اكتشف رئيس الحكومة هذا الاسبوع افريقيا، لكن رغم تسببه بانفعال قارة كاملة، يبدو أنه نسي امريكا قليلا. صحيح أنه في «عنتيبة» أطلق الرصاص القاتل الذي وضعه في الساحة الجماهيرية قبل اربعين سنة، لكن في امريكا تشكلت الشخصية الروحانية لبنيامين نتنياهو. وفي واشنطن وليس في بنغالي، يتم التوقيع على الشيكات لتعزيز وجودنا هنا.
على الطاولة اقتراح امريكي سخي لمساعدة امنية تبلغ 37 مليار دولار للسنوات العشرة القادمة. وزير الدفاع يحثه على التوقيع ووزير المالية يطلب منه عدم التملص، لكن نتنياهو يريد أكثر. إنه يريد 40 مليار – رقم دائري يبدو افضل في المؤتمر الصحفي. لقد وعده موشيه كحلون بأنه سيعرف كيف يمول الفرق، لكن نتنياهو مصمم على رأيه.
الامريكيون يطالبون بأن يكون كل شيء مشمول في هذا الرقم، بما في ذلك 600 مليون دولار يخصصونها سنويا لاجهزة الدفاع الإسرائيلية أمام الصواريخ. هذا طلب يمكن لإسرائيل أن تتعايش معه لأنها لا تلغي اعتبارات الكونغرس الذي سيستمر في اعطاء مبالغ اخرى.
لكنهم يطلبون ايضا الغاء الاستبدال – هذا بمثابة تعويض منح لإسرائيل قبل ثلاثين سنة مقابل إلغاء «مشروع لافي»، حيث وافقت الولايات المتحدة في حينه أن يكون ربع المبلغ بالدولار مستبدلا بالشواقل لدعم الصناعات الامنية الإسرائيلية. ومع مرور الوقت تجذر هذا الامر واصبح مبلغا كبيرا يصل الى 800 مليون دولار سنويا، حيث يتم تمويل بعض التكنولوجيا الإسرائيلية المميزة. نوع من الوقاحة الإسرائيلية التي كان الامريكيون مستعدين لتأييدها الى الآن. ولكن ليس بعد.
بالنسبة لهم، المساعدة هي هدية سخية على حساب دافع الضرائب الامريكي، الامر الذي يضمن في السياق عمل في الصناعات الامنية الامريكية. من المفروض أن يخلق هذا اماكن عمل في اريزونا وتكساس، لا في اللد ونتانيا. يصعب على إسرائيل أن تجادل في هذا الادعاء. ففي نهاية المطاف هذه اموالهم، لذلك اقترحت إسرائيل أن يتم تقليص المبلغ الشرائي في البلاد بالتدريج.
الامريكيون لم يردوا بالايجاب رغم أن هذا الاقتراح يمكنهم هضمه لو كانت الاجواء جيدة أكثر في المفاوضات معهم. ايضا حول هذا الامر وعد وزير المالية نتنياهو باجراء تغيير في الميزانية من اجل مواجهة الامر دون استبدال المساعدة الامنية بالشواقل، لكن نتنياهو ما زال مصمما.
تمر الاسابيع والاشهر وتقترب نهاية ولاية اوباما. فهل تستطيع إسرائيل أن تضمن أن الرئيس أو الرئيسة، الجديد أو الجديدة، سيكونان أكثر سخاءً؟ في وزارة الدفاع يخشون من أن تكون النتيجة أصعب.
في الوقت الحالي يقوم نتنياهو بتعزيز أمننا من خلال بناء المزيد من الشقق السكنية في كريات اربع التي ستردع المخربين وتقلل الارهاب. وقد تتسبب هذه الشقق في الخليل بأن يفهم مارك تسوكربرغ الخطأ الكبير وتجعله يغلق منصة الارهابيين التي اخترعها.
إسرائيل اليوم أمام الارهاب الجديد، ارهاب يختلف عما عرفناه. ليست له اهداف سياسية، هو يتحرك بوحي وافكار، وليس بمنظمات مؤسسة، وهو جزء من المعركة الاقليمية والعالمية للاسلام المتطرف. التنظيمات الارهابية التي عرفناها – حماس والجهاد الاسلامي وفتح والجبهة الشعبية – أصبحت لا صلة لها. وهي لا تساهم ولا تتدخل بالشباب الفلسطينيين الذين يقتلون الإسرائيليين.
التلفاز الفلسطيني ايضا، رغم التحريض، ليس هو أساس المشكلة. هؤلاء الشباب يتعرضون لرسائل ومضامين عنيفة ومتطرفة تصلهم من الشرق الاوسط. ومثلما هي الحال في الولايات المتحدة أو فرنسا أو بلجيكا، دائما هناك مخربون محتملون تدفعهم هذه المضامين للعمل. وهذه المضامين لن يستطيع أن يوقفها جلعاد أردان ايضا.
العملية في سارونه هي مثال كلاسيكي لوجه الارهاب الجديد: شابان يتبنيان ايديولوجيا متطرفة يحصلان على السلاح ويضعان خطة للعمل دون وجود تنظيم، ولا ينسيان أخذ صورة مع علم داعش قبل خروجهما. وهما يفترضان أنهما سيقتلان اثناء العملية ويعرفان ان بيت العائلة سيهدم. هاتان المسألتان لم تردعهما ولن تردعهما الشقق السكينة في الخليل.
رد إسرائيل بافلوفي ويعود الى ما تعرفه من الانتفاضة السابقة: حصار، اغلاق، هدم منازل والغاء تصاريح العمل – ما الفائدة من ذلك؟ لا شيء، كما يبدو. ولكن على الاقل هناك شعور بأننا فعلنا شيء. نحن نتجاهل حقيقة وجود ظاهرة جديدة تتطلب تفكيرا وسياسة جديدين. «الشباك» أيضا لا حول له ولا قوة ولا يملك الادوات في مواجهة الارهاب الجديد. في التسعينيات، حينما بدأت عمليات حماس الانتحارية، مر عقد الى أن فهم «الشباك» الظاهرة الجديدة وبدأ بالتعامل معها بنجاعة. ونحن نأمل أن يتم ذلك الآن بشكل أسرع.
رئيس الحكومة، بلغة الجسد، يبعث التصميم والتشدد وهو يستمر في تجاهل الافكار التي قد تساعد في وجه الظاهرة الجديدة: طرد عائلات المخربين والغاء الحضانة في السجون.
طرد عائلات المخربين هو أمر معقد اخلاقيا وقضائيا. ولكنه قد يؤثر على ما يدور في ذهن هؤلاء الشباب حينما يقررون تنفيذ عملية. إنهم يعرفون الآن أنهم يخرجون من هذا العالم كأبطال وأن عائلاتهم ستحظى بالاحترام وبالدعم الاقتصادي. واذا عرفوا أن القتل سيجعل عائلاتهم تعيش في الوضع السيء في غزة، فان نتيجة المعادلة ستكون مختلفة.
مثلما كتب الصحفي بن كسبيت هنا، ومثلما تزعم عائلتا شاؤول وغولدن، يحصل المخربون على ظروف حياة جيدة. إنهم يهددون طواقم مصلحة السجون ويردعون مدير مصلحة السجون الذي اراد تغيير القواعد. هنا باستطاعة وزير الامن الداخلي أن يسهم بشكل كبير في الامن وعدم السماح للمخربين بادارة السجون.
هذا ليس شيئا بسيطا وسيؤدي الى اندلاع الاحداث في السجون وفي الميدان، الامر الذي سيحتاج منها تصميما أكبر. ليس مؤكدا أن هذا سيوقف الارهاب، وليس مؤكدا أنه سيعيد جثث القتلى من غزة، لكنه سيعمل على اصلاح اجحاف اخلاقي على الاقل.
معاريف 8/7/2016
ألون بن دافيد