شباب غزة صيد ثمين لحركات «الترغيب والترهيب»

حجم الخط
0

غزة – نور السويركي: لا يزال الغزيّ أبو خالد يذكر تلك الليالي الباردة في الشتاء الماضي التي اضطر فيها للاستيقاظ للوضوء لمرافقة ابنه البكر ذي الـ 16 عاماً إلى مسجد الحيّ. لم يكن معتاداً على صلاة الفجر في المسجد وكان يكتفي بأدائها في بيته كلما استطاع ذلك، ولكنه أيقن بأنها الوسيلة الأفضل للبقاء بجانب ابنه والحفاظ على هويته الدينية المعتدلة.
يقول لـ «القدس العربي» ان جماعة دينية متشددة في غزة، عملت على مدار شهور لضم ابنه إليها، «من خلال مصادقته في المدرسة ومن ثم دعوته إلى نشاطاتها والتأكيد عليه على حضور كافة الصلوات في المسجد». مضيفاً «كنت متيقظاً. لم أواجهه مباشرة لأنني أعلم أنه لن يقتنع بكلامي فهو لم يرّ منهم شيئاً سيئاً، لذلك أصبحت أكثر ملازمة له في أغلب خطواته خارج المنزل حتى في الصلاة أصبحت أرافقه إلى المسجد، وقد شعروا بذلك، فابتعدوا عنه».
في قطاع غزة تتمثل الجماعات والحركات الراديكالية، وغيرها من الجماعات، صاحبة الايديولوجيات والمختلفة في ما بينها، على الرغم من ادعائها أن مرجعيتها هي الدين الاسلامي وأن هدفها هو تحرير فلسطين واقامة الخلافة.
ما حدث مع هذا اليافع، هو أولى الخطوات التي تتبعها الجماعات والحركات الراديكالية في قطاع غزة لاستقطاب الفتية والشباب إليها، على اختلاف خلفياتهم التربوية، ودرجات تدينهم وعائلاتهم، وقبل أن يتشكل وعيهم الذاتي وأفكارهم المراهقة، ليصبحوا أفراداً فيها بالتدريج، فالبدايات متشابهة للجميع، مع اختلاف النهاية لكل منهم.
(ف.س) شاب في الـ 25 من عمره، يقول لـ «القدس العربي» ان دخوله الجماعة لم يكن اختياراً، بقدر ما كان استدراجاً، «أمتلكُ صوتاً خطابياً أهّلني لأن أكون مقدماً للإذاعة المدرسية، كانت اللقاءات بيني وبينهم تدور حول المواضيع التي أتناولها في الإذاعة، ثم أصبحوا يدعونني للخروج معهم، حتى أصبحتُ مقرباً منهم، إلى أن التزمتُ بعد ذلك بالصلاة في المسجد، وفي حفظ القرآن ومن ثم التدريب العسكري».
ويتابع: «بعد أن أعلنت بيعتي للأمير، أصبحت الأمور تتجه نحو حضور جلسات خاصة، تتحدث عن عقيدة الولاء والبراء مع الكفار، عن الطاعة للأمير باعتباره من أولياء الله، والتنظير للجماعة، وعن النشاطات والفعاليات والأدوار واللجان التي يجب استلامها، ودراسة التنظيمات الأخرى في الحي ومعرفة نقاط الضعف والقوة لديها، وكذلك القيام بمهام معينة يتم التكليف بها».
(ف.س) رفض توضيح طبيعة تلك المهام واكتفى بإبداء غضبه حول تنفيذه إياها دون اعتراض، واستكمل قائلاً: «دارت السنوات وأنا على هذا الحال. إلى أن اتجهت نحو القراءة خارج الكتب التي كانوا يزودوننا بها. شعرت كأني استيقظت من غيبوبة، وبدأت التهرب منهم، ثم أبلغتُ المسؤولين باعتزالي، قابلوني بكثير من العنف، وأن أسبابي ليست كافية، لكنني مضيتُ في هذا الطريق».
يبدو حال (ف.س) أفضل كونه أصبح خارج حدود قطاع غزة مؤخراً، وقد رحبت عائلته المعتدلة بشخصيته الجديدة، لكن الشاب محمود، 25 عاماً، من المحافظات الوسطى في القطاع يعيش حالة من التناقض بين ما يرغب وبين ما يمارسه تحت ضغط الجماعة والعائلة، بدايته لم تختلف كثيراً عن سابقه، المسجد والمدرسة واستمالات أفراد الجماعة.
ويقول: «حين بلغت الثالثة عشرة، عَرض عليّ شاب فكرة الانضمام لجماعة تسعى لإعادة الخلافة وتحرير فلسطين، ثم بايعتهم بعد عام من الالتحاق بمرحلة التمهيد، وأصبحت أخاً عاملاً في سن الخامسة عشرة من عمري، وأنا أعمل بها حتى اليوم، لكن الثلاث سنوات الماضية شهدت تطوراً في فكري، أصبحت أقرأ واستمع، أيقنت أنني كنت أسيراً عند فكرة لا ترى الحق إلا في نفسها، وأن من سواها هم ضمن تصنيفات تتراوح بين التخوين والتكفير أو التجهيل».
محمود يرى أن تجربته علمته أن الانضمام للجماعات يلغي الشخصية ويبقيها في درجة قريبة من العبودية، لكنه يرى أن انسحابه يجب أن يكون تدريجياً: «الجماعة لا تتقبل فكرة انسحاب أحد أفرادها بسهولة، أسعى جاهداً للسفر حيث سأتمكن من الانعتاق، والذي سيجنبني المضايقات والصدامات مع التنظيم والأهل الذين يحملون الفكر نفسه، فأنا بنظرهم الشيخ التابع للجماعة، وأعلم أن ذلك لن يكون أمراً سهلاً، خاصة في ظل شح فرص السفر بسبب إغلاق معبر رفح».
قطاع غزة شأنه شأن دول الجوار العربية التي تأثرت بما يسمى الربيع العربي، وباقي العالم الذي يتأثر بالمدّ العالمي المتزايد لهذه الحركات خاصة المتطرفة والتي تدعو إلى إقامة الخلافة وتحكم بالشريعة، كما تدّعي، فهو بقعة صغيرة في منطقة مواجهات ايديولوجية محتدمة، وربما ارتفعت أسهم تلك الحركات في قطاع غزة في ظل الاحتلال الاسرائيلي والحصار المفروض مما أدى إلى نقص أبسط شروط الحياة الانسانية منذ عشر سنوات.
وبما أن هذه الحركات تعتبر الشباب جزءاً من أدوات تلك المواجهات، فإن شباب القطاع يمثلون صيداً ثميناً، حيث يعانون من ارتفاع نسب البطالة والفقر وندرة التجارب الخارجية، فمعبر رفح البري على الحدود مع جمهورية مصر والذي يعد المنفذ الوحيد على العالم مغلقٌ لأسباب سياسية، ولا ملجأ لهم سوى تلك العروض الأقل تكلفة، والتي تتفنن الحركات والجماعات الراديكالية في طرحها أمامهم باسم الدين والعودة لله كحل للواقع الصعب.
(م.ع) من جنوب قطاع غزة يروي لـ «القدس العربي»، حكايته:«كنا مجموعة من الشباب في المرحلة الثانوية، كان يتم التنظير علينا، ومن ثم انتقلنا للتدرب على استخدام السلاح، في آخر ستة شهور لي في الجماعة كنت أتدرب على السلاح يومياً بعد الفجر ومن ثم أذهب إلى مدرستي، وقد كان احساسنا بالقوة والعظمة مغرياً في أعمارنا، إضافة إلى تحقيق رغباتنا في إطار الجماعة، كالحصول على منصب ما، والمكافآت والحماية من كافة أفرادها».
يضع يديه على عينيه ويقول: «تماماً هكذا كنت كالأعمى لا أرى الحقيقة ولكن اسمع وأنفذ أوامرهم»، يبلغ (م.ع) اليوم 26 عاماً، ويؤكد على أن أدوات الجماعة اختلفت أو تطورت عما سبق. لم يعد المسجد هو المكان الأول، وأصبحت تستخدم وسائل ترويج وإعلان في كل مكان، لإقناع الشباب بالانضمام. ويبرر ذلك: «ربما بسبب وعيّ الناس بأفعال هذه الجماعات وتهربهم منها، مما يدفعهم للمزيد من الجهد، في استخدام كافة الأدوات في الوصول للشباب بدلاً من انتظارهم، أو أن السباق على أشده بين هذه الجماعات في الوصول إلى أكبر عدد من الشباب لخدمة أيديولوجياتهم».

شباب غزة صيد ثمين لحركات «الترغيب والترهيب»

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية