه يضرب مثالاً بسيطاً، بالجزائري الذي لا يتقبّل منطق عمل آلة ما فيفككها ويركبها من جديد ناقصة حتى تتماشى وروتينه.
إلى جانب الألبوم، وفي الحفل الخاص الذي أقامه دياز منذ أيام فقط، اُعلِن أيضاً عن إطلاق موقع elhouma.net وهو ما سيكون منصة إلكترونية تجمع جزءاً لا بأس به من الأرشيف الرقمي لفرق الراب ولدياز نفسه في خرجاته، كما ستحمل أيضاً كل المواد الرقمية صوراً، فيديوهات، ميكسات تتعلّق بالحومة، وكلّ ما تمّ تسجيله وكتابته من قبل القائمين على المشروع من مدونين ومنتجين وموسيقيين وفنانو بوب آرت ومصورين مثل المصوّر يوسف كراش الذي رافقت صوره عمل دياز أكثر من مرّة،. مواد رقية، سواء كانت عن الراب أو من يومياتهم وتجاربهم. ليس لتصير الحومة «ماركة مسجّلة» وإسماً مثيراً يبيعُ في الإعلام وفي دوائر المِنح الفنية الآتية من خلف البحر، والتي يسيلُ لعابها على كل ما هو «شعبي»، بل العكس هو الصحيح، فدياز لا يُعطي فرصة لذلك، ويُعتَبُرُ بشكل من الأشكال جيلاً جديداً من فرق الراب التي خرجت من الحرب الأهلية إلى كبريات أستوديوهات باريس، وواصلت الغناء ضمن مشروعها الأول. دياز لا يتكئ أبداً في جملته على الغضب الشعبي «فقط» أو مشروعية كونه من حومة شعبية جزائرية والسقوط في كليشيهات من هذا النوع، دياز عندما يُمسك المايك يقدّم شِعراً على إيقاع، ومهما كان هذا الإيقاع من ورائه (دي.جاي أو فرقة شعبية بالعود والبانجو والدربوكة) إلاّ أن الكلام يبقى قوياً وجميلاً كلُعبة دومينو رابحة.