كان رمضان تنظيم «الدولة» الإسلامية هذا العام دام باقتدار، فقد نفذ ناشطون مرتبطون به أو استلهموا عقيدته الجهادية وتأثروا بدعايته سلسلة من الهجمات التي استهدفت عواصم دول مسلمة وسقط فيها مئات القتلى والجرحى. وانقسم المراقبون لصعود التنظيم الجديد حول حملة التفجيرات الأخيرة وإن كانت مرتبطة بانتكاساته على الساحة الميدانية أم محاولة منه لريادة الجهادية العالمية وتأكيد حضوره في كل مكان.
ويرى المسؤولون الأمريكيون أن الزيادة في العنف الإرهابي مرتبط في جزء منه بخسارة التنظيم لمناطق في العراق وسوريا والحملة العسكرية الأمريكية المكثفة ضده. ويعترفون في الوقت نفسه أن الرقعة الجغرافية التي جرت فيها الهجمات من بغداد إلى اسطنبول ودكا تؤشر على تفوقه المادي والعسكري وتكشف عن مدى الدعم الذي يلقاه أكثر من ذلك الذي يحظى به تنظيم القاعدة المنافس له. فتنظيم «الدولة» له حضور في عدد من الدول ويعتمد على آلة دعائية متفوقة تجعل من الصعوبة بمكان السيطرة عليه واحتوائه. ففي العام الثاني من عمره استخدم شهر رمضان كمناسبة لتصعيد العنف الجهادي وبطريقة قاتلة. وأشار مدير وكالة الإستخبارات الأمريكية (سي آي إيه) جون برينان إلى أن «تنظيم القاعدة في ذروة نشاطه كان يتبعه آلاف من الأشخاص. أما تنظيم «الدولة» فلديه عشرات الآلاف من الأشخاص الموزعين ليس في الشرق الأوسط بل في غرب أفريقيا وجنوب شرق آسيا وأبعد». وكان برينان يعلق على قدرة التنظيم مباشرة بعد هجوم نفذه ثلاثة على مطار اسطنبول وقتلوا 41 شخصا ثم تبعه هجوم على بغداد وقتل فيه 292 شخصا وهاجم آخرون مقهى في دكا العاصمة البنغلادشية، ونفذ ثلاث هجمات متفرقة في السعودية واحد منها قرب الحرم النبوي. وفي الشهر الماضي قتل شخص تأثر بدعاية التنظيم 49 شخصا في هجوم على ناد للمثليين في مدينة أورلاندو- فلوريدا. ومع أن برينان قاد أثناء عمله مع الرئيس أوباما في ولايته الأولى حملة الطائرات بدون طيار ضد ناشطي القاعدة في الباكستان وأفغانستان إلا أنه كان مترددا في الحديث عن قدرة الولايات المتحدة على إضعاف تنظيم «الدولة». وفي تصريحات له بمجلس العلاقات الأمريكية قال فيها إن الولايات أمامها طريق طويل «قبل أن نكون قادرين على قول أننا حققنا تقدما مهما ضدهم».
إعلان المسؤولية
وأعلن تنظيم الدولة مسؤوليته عن هجومي بغداد ودكا ولكن المسؤولين الأتراك حملوه مسؤولية الهجوم على مطار اسطنبول ولم يعلن طرف مسؤوليته عن هجمات السعودية. وتنقل صحيفة «فاينشال تايمز» (6/7/2016) عن الأكاديمي فواز جرجس من مدرسة لندن للاقتصاد ومؤلف كتاب «داعش» قوله، إن الهجمات التي لم يعلن التنظيم مسؤوليته عنها تغذي جهود الدعاية. وأضاف «يريدون التجنيد وإظهار قدراتهم العملياتية. وهو جزء من شعار باقية وتتمدد». وأضاف أن هذه الهجمات «تضاعف القوة وهناك سببان لها: فهي تعوض عن الخسائر في ساحات المعارك وتستخدم الشهر المبارك لتعبئة الأتباع». ويشير جرجس إلى طبيعة المنفذين واختلاف أرضياتهم الاجتماعية، ففي دكا جاء المنفذون من الطبقة المتوسطة العليا بشكل يؤشر إلى أن «لديه أرصدة» وأضاف «إنهم يخوضون حربا وجودية وماضون في حربهم حتى النهاية باستخدام كل ما يمنحهم النصر». وكان المتحدث باسم التنظيم أبو محمد العدناني قد دعا في تسجيل صوتي أتباع ومؤيدي التنظيم للقيام بهجمات في أثناء رمضان. وهو الأسلوب نفسه الذي اتبعه في عام 2015 بنتائج دموية حيث شملت هجماته فرنسا والكويت وتونس وسوريا. وجاءت حملة هذا العام بعد خسارته واحدا من أهم معاقله وهي مدينة الفلوجة التي كانت من أول المدن العراقية التي تقع في يد التنظيم بداية عام 2014. وتقول وزارة الدفاع الأمريكية أن التنظيم خسر نصف أراضيه في العراق و 20٪ من أراضيه في سوريا ولكنه لا يزال يسيطر على مدينة الرقة في سوريا والموصل في العراق. وعانت ميزانية التنظيم بسبب الضربات الجوية لموارده من تقلص، حيث يقدر ما يحصل عليه سنويا بحوالي 150 مليون دولار أمريكي. واستهدف التحالف الدولي عددا من قياداته فيما انخفض عدد المقاتلين الأجانب بسبب الرقابة الجيدة على الحدود التركية ـ السورية. ويرى المسؤولون الأمريكيون أن الرقابة على الحدود أدت بالتنظيم لتحويل المقاتلين إلى ليبيا أو أمرهم بالبقاء في بلادهم لتشكيل خلايا نائمة فيها. ويرى أنتوني بيلكن، نائب وزير الخارجية ان تنظيم «الدولة» «يلجأ لنوع مختلف من الإرهاب بسبب خسائره في ساحة المعركة». وأضاف «لو جردتهم من المناطق وأخذت منهم الأساس يبدأ كل الصرح بالتداعي» و»لهذا السبب يضربون في كل مكان».
تكيف
وفي تفسيرها للعنف الدموي الذي يمارسه التنظيم ترى صحيفة «نيويورك تايمز» (5/7/2016) أنه نوع من «التكيف» مع تراجع حظوظه في الميدان، وتعبر في الوقت نفسه عن حالة من اليأس بعد خسارته نسبة كبيرة من مناطقه. وعلقت الصحيفة على الإجراءات التي اتخذها حيدر العبادي فيما بعد تفجير بغداد والتي قالت إنها لم تكن مشجعة مثل تنفيذ إعدامات في عدد من عناصر تنظيم الدولة، وبعض الإجراءات الأمنية الضعيفة. وفي حالة فشل العبادي بتأمين مدينة بغداد فقد يضطر لاستدعاء الوحدات التي تقاتل التنظيم في مناطق أخرى. وسيؤثر هذا على الخطط الأمريكية لاستعادة الموصل. وتعتقد الصحيفة ان الموجة الأخيرة من الهجمات تكشف عن تنظيم متفوق وله حضور أكثر من القاعدة وشبكة مؤمنين ولهذا يحتاج لرد معقد. وعليه فالغارات الجوية ليست الحل الوحيد، فهناك حاجة لتحسين المعلومات الأمنية وتنسيق العمليات للعثور على الإرهابيين قبل تنفيذهم العمليات واستراتيجيات أفضل لمواجهة دعاية التنظيم. وتظل هناك مشكلة مركزية وهي التوتر بين دول المنطقة والذي منع التنسيق الجيد لمواجهة تنظيم «الدولة». فهجوم اسطنبول يجب أن يقنع تركيا، وهي عضو في الناتو للمشاركة بطريقة أعمق في القتال ضد التنظيم خاصة في سوريا. كما يجب أن تعمل الولايات المتحدة بشكل قريب مع إيران في العراق. وأثرت العلاقات المتوترة بين العراق والسعودية على جهود مكافحة الجهاديين. وفي الوقت الذي يرى الخبراء أن تنظيم «الدولة» سيتلاشى بسبب خسارته مناطقه إلا أنه سيواصل عملياته الانتحارية في العراق. وعليه فإن اراد العبادي والقادة الشيعة حماية الشعب العراقي فعليهم دعم العرب السنة المحرومين والذين يحاول تنظيم «الدولة» استغلالهم. وحسب الصحيفة فهذه المشكلة الأمنية والسياسية التي فشل قادة العراق وبشكل مستمر في معالجتها.
هوس ترامب
ولأول مرة تنتبه فيها التعليقات الصحافية للثمن الذي يدفعه المسلمون من هجمات تنظيم «الدولة». فالحملة الأخيرة استهدفت دولا مسلمة ومسلمين. ومن هنا تعلق صحيفة «واشنطن بوست» (5/7/2016) قائلة إن الهجمات الأخيرة تكشف عن حقيقة مهمة تجاهلها المرشح الجمهوري المفترض دونالد ترامب، وهي ان الجهاد الإرهابي هو في النهاية حرب داخل الإسلام. والمسلمون هم أول الضحايا وهم من يستطيعون تحقيق النصر الحاسم ضده. وفي استعراضها للهجمات التي قتلت 290 شخصا منذ نهاية حزيران/يونيو تقول إنها نفذت على مناطق حساسة وفي السعودية استهدفت الحرم الشريف في المدينة مما يضع تحديات أمام المؤسسة السعودية التي قاتلت للحد من انتشار تأثير القاعدة وتنظيم الدولة. ورغم انتقاد الصحيفة للموقف التركي والسعودي من الحرب ضد تنظيم «الدولة» وبطء الرد عليه إلا أن أحداث الأسبوع الماضي تذكر الحكومات السنية وبوضوح إنها حليف مهم في مكافحة «الدولة الإسلامية» وفي الوقت نفسه تواجه خطرا محتوما منها. وعليه فالسياسة التي يدعو إليها ترامب التي لا تفرق بين أعداء «الدولة الإسلامية» وعناصرها ستفضي للقضاء على القوى التي بيدها هزيمة الجهاديين. وتضيف أن معسكر ترامب يقول إنه لن يمنع كل المسلمين ولكن القادمين من «دول الإرهاب»، فهل هذا يعني منع القادمين من السعودية التي جاء منها معظم منفذي هجمات إيلول/سبتمبر 2001؟ وهل سيتراجع ترامب عن التزامات الولايات المتحدة لحماية دول الخليج أو دولة مثل تركيا، عضو الناتو؟ ولو فعل هذا فكيف سيتعاون المرشح الرئاسي مع مسؤولي الأمن ومكافحة الإرهاب الذين يحاولون البحث عن منفذي الهجوم على قبر النبي محمد والقنصلية الأمريكية في جدة؟ وترى الصحيفة ان مواقف ترامب المعلنة تشير إلى أن رئاسته ستكون مضرة لمكافحة الإرهاب.
اللادولة الإسلامية
ويظل التهديد حاضرا من تنظيم «الدولة» الذي تضعف خلافته ويطرد من معاقله العراقية والسورية وباتت عاصمته الرقة في مرمى الخطر، أما الموصل فليست بعيدة عن السقوط، مع أن المعركة لاستعادتهما ليست بالهينة خاصة أن الجهاديين سيقاتلون بشراسة من أجل الإحتفاظ بهما. فخسارة المناطق تعني نهاية حلم الخلافة ويوتوبيا الدولة الإسلامية التي استقطبت أعدادا من المسلمين المحرومين. وسيخسر بالتالي مشروعيته التي تميز بها عن بقية الحركات الجهادية كالقاعدة. وترى مجلة «إيكونوميست» (9/7/2016) ان تنظيم «الدولة» أصبح حركة إرهابية تقليدية بلا وطن. وأشارت لتصريحات العدناني في أيار/مايو التي أكد فيها أن جماعته لا تقاتل من أجل الأراضي. فهي بالتأكيد ستدافع عنها ولكن خسارتها لا تعني الكثير للحركة الجهادية، ولهذا حث المتعاطفين مع تنظيمه للقيام بحملات ضد الأعداء مهما كان العمل صغيرا. وترى المجلة أن استجابة عدد من الأفراد لدعواته وفرت للتنظيم فرصة لحرف الأنظار عن فشله في العراق وسوريا، مما دعا عددا من المحللين لتوقع زيادة الهجمات في الفترة المقبلة. ويرى فواز جرجس، من مدرسة لندن للاقتصاد أن «الأشهر الـ12 المقبلة ربما كانت أكثر دموية من الأشهر الـ12 الماضية». وترى المجلة أن استراتيجية التنظيم لا تقوم على رد فعل بل أرسال الناشطين إلى الغرب منذ سنوات. فالهجمات الأخيرة على باريس وبروكسل واسطنبول تشير إلى أنها من عمل شبكات متقدمة. وتقول إن التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة صعد الضغط على التنظيم وأثر على ماليته. ويرى جون برينان أن «على الجماعة أن تواجه خسائر فادحة من ناحية القوة البشرية والمالية كي تتراجع قوتها بشكل مميز». ويعتقد المحللون ان تنظيم «الدولة» بدون دولة سيفقد جاذبيته وسيعجل بتسرب جنوده. لكن ويليام ماكانتس من معهد بروكينغز يرى أن خسارة المناطق قد تزيد من دافعية مقاتليه. وأشار إلى تجربة التنظيم في نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين في العراق عندما بدا وكأنه هزم «وكانت هذه اللحظة التي بدأ فيها الجهاديون بحمل الراية». ففي تلك الفترة كان التنظيم جزءا من القاعدة قبل أن ينفصل عنها عام 2014. والتنظيمان الآن في حالة حرب. ويتوقع أن يخسر الموصل والرقة في العام المقبل أو بعده ومن هنا فسيحاول التعويض عن خسائره بحملة إرهاب دولية. وكما يقول جون برينان «نتوقع قيامه بحملة إرهاب دولية من أجل الحفاظ على سيادته لإجندة الإرهاب الدولي». ومع ذلك لن يتخلى التنظيم عن طموحات «الخلافة» لأن الظروف التي أدت لظهوره في المقام الأول لم تتغير كثيرا، فلا تزال تحكم كلا من سوريا والعراق حكومات غير قوية، وعندها من سيمنع التنظيم من العودة إلى مدنه التي خسرها؟
إبراهيم درويش