برز تنظيم «الدولة الإسلامية» كاحد أهم منفذي العمليات الانتحارية في المنطقة العربية خلال مرحلة ما بعد تراجع دور تنظيم القاعدة في تنفيذ هجمات انتحارية في مختلف البلدان «المعادية» له من منطلق استهداف العدو البعيد أولى من العدو القريب. وتندرج هجمات الحادي عشر من سبتمبر/ايلول ضمن هذا المفهوم الذي عمل تنظيم «الدولة» عكسه حيث ركز معظم هجماته على العدو القريب، مع عدم اغفال العدو البعيد، أو على الأقل الموازنة بين العدوين القريب والبعيد.
ويقف تنظيم «الدولة» منذ اب/أغسطس 2014 في مواجهة تحالف دولي واسع ضمّ حوالي 70 دولة عربية وغير عربية بقيادة الولايات المتحدة أدى إلى خسارته مدنا ومساحات شاسعة في مناطق وسط وغرب العراق، وبدرجة أقل في الحسكة وريف الرقة وريف حلب في سوريا، كما هو الحال في ليبيا أيضا، هذه الخسارة على ما يبدو شجعته على نشر مجنديه في عشرات الدول مع تسريع واضح في الجدول الزمني لتنفيذ عملياته التي شهدت نشاطا مكثفا في فترات زمنية متقاربة على نطاق جغرافي متنقل يهدد أمن واستقرار تلك الدول ومصالحها.
وشن تنظيم «الدولة» عددا من الهجمات العنيفة في بلدان أوروبية مشاركة في التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة إلى جانب دول عربية وإسلامية وأوروبية للقضاء على التنظيم في العراق وسوريا، ومن بين أكثر الهجمات دموية استهداف العاصمة الفرنسية باريس بعدد من الهجمات في مواقع عدة بشكل متزامن في ساعة متاخرة من ليلة 13 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي راح ضحيتها أكثر من مئة قتيل واصابة مئات آخرين.
ويحاول اتباع استراتيجيات جديدة تعتمد على نشر عناصره على أوسع رقعة جغرافية في بلدان العالم على شكل خلايا متفرقة يصعب استهدافها قياسا إلى مراكز تجمعهم في مدن خاضعة لسيطرتهم مثل الموصل والرقة، خاصة بعد خسارته عددا كبيرا من مقاتليه في معركة الفلوجة قبل أسابيع. وتشير عمليات التنظيم إلى تواجد بشكل ما في دول استهدفتها هجمات متنوعة في المنطقة وخارجها، مثل تركيا وبنغلادش ونيجيريا ومصر والكويت والسعودية ولبنان وليبيا وتونس وعدد من العواصم الأوروبية .
يذهب سياسيون ومحللون إلى ان تكثيف تنظيم «الدولة» هجماته الخارجية واتساع رقعة نشاطاته يشير بشكل ما إلى ان خسارته لمساحات واسعة في العراق أرغمته على اتباع هذه التكتيكات للخروج من حالة اليأس، كما عبر عنها وزير الخارجية الأمريكي جون كيري. في مقابل هذا يرى آخرون ان للتنظيم أيديولوجية فكرية خاصة به تعطيه عنصر الديمومة والبقاء حتى مع فقدانه جميع الأراضي التي يسيطر عليها، كما انه سبق ان خسر مناطق سيطرته في العراق خلال عامي 2006 و2007، لكنه عاد بشكل أكثر قوة وباستراتيجيات مختلفة دللت على خبرات مضافة وقدرات قتالية أكبر إضافة إلى قيادات وكوادر مؤهلة بشكل ما لإدارة المدن وفرض الأمن.
ومن أكثر ما يثير قلق الدول المستهدفة بهجمات التنظيم تلك التي يشنها أشخاص بشكل منفرد يوفر لهم فرصة التخفي عن الأجهزة الأمنية وإمكانية اختراق التحصينات أو أجهزة المراقبة الأمنية بشكل أكثر سهولة من الهجمات التي تحتاج إلى خلية أو فريق عمل مكون من عدة أشخاص.
ووفق بيان وزعته وكالة «أعماق» معززا برسوم بيانية حددت عدد الهجمات والأهداف وخسائر الأطراف التي استهدفتها تلك الهجمات خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2016 حيث نفذ تنظيم «الدولة» 489 عملية في العراق وسوريا وليبيا، منها 119 عملية خلال شهر أيار/مايو فقط، وهو مؤشر واضح على تغيرات جذرية في تكتيكات التنظيم وتركيزه على هذا النمط من العمليات العنيفة.
وكانت وزارة الخارجية الأمريكية نشرت بيانا صحافيا في حزيران/يونيو أشارت فيه إلى ان جميع المنظمات الإرهابية نفذت 726 هجمة انتحارية خلال العام 2015 في مختلف أنحاء العالم، بمعدل 60 عملية في الشهر الواحد، أو عمليتين في اليوم الواحد لجميع المنظمات المصنفة على قائمة المنظمات الإرهابية، وهو رقم متواضع نسبيا قياسا إلى عمليات التنظيم التي بلغت أربع عمليات في اليوم الواحد خلال شهر أيار/مايو 2016 أكثر من ثلثيها في العراق بسبب ارتفاع حدة القتال في محافظة الانبار، في الفلوجة ومحيطها وأيضا في مناطق عدة في محيط مدينة الرمادي.
بعتمد تنظيم «الدولة» في شن الهجمات الانتحارية خارج مناطق سيطرته في العراق وسوريا على مواطنين مسلمين يحملون جنسيات تلك البلدان. فقد نفذ هجمات باريس مواطنون فرنسيون وبلجيكيون بعضهم عاد من العراق وسوريا بعد تلقيهم التدريبات. ويتبع التنظيم تكتيكا يوحي بحضوره في عمق مجتمعات الدول الغربية المستهدفة من خلال استخدامه مواطني تلك البلدان في عملياته الانتحارية وامكانية تجنيدهم خدمة لسياساته.
وكان مواطن لبناني يدعى معين أبو ظهر من مدينة صيدا قد فجر سيارته المفخخة بالقرب من السفارة الإيرانية في منطقة بئر حسن في بيروت في سابقة أثارت قلق الجهات الأمنية التي لم تسجل حالة تفجير لبناني نفسه في السابق، وكان أبو ظهر قد انتقل من الكويت إلى سوريا ثم إلى لبنان، وقد تبنى تنظيم «الدولة» العملية بشكل رسمي. تزامن التفجيرات الانتحارية في توقيتات متقاربة نسبيا مع اختلاف الرقعة الجغرافية التي انتقلت من بنغلادش إلى لبنان وتركيا ثم السعودية وبعدها العراق الذي شهد تفجيرا راح ضحيته حوالي 300 شخص في منطقة الكرادة وسط بغداد نفذه بسيارة مفخخة «أبو مها العراقي» حسب بيان وكالة «أعماق».
وتبنى تنظيم «الدولة» هجمات دكا وبغداد لكنه أحجم عن تبني الهجمات المتزامنة في السعودية وقبلها هجمات مطار اتاتورك في إسطنبول التركية. لكن مسؤولين اتراكا قالوا ان الهجمات تحمل بصمات تنظيم «الدولة» في حين كشفت الحكومة التركية عن هوية الانتحاريين الثلاثة وهم روسي والثاني من أوزبكستان والثالث من قرغيزستان، ونقل بن علي يلدريم، رئيس الوزراء التركي، ان تحقيقات الجهات الأمنية تشير إلى أنّ «الإعتداء الإرهابي نفّذه تنظيم ما يسمى بالدولة الإسلامية».
وشهدت بلدة القاع اللبنانية ذات الغالبية المسيحية على مسافة أقل من سبعة كيلومترات عن الحدود مع سوريا التي يسيطر حزب الله اللبناني على مواقع في محيطها سلسلة منظمة من ثماني هجمات في 27 حزيران/يونيو استهدفت تجمعا لمواطنين أمام كنيسة البلدة بثلاث هجمات متتالية خلال دقائق قبل ان يحاول اثنان من المهاجمين تفجير نفسيهما اضطر أحدهما إلى تفجير نفسه دون وقوع إصابات بعد مطاردة وحدة من المخابرات اللبنانية لهما. وتصاعدت حملات نادت بترحيل السوريين من لبنان بالتنسيق مع الحكومة السورية في مقابل أصوات أخرى تعارض مثل هذه الإجراءات إلاّ بعد إحلال السلام في سوريا. وخلال الأسبوع الأخير من شهر رمضان، وفي ليلة 4 تموز/يوليو شهدت المملكة العربية السعودية هجمات انتحارية في مدينة القطيف ذات الغالبية الشيعية قرب إحدى الحسينيات، وتفجيرا آخر في المدينة المنورة قرب المسجد النبوي، كما استهدف تفجير انتحاري مبنى القنصلية الأمريكية في جدة في ساعة متقدمة من فجر اليوم نفسه التي سبق ان تعرضت لهجوم مسلح في العام 2004 قتل على اثره خمسة موظفين. وأعلنت الداخلية السعودية ان الانتحاري ويدعى عبد الله قلزار خان باكستاني الجنسية، من مواليد باكستان، ويقيم في مدينة جدة مع زوجته ووالديها بعد أن قدم إليها قبل 12 عاماً للعمل كسائق خاص. وهي المرة الأولى التي ينفذ فيها مقيم على الأراضي السعودية هجوما انتحاريا قامت على اثره الداخلية السعودية باعتقال عدد من الباكستانيين «بعضهم مرتبط بتنظيم داعش الإرهابي» لكن الوزارة لم تصرح بانتماء الانتحاري إلى التنظيم بشكل قاطع، كما يفهم من تصريحات المتحدث الرسمي باسم وزارة الداخلية التي قال فيها ان «هذه الجرائم مرتبطة بنسبة عالية بتنظيم داعش».
لم يتبن تنظيم «الدولة» هذه التفجيرات كما لم ينف مسؤوليته عنها، لكن وزارة الداخلية السعودية أشارت إلى قيام أحد السعوديين بتفجير نفسه في المدينة المنورة ونشرت صورة له قالت ان اسمه نائر مسلم حماد النجيدي البلوي.
وسبق لتنظيم «الدولة» ان تبنى تفجير موقف خارجي مخصص لدوريات قوة أمن الطرق في الاحساء شرق المملكة العربية السعودية بعبوة ناسفة في 29 نيسان/ابريل الماضي، كما تبنى في 6 اب/أغسطس الماضي تفجير مسجد قوات الطوارئ في ابها أدى إلى مقتل 15 شخصا، بينهم رجال أمن، بتفجير انتحاري نفذه أبو سنان النجدي وسط «عناصر قوات الطوارئ بعد اختراق الأطواق الأمنية للمعسكر»، وفق بيان وزعته وكالة «أعماق» المقربة من التنظيم، لكن وسائل إعلام سعودية بثت صورا لتفجير داخل المسجد. كما تبنى تنظيم «الدولة» تفجيرا استهدف إحدى الحــسينيات في بلدة القديح شرق الســعودية أوقع 21 قتيلا وأكثر من مئة جريح في أيار/مايو من العام نفسه.
وائل عصام ورائد الحامد