عن بيت الشعر الفلسطيني، صدرت في 2015 مجموعة شعرية جديدة للشاعر العراقي، حميد سعيد بعنوان «أولئك أصحابي» وتضم خمس عشرة قصيدة تتمثل وتستبطن شخصيات روائية عالمية مستقاة من روايات مشهورة، وتأتي هذه المجموعة بعد أكثر من خمسة عشر كتاباً، أغلبها مجموعات شعرية، وعدد من المؤلفات النثرية، إضافة إلى الأعمال الشعرية الكاملة التي صدرت في بيروت عام 2002 .
والشاعر حميد سعيد واحدٌ من شعراء الحداثة العراقيين والعرب المعروفين، الذين قدموا إنجازات مهمة منذ الستينيات، وتواترت مجاميعه الشعرية التي أكدت حرصه البالغ على تطوير قصيدته، والوصول بها إلى آفاق جديدة، في كل مرحلة من مراحل حياته الحافلة بالإنجاز الثقافي، والشعري خاصة.
ذكرني عنوان المجموعة ببيت الشاعر العربي الأموي الفرزدق الذي قال «أولئك آبائي» وقال حميد سعيد «أولئك أصحابي» والعلاقة واضحة، والإحالة جميلة:
أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامعُ
فقد كان البيت حاضراً بكل تأكيد في ذهن الشاعر حميد سعيد وهو يختار عنوانه، الذي يلخص بكل وضوح وشفافية وصدق وكبرياء، موقفه من التطورات التي حصلت عام 2003.
وأحزنني العنوان أيضاً، لما فيه من إحالات عاطفية عديدة، الأولى إن الشاعر يستذكر أصحابه وأصدقاءه الذين قضى برفقتهم العمر كله، ومضوا الآن وقد تفرقت بهم السبل، والثانية إنه يشير إلى شخصيات روائية وكلٌ منها لها حزنها التراجيدي العظيم، وأخيراً، ربما كان يأسف ويأسى مع صيغة تعجب مستترة تشير لمواقف بعض من كانوا أصحاباً وغيرهم الزمان اللعوب بعد الأحداث التي دمرت العراق، وحطمت مستقبله منذ الاحتلال الأمريكي وحتى الآن، وها هو يقول في قصيدة «الأخوة الأعداء» إشارة إلى رواية «الأخوة الأعداء» للروائي اليوناني كازنتزاكي.. عن الحرب الأهلية اليونانية:
«أوَ كنا على موعدٍ بالذي كان/ لا أحد في البلاد التي تتعثرُ بالموت/ ينجو من الموت / من لم يَمُت بالرصاص المخبأ في الخبز/ يقتلُهُ الخبزُ/ ومن لم ينله رصاص الجنود / ناله من رصاص أخيه/ في الليلة الأخيرة من موعدٍ لن يكونَ/ تذهبُ كل نساء القرى بثياب الحِدادِ .. إلى المقبرةْ/ يتبادلن جمر المراثي ويسألنَ عن دم أبنائهنَ/ فارغة كانت القبورُ/ ومهجورةٌ هذه المقبرةْ»
يقول حميد سعيد في هامش تقديمه لهذه المجموعة، مفسراً سبب اقتناصه هذه الرؤية الفنية، التي تعد بمثابة مرجعية إبداعية للقصيدة: «إن مرجعيات الإبداع، هي مرجعيات الحياة، ليس في الشعر حسب، بل في جميع عناوين الإبداع، وإن من يحاصر أفق إبداعه بمرجعية واحدة، أو بمرجعيات محددة، سيكون بمنأى عن جوهر الإبداع.
منذ البدايات، وما زلت أُشرِع أبواب الحياة ونوافذها للقصيدة، من الماضي والحاضر، من العربي والأجنبي، من الشفهي والمكتوب، من الواقعي والأسطوري، مما أسمع وما أرى، من الشعري والنثري، من كل هذه المرجعيات أَفَدتُ، وبها كلها، حاولت إغناء تجربتي الشعرية».
وهو بهذا يؤكد أن تجربته الشعرية مفتوحة على كل الفضاءات الثقافية، العربية والإنسانية التي تظل تمده بكنوز إبداعية لا تنتهي، وهذا ما كان فعله منذ مجموعاته الشعرية الأولى، التي حاورت أكثر من ينبوع شعري واستفادت من التجربة اليومية المعاصرة في الوقت ذاته الذي استفادت فيه من الموروث العربي والإنساني، وكذلك من التجربة الوطنية العربية في العراق والوطن العربي.
كما احتفت قصيدة حميد سعيد بالثقافات المختلفة وبالإبداع في فروع عديدة، فقد وظف الموروث العراقي والعربي القديم، واستجاب لنداءات اللوحة التشكيلية التي أرادت أن تتوحد مع القصيدة، وأخيراً تجربته في تمثل شخصيات روائية عالمية لها صداها في تاريخ الرواية.
يقول في قصيدة «الأخوة كرامازوف»:
«هي أقدارنا ../ يُقبلُ الموتُ مقترناً بالخراب.. وبالشك / وهو يرافقنا حيث كُنا / ويسكُنُ أحلامَنا / إن تعويذةً ورثتها القبيلةُ/ تُبعدُ عن هذه المدينة.. أبناءها / وتُغَيبهم في سراب فرائضها / وتغيبُ ..».
لقد استطاع الشاعر أن يوظف الشخصية الروائية التي تناولها، بحيث تعبر عن حالته أو عن جزء من الحالة العامة التي تقترب منه اقتراباً شديداً، وهو لم يتخذ من هذه المرجعيات مجرد زينة للقصيدة، إنما كانت أساس بنية القصيدة كلها، بدون أن يخرج عن سياقها العام، وبدون أن يفقد بوصلة حركتها مع حركة الرمز ذاته، بحيث يصبح الخاص عاماً، والعام خاصاً.
يقول في مقطع من قصيدة «تجليات الماء» التي يخاطب فيها إيهاب، القبطان، بطل رواية «موبي ديك»:
«لمَ هذا الغباء ؟/ حاولتَ أن تجعل الماء مقبرةً / وحاولَ أنْ يجعل الماءَ.. مملكةً ساحرةْ/ في موانئ باردة/ بانتظارك كل الذين ضيعتهم في المياه البعيدة/ حيثُ اقتفيتَ ما كنتَ تَحسبهُ حُلُماً / ومن أجل وهمٍ تلبَسَ روحكَ / ها أنت.. في هذه المدينة / لا أحدٌ من أباطرة الموتِ / ممن خلعت عليهم برودَ العواصفِ.. يسأل عنك ..». وبدون تفسير غير ضروري يورث المواجع، نستطيع أن نفهم مقاصد الشاعر، من خلال التوازي ما بين الخاص المتعلق بالشاعر نفسه، والعام المعلن في الشخصية الروائية وأسلوب التعامل مع الحدث والزاوية التي التقط فيها الشاعر مشهده.
يُطارده ما تخيَلَ من صورةٍ للبلاد/ ويطرده من تخيلهم أمناء على ما تخيَلَ/ من صورةٍ للبلاد/ خذلتهُ الطيورُ التي اعتكفت في الشتاء/ واعتزلت في الربيع الغناء/ خذلته القصائد.. حينَ تأبطها كذبُ الشعراء / خذلته المدينة.. مُذْ أطفأت قناديل معجمها / لتغدو الكتابةَ.. بلهاء .. بلهاء .. بلهاءْ/ ناضبةً ومُدقعَةً.. كما أفقر الفقراءْ/ يتجمع كالثلجِ.. ثم يذوبْ/ أرهقته الحروب» ـ ملهاة الدكتور زيفاغو ـ
كان حميد سعيد حاضراً في كل قصائد «أولئك أصحابي» بشكل مباشر أو غير مباشر، كما كانت همومه وهموم أصحابه وبلده حاضرةً هي الأخرى.
«وبغربتين/ في الروح والجسد المنافق/ لا يحيط بمائها المر المرائي.. غير ما يهب الخراب/ تتوالد الظلمات في اللغة المُريبة / كل مَن فُتِنوا بها.. ندموا / ومن حاموا على لآلئ فضتها.. تلبسهم سعار / واستباحوا ليل فتنتها.. كما تغدو الذئابُ/ وبغربةٍ أخرى.. تفارقها حرائقها.. ويجفوها الصحابُ» ـ جحيم أنا كارنينا وفردوسها ـ
الحقيقة أنني أبحث عن جمال وتألق القصيدة نفسها قبل أي شيء آخر، مع الاهتمام بالثيمة الروائية للشخصيات وكيفية معالجة أوضاعها السردية والفنية.
إننا نتوجه إلى القصيدة لنتقصى جمالياتها المنبثقة من بين أصابع الشاعر نفسه، وسنعرف كيف تعامل الشاعر مع رمز أو قناع الشخصية الروائية، وحميد سعيد شاعر خبير في توظيف مختلف المرجعيات لخدمة قصيدته، وهو طالما وجد آفاقاً ممتدةً من الشاعر إلى القصيدة، مروراً بكل تقنيات القصيدة الحديثة، وها هي قصائد هذه المجموعة الأسيانة تحفل بكل مفردات الجمال، الجمال الذي يسبق كل شيء آخر.
ونشهد بأن قصيدة حميد سعيد ظلت تحمل راية الوطن والأمة والإنسان العربي، وظل أميناً على مسيرته الوطنية والأدبية، وهذا ما سيسجله له التاريخ «ولأصحابه» من غاب منهم ومن حضر أيضاً.
« كأن الذي كان.. كل الذي كان/ صار سؤالاً / أما زلتَ بعد الذي كان.. كل الذي كان../ تزعمُ إن الجمال/ يرفع راياته في مواجهة القوة الغاشمة؟/ منذ سقراط والفلسفةْ/ تتخيلُ فردوسها.. وتُسيجهُ بالملاحم والشعر والمعرفةْ/ وفي كل عصرٍ يجيء الغزاة، بما تحمل الآزفةْ/ فتمحو السطور التي خطها الحكماء، كما تفعل العاصفةْ» ـ صمت البحر .. ثانية ـ
٭ شاعر عراقي يقيم في مصر
أمجد محمد سعيد