باتت الهجمات الانتحارية السلاح الأكثر فتكا والأشد رعبا الذي توجهه التنظيمات الإرهابية تجاه أهداف منتقاة في مختلف دول العالم، عادة ما تتمثل بالجزء الرخو من المجتمعات، وهي بشكل رئيسي الأهداف المدنية. ويرى الكثير من المحللين والدارسين صعوبة التعامل العسكري والاستخباراتي مع الأمر، خصوصا ان تنظيمات إرهابية مثل «القاعدة» وتنظيم «الدولة» وشبيهاتها باتت معروفة بأنها لا تتبع شكل المنظمة التقليدي الذي ترتبط خلاياه ببعضها البعض، انما تحولت إلى نوع من المنهجية الفكرية التي تنظم أو ينضوي تحت مظلتها العقائدية مختلف التوجهات التي لا ترتبط ببعضها إلا عبر مصادر شديدة الاختفاء، تنظم التمويل أو المساعدة اللوجستية، وهذا الأمر هو ما يسهل تحركاتها وضرباتها التي يصعب التكهن بها والسيطرة عليها.
عجز في المواجهة
وقد تعرضت دول عادة ما توصف أجهزتها الأمنية والاستخباراتية بقدرتها الكبيرة ودقتها وكفاءتها العالية مثل دول أوروبا وأمريكا لهجمات من هذا النوع دون ان تتمكن الجهات الأمنية والاستخباراتية من توجيه ضربات استباقية للتنظيمات الإرهابية. لكن من جانب آخر يشير بعض الدارسين إلى ان العديد من المحاولات الإرهابية يتم افشالها قبل وقوعها، لكن الأمر لا يأخذ صداه الحقيقي لان الإعلام لا يسلط الضوء على هذه العمليات لأسباب أمنية أو سياسية، بينما ضربة واحدة ينجح في تنفيذها الإرهابيون تحيل حياة مجتمع كامل إلى الاضطراب والرعب من القادم المختفي تحت قناع مجهول.
الاستراتيجية القديمة تتجدد
اليوم مر على استخدام العمليات الإرهابية التي تضرب المدنيين حوالي العقدين، ومع ذلك تكاد تكون الأهداف والتكتيكات دون تغيير يذكر. ومع دخول تقنيات جديدة ساعدت الإرهابيين، إلا ان المنهجية ما زالت هي نفسها، إذ ان هنالك أهدافا سياسية أولا، وعسكرية ثانيا، وإعلامية ثالثا. وربما يكون الجيل الأخير من الإرهابيين المتمثل بتنظيم الدولة هو الأبرز في استخدام هجمات الانتحاريين بواسطة الأحزمة الناسفة أو السيارات الملغمة بمختلف الأحجام والأنواع. فالمعروف اليوم ان عصابات «داعش» تستخدم تقنيات التلغيم عسكريا في كل المعارك التي خاضتها سواء بالهجوم على المدن أو في الدفاع عن المدن التي تحصنت فيها، كما ان مقاتلي التنظيم غالبا ما يكونون مرتدين أحزمة ناسفة قد يفجرونها في اللحظة الأخيرة عند محاصرتهم. أما الهدف السياسي فهو ايصال رسائل سياسية للشركاء والداعمين للحصول على مزيد من الدعم، وإعلان الموقف السياسي من الآخر الذي يقاتله التنظيم. أما أهم الأهداف فهي الإعلامية، التي تصب في أكثر من جانب، فهي تنقل رسائل لمقاتلي التنظيم لتعزز من وضعهم النفسي، وفي المقابل ترسل رسائل لأعداء التنظيم لترهيبهم على قاعدة (جئناكم بالقتل) الشعار المركزي الذي يرفعه التنظيم في عملياته، كما ان الجانب الدعائي يمثل محورا رئيسيا، حيث يستخدم لكسب عناصر جدد عبر اقناعهم بجبروت وقوة التنظيم من خلال بث تسجيلات الفيديو للعمليات الإرهابية على شبكة الانترنت التي باتت ساحة رئيسية لتجنيد العناصر الجدد وكسبهم كمقاتلين وانتحاريين يضافون إلى دوامة الدم التي يسعى تنظيم الدولة لإدامة زخمها.
تداعيات الحرب على «داعش»
لقد شهدت الساحة الإقليمية في شهر حزيران/يونيو الأخير احتدام المعارك على أكثر من جبهة وفي أكثر من مدينة يتحصن فيها تنظيم «داعش» في سوريا والعراق، وقد تم تحرير مساحات واسعة واستعادة مدن مهمة كان التنظيم الإرهابي يراهن على بقائه فيها مثل الرمادي والأنبار في العراق والمدن والقرى المحيطة بالرقة السورية، وبعد الخسارة الكبيرة التي مني بها تنظيم الدولة بالأفراد حيث تشير الاحصاءات إلى مقتل أكثر من 3000 مقاتل من تنظيم داعش في معارك الفلوجة الأخيرة، كان أمرا متوقعا ان يلجأ التنظيم إلى عمليات انتحارية تضرب المناطق الرخوة في العراق وفي محيطه الاقليمي، والأغراض المرتجاة من ذلك عديدة، في مقدمتها ارسال الرسائل أن التنظيم ما زال قادرا على توجيه ضربات موجعة لأعدائه، كما ان رد الفعل الغاضب للمدنيين من ذوي الضحايا الذين يسقطون في هذه الهجمات ستنصب على الحكومة الضعيفة غير القادرة على حمايتهم، بالإضافة إلى تأجيج الاحتقان الطائفي الذي سيصب في النهاية في صالح تنظيم الدولة ويصوره بصورة المدافع عن السنة المتهمين بالإرهاب من قبل الشيعة وغيرهم من شركاء الوطن.
الهجمات في المنطقة الإقليمية
عدة هجمات شهدتها المنطقة، ففي الأردن تم الهجوم على مراكز أمنية، كما شهدت المملكة العربية السعودية هجمات في القطيف وجدة والمدينة المنورة، وفككت القوات الأمنية الكويتية شبكة لإرهابيي «داعش» كانت تنوي القيام بهجمات مماثلة لما حدث من هجمات سابقة على مساجد الشيعة في الكويت، كذلك ألقت قوات الأمن الإيرانية القبض على شبكة لتنظيم «الدولة» كانت تعد لخمسين هجوما بسيارات ملغمة بشكل متزامن في مختلف المدن الإيرانية، أما في العراق الساحة الأكثر سخونة في المواجهات، فقد شهد العديد من الهجمات الانتحارية وزرع العبوات الناسفة في العديد من أحياء بغداد، لكن الهجوم الأكثر إيلاما كان على مراكز التسوق في الكرادة بسيارة مفخخة في ساعة الذروة بعد الافطار في ليلة القدر يوم الأحد 3 تموز/يوليو الماضي الذي أودى بحياة أكثر من 292 شهيدا وما يقارب هذا العدد من الجرحى، ويعد هذا الهجوم الأعنف منذ سنوات من ناحية الخسائر الناتجة عنه، وقد أعلن تنظيم «داعش» مسؤوليته عن الهجوم الذي قام به انتحاري يدعى (ابو مها العراقي) بسيارة ملغمة فجرها في منطقة الكرادة التي كانت تشهد حركة تسوق كبيرة قبيل عيد الفطر مما أدى إلى ان تكون الخسائر الأكبر بين الأطفال والنساء والشباب، ودفعت حالة الغضب بالشارع البغدادي إلى مطالبة الحكومة باجراءات رادعة تجاه المسؤولين الأمنيين في قيادة قوات عمليات بغداد المسؤولة عن الأمن في العاصمة، ووجه رئيس الحكومة حيدر العبادي بفتح تحقيق موسع في الحادث لمعرفة المقصرين، كذلك دفعت تداعيات الهجوم الأخير وزير الداخلية العراقي محمد الغبان إلى تقديم استقالته التي أشارت بعض التسريبات إلى قبولها من قبل رئيس الحكومة، كما دعا ناشطون مدنيون أهالي الضحايا للقيام بمسيرات احتجاجية قرب المنطقة الخضراء تطالب بالكشف عن الفاسدين واحالتهم للقضاء بتهم الإهمال وحتى التواطؤ والرشوة التي تسببت في تسلل السيارات الملغمة إلى المناطق المدنية الحيوية في العاصمة ومدن العراق الأخرى.
«رقصة الموت الأخيرة»
وقد أشار بعض المراقبين إلى ان ما نشهده من تصاعد حدة الهجمات الانتحارية التي يقوم بها تنظيم «الدولة» الإرهابي أخيرا ما هي إلا «رقصة الموت الأخيرة» كما سموها، بعد تكبده الخسائر الكبيرة وعدم مقدرته على الصمود في معركة تحرير الموصل التي بدأت أولى تحركاتها مؤخرا، بينما خالف البعض هذا الرأي، واعتبر العمليات الانتحارية استراتيجية يستخدمها التنظيم الإرهابي لكسب المزيد من الرصيد وتجنيد الانتحاريين الجدد وكسب الدعم المادي والمعنوي الذي تقدمه له حواضنه وبعض الجهات الداعمة له، وان هذه الهجمات هي الورقة الضاغطة التي لن تتنازل عنها التنظيمات الإرهابية. فبالرغم من ان استراتيجية تنظيم الدولة اختلفت عن استراتيجيات ما سبقه من تنظيمات إرهابية عبر احتلال الأرض ومحاولة بناء نمط أولي بدائي لشكل (الدولة الإسلامية) إلا ان ذلك لا يعني تخليه عن استراتيجية التوحش القائمة على ايذاء المدنيين وارعابهم مما يخلق جوا مفعما بالفوضى واليأس والتخبط وروح الانتقام، حيث توفر كل هذه العوامل تربة خصبة تعتاش عليها التنظيمات الإرهابية.
تجفيف المنابع .. جرد حساب
بينما أصبح شعار «تجفيف منابع الإرهاب» مرفوعا في كل دول العالم، حيث يسعى الجميع لفرض المزيد من السيطرة على حركة الأموال والسلاح والبشر، ومحاولة عرقلة جهود التنظيمات الإرهابية في الاستفادة مما اتاحته تقنيات العالم المعولم وقوانينه الاقتصادية والسياسية. ما زالت العديد من دول المنطقة تقف عاجزة أمام موجات الإرهاب التي تضربها، وتجد ملاذات آمنة في الشروخ المجتمعية التي مثلت بيئة حاضنة يستخدمها الإرهابيون لزعزعة الأمن في دول المنطقة، كما خلق الاحتقان الطائفي الذي تشهده المنطقة والممثل بقطبيه الرئيسيين (إيران وحلفاؤها من جهة، والسعودية وتركيا وحلافاؤهما من جهة أخرى) والحرب بالنيابة التي تخوضها المجموعات المحلية في العراق وسوريا واليمن وليبيا، مساحات واعدة بتمدد التنظيمات الإرهابية وتماهيها مع مخاوف البعض أو لفرض شروط على الشركاء في الداخل عبر الاستقواء بحلفاء خارجيين. من ذلك يمكننا ان نتوصل إلى جرد حساب شبه نهائي مفاده ان الخلاص من الهجمات الانتحارية التي يشنها الإرهابيون على مدن المنطقة لا يمكن القضاء عليها عبر الوسائل العسكرية والأمنية أو من خلال الجهود الاستخباراتية فقط، بل ان الحلول السياسية وتوفير مجتمعات تتمتع بالحد الأدنى من القبول بنظم الحكم التي تحكم دولنا والتمثيل العادل القائم على روح المواطنة سيكون جزءا أساسيا من حل أزمة ارتماء الشباب في حضن التنظيمات الإرهابية، كما يجب ان يتم الاتفاق الإقليمي على نشر ثقافة التسامح جنبا إلى جنب مع ثقافة المواطنة في مؤسسات الإعلام والتعليم لتحصين الشباب من فكر الغلو الذي يســتخدم قتل النفس طريقا لقتل الآخر عبر ترويج الاستثمار في الحياة الأخـــرى واحتقار العمل الجاد والحقيقي لتغيير واقعنا نحو الأحسن.
صادق الطائي