ترقى كلٌّ من شنـغهاي، وهونغ كونغ وسنغافورة واليابان وكوريا الجنوبية، على الترتيب، إلى أكثر الدول تفوّقاً في القراءة بالإنكليزية، حسب البرنامج العالمي لتقييم التلاميذ واسمه المختصر «بيزا» الذي تقيمه كلّ ثلاث سنين منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. ويقارن الامتحان الموحّد مهارة التلاميذ في سن الخامسة عشرة في القراءة بالإنكليزية وفي الحساب. (وترقى كلٌّ من شنغـهاي وسنغافورة وهونغ كونغ وتايوان وكوريا الجنوبية، على الترتيب، إلى أكثر الدول تفوّقاً في الحساب). واحتلّ تلاميذ المملكة المتّحدة، أحفاد شكسـبير، المرتبة الثالثة والعشرين في قراءة لغتهم الأم – ولا فخر؛ أمّا في الحساب، فيحسن السكوت على ترتيبهم في صفوف تلاميذ الدول الأربعين المشاركة في البرنامج، لئلاّ يكتئب نيوتن في قبره. أمّا الدول العربية، فلم تُدخل تلاميذها في مضمار التنافس أصلاً، على اعتبار أن التلاميذ العرب كانوا قد «ختموا» الإنكليزية والجبر قبل أن يقيموا المنكوبَين سيبويه والخوارزمي ويقعدوا محلّهما.
وإذا توسّعنا في قراءة القائمة – المنشورة في تشرين الأول/أكتوبر 2013 عن امتحانات كانت قد أُجريت في 2012 – فسنجد أن فنلندا وايرلندا وتايوان وكندا وبولندا تأتي في المراتب السادسة حتى العاشرة في مجال القراءة بالإنكليزية، بينما تحتل ماكاو (الصين) واليابان وليشتِنشتاين وسويسرا وهولندا المراتب ذاتها في مضمار الحساب. أمّا الولايات المتّحدة الأمريكية، «زعيمة العالم الحرّ» و«أعظم بلد في العالم» – التي «يفصلها عن المملكة المتّحدة لغة مشتركة»، على حدّ تعبير جورج برنارد شو – فتأتي في المرتبة الرابعة والعشرين والمرتبة السادسة والثلاثين، على التوالي، في المجالين.
وكلّما تمّ إعلان هذه النتائج، غنيٌّ عن الذكر، تقوم الدنيا في البلدان المتراجعة ولا تقعد، ويتم إقالة وزراء تربية وتعيين غيرهم من ذوي الوعود الرنّانة، ثم تُعاد الكرّة بعد ذلك بثلاث سنين. ويقدّم المحللون الأعذار نيابة عن تلاميذ بلدانهم، فيقولون، مثلاً: إن الوضع السياسي في البلد الفلاني كان، أيام الامتحان، من السوء بزمان، إلخ؛ أو يلقون باللائمة على المعلّمين وتدريبهم، فيقولون، مثلاً: لا عجب أن التلاميذ يتراجعون في أدائهم، فالمعلّمون أنفسهم غير مؤهّلين؛ أو يهاجمون حكوماتهم مباشرة، فيقولون، مثلاً: إن الحكومة لم تستثمر ما يكفي في ميدان التربية والتعليم، فاكتظّت الصفوف بالتلاميذ وغدا من المستحيل على ألمع المعلّمين أن يصقلوا مواهب تلاميذهم، وهلمّ جرّاً من الأعذار الواهية، خصوصاً عند مقارنتها بالنجاحات الباهرة في دول شرق آسيا، التي لم تشتهر يوماً لا بالاستقرار السياسي ولا بدنو مصادر اللغة الإنكليزية منها ولا بقلّة عدد تلاميذها مقارنةً بمعلّميها.
لا شكّ أن استثمار حكومة ما في ميدان التربية والتعليم له أثر ملموس في نجاحات تلاميذ ذلك البلد، فالحكومة الفنلندية، مثلاً، تدفع لمعلمي الحضانات والمدارس مبلغاً موازياً لمرتّبات الأطباء والمهندسين والمحامين، وتشترط على مَن يتقدّم للتوظيف أن يكون حائزاً على أعلى الشهادات العلمية وبأعلى الدرجات. ثم تمنح المدارس الفنلندية لتلاميذها فرص استراحة ولعب ونوم أكثر بكثير من نظيراتها في العالم، كما أنها لا تثقل كاهل تلاميذها بالواجبات البيتية، أو بالامتحانات الفجائية والأسبوعية والشهرية والسنوية، وإنما تتأكد من وصول الرسالة عبر التفاعلات الشفهية اليومية والأبحاث التحريرية الفصلية.
لكن ذلك، على أهمّيته، لا يفسّر، في حدّ ذاته، سرّ نجاح كل أولئك التلاميذ في الدول العشر الأوائل، إذ أن دول شرق آسيا لا تتبع المثال الفنلندي، لا من قريب ولا من بعيد. فما هو السرّ، إذاً؟
إن القاسم المشترك الأعظم في النظام التعليمي لكل الدول المتقدّمة تربوياً سابقة الذكر لهو التربية الموسيقية، دون أدنى شكّ. إذ يكفي أن ترى كيف يتمّ تقديم مادة الموسيقى في هذه البلدان على قدم المساواة مع كل المواد الأخرى، من اللغات إلى الرياضيات إلى العلوم والفنون بأصنافها، لا على أنها مادة ثانوية فائضة عن الحاجة تُقدّمُها في الداخل معلّمة الرياضة البدنية، وكأنها خسرت رهاناً ما، تحت عنوان «نشيد»، حين يكون الجو قائظاً أو ماطراً في ساحات مدارس بلادنا. إذ يبدو أن القائمين على التعليم في مدارسنا لم يسمعوا بمقولة أفلاطون (428 ق.م.-348 ق.م.): «لو كنتُ مسؤولاً عن التعليم لعلّمتُ الأطفال الموسيقى والعلوم والفلسفة – والموسيقى في المقام الأوّل، فقوالب الموسيقى والفنون أجمع تشكّل مفاتيح التعلّم».
وقد أثبت الطب الحديث صدق تلك المقولة، فقد وجد جـاكرافـارتي كندوري، الباحث في علم الأحياء الكمبيوتري في جامعة هلسِنكي، وزملاؤه في أواسط آذار/مارْس 2015 أن مجرّد الاستماع إلى الموسيقى الكلاسيّة كفيل بتحوير الجينات المسؤولة عن وظائف المخّ، بما فيها إفراز هورمون الدوبامين ونقله، وبثّ الإيعازات عبر المشابك العصبية، والتعلّم والذاكرة، فما بالك بتعلّم الموسيقى الكلاسيّة وأدائها؟
وكان رَوجر ولكَوت سـبرِي (1913-1994)، عالم الأحياء وطبيب الأعصاب النفسي الأمريكي، قد فاز بجائزة نوبل في الطبّ في 1981 حين أثبت في دراسات كان قد نشرها في الستينات أن ثمة أنماطا معيّنة في التفكير لكل من نصفي المخ الأيسر والأيمن اللذين يتوسطّهما جسر من الأعصاب. فالنصف الأيسر معنيّ باللغة والمنطق والتحليل والحساب والحقائق وكلمات الأغاني، أمّا الأيمن فمعنيّ بالصور والتخيّل والحدس وأحلام اليقظة والإبداع والحسّ بالإيقاع والألحان.
وبما أن الموسيقى تتطلّب من المؤدي، ضمن الكثير ممّا تتطلّبه، أن يعدّ النوطات ويقسّم قيمتها على كل مازورة في الوقت الذي يتذكّر فيه صيغة اللحن وإيقاعه فإن الموسيقى تشحذ نصفي مخّه على حد سواء – ما يؤدي إلى بث إيعازات عبر مشابك عصبية لا تعدّ ولا تحصى – ما يميّزها عن غيرها من الفنون. ويتبع ذلك أن قابلية التلميذ على تعلّم اللغات والرياضيات تزداد طرديّاً بازدياد شحذ مخّه بالموسيقى، فهو بحاجة للنصف الأيسر لتعلّم منطق الكلمات والأرقام، وللنصف الأيمن لتخيّلها في نسق لم يسبق أن مرّ عليه من قبْل، والنصفين قد خصّبتهما الموسيقى أيّما تخصيب.
أذكر مسابقة غناء الأوبرا تحت رعاية جمعية المؤلّف الإيطالي أُومبَيرتو جيوردانو (1867-1948) حضرتها في مدينة لُوجيرا بإيطاليا الأخّاذة في أوائل شباط/فبراير 2013. وكان أن أعلنت المتحدّثة باسم لجنة التحكيم أننا سنستمع إلى خمسة وعشرين متسابقاً. ثم توالى المتسابقون، من ايطاليين وأوروبيين وأجانب، ووجدت على الفور أن المتسابقين من كوريا الجنوبية والصين كانوا أدقّ في التلفّظ بكلمات أغانيهم بمراحل – رغم أن الايطالية أبعد ما تكون عن لغاتهم الأم – وأعمق تعبيراً في غنائهم – رغم أن طراز الغناء هذا غريب عن شرق آسيا كل الغرابة – من المتسابقين الايطاليين الذين قد يفترض المرء فيهم أنهم متشرّبون حتى نخاع العظم منهم بثقافة الأوبرا الايطالية وبلغتهم الأم، لكن الواقع كان خلاف ذلك بكثير.
ولا يمكنني وصف أداء المتسابقين الايطاليين في تلك الجولة إلا بالتكاسل، وكأن لسان حالهم كان يقول: «لا داعي أن أجتهد في التلفّظ بالكلمات، فأبناء قومي سيفهمونني» متناسين بذلك ما كان قد قاله أحد أشهر أبناء قومهم، قائد الأوركسترا آرْتُورَو تَوسكانيني (1867-1957): «إن الأوبرا مسرحية مغنّاة، فإذا لم يتسنّ للجمهور أن يسمع ويستوعب كل كلمة تُغنّى، فسيغفو في سبات عميق!» علماً بأنه قال ذلك في حقّ ماريّا كالاس (1923-1977)، مغنّية السوبرانو الإغريقية- الأمريكية وإحدى ألمع نجوم الأوبرا العالمية قاطبة.
فماذا نستنتج ممّا تقدّم؟ ثمّة فرق شاسع بين أن يتعلّم المرء لغة أجنبية بقصد الغناء فيها – لا سيّما إذا اقترن تفانيه في ذلك بموهبة موسيقية مصقولة هي بدورها – وأن يغني آخر بلغته الأم دون أن يكون مقتربه من النَّص مقترب امرئ أجنبي منه، مهما تكن موهبته الموسيقية مصقولة، لأن الأذن بطبيعتها تشرئب لتدرك الكلمات المغنّاة، وعندما تعجز عن إدراكها، تملّ عملية الاستماع كلّيّاً، وتهرب من حاضرها. وهذا ما عناه توسكانيني في مقولته.
لقد صادف أن ممثّلة مسرحية وتلفزيونية ايطالية من أهالي مدينة لُوجَيرا، لكنها غير مطّلعة على دقائق ثقافة الأوبرا، جلست بجانبي خلال أحداث تلك المسابقة. ولأنها كانت قد اتّخذت من المسابقة مناسبة لكتابة مدَوّنة لها، فقد راحت تسألني عن حظوظ كل متسابق كتابةً، كي لا نزعج المتسابقين ولجنة التحكيم والحضور. وعندما جاء دور مغنّية السوبرانو الصينية، شارِن جاي، توقّعتُ أن تفوز بجائزة ما. وعندما جاء دور مغنّي الباريتون من كوريا الجنوبية الذي اشتهر بلقبه العائلي، جوي – لأن اسمه الأول كان يتكوّن من خمس مقاطع لن يقوى على تذكّرها أحد – توقّعت أن ينال ما لا يقلّ عن ثلاث جوائز. وتبيّن فيما بعد أن المغنّية الصينية فازت بجائزتها فعلاً وأن لجنة التحكيم أغدقت على المغنّي الكوري الجنوبي خمس جوائز.
وقد فاز هذان المغنّيان بتلك الجوائز عن جدارة، وتغلّبا على أقرانهما بفوارق كبيرة، أهمّها أنهما أدّيا الأغاني على نحو متكامل شدّ انتباه الجمهور إلى الدرجة التي جعلته يستغرق في أدائهما وينسى أنه في مسابقة بمرافقة البيانو، لا بمرافقة الأوركسترا، حسب رغبة المؤلف. بل إن الأداء هذا كان يجري في قاعة البلدية، لا على خشبة المسرح.
وها هــمـا هــذان المغنــّيان، جاي وجوي، يتمتّعان بثمرات تفانيهما على مسارح ايطاليا وأورُوبا ويسحران جماهيرهما.
بشّار عبد الواحد لؤلؤة