الشهادة والمركز … إعفاءٌ من الإبداع

حجم الخط
1

الشكوى من تدنِّي المستوى المعرفي لأساتذة جامعيين تكاد تكون ظاهرة مشهورة، في جامعات عربية عدّة، وأنَّ كثيرين منهم لا يقدِّمون شيئا يُذكَر، على صعيد البحث والإبداع العلمي.
حدَّثني غيرُ واحد، ممَّن حصلو على شهاداتٍ علمية، دكتوراه وماجستير، من جامعات متباينة، عن أنفسهم وأطروحاتهم، أنهم لا يفقهون شيئا ممّا ضمّنوه فيها(!) هذه ليست حالاتٍ نادرة، وإنْ كان جهل الباحثين بمضمون أطروحاتهم متفاوتا، لكنها تجتمع على الجوهر، وهو افتقاد (البحث العلمي) معناه، وأخْذُه في التحوّل إلى مجرّد إجراءٍ شكلي.
مع أن هذه الأطروحة تُعَدّ- بحسب النظام الجامعي الذي يعتمدها- مؤشِّرا على استحقاق الباحثين/ الطلاب، الشهادة العلمية؛ لكونها تعبِّر عن امتلاك الباحث قدرةً بحثيَّة، وأدوات البحث العلمي، وروحيَّة الباحث، ثم لكونها وسيلةً ضرورية لنوعٍ من الإضافة العلمية، أو محاولة الإضافة بجِديَّة.
بالطبع هذا يُحيلنا إلى الشروط والمعايير التي تضعها الجامعات العربية، أو قسم منها، لنيل شهاداتها، ثم لتمكين حامليها من تسنُّم مراكز علمية، قد تكون جامعيَّة، قد تعيد، للأسف، إنتاج هذا التزييف؛ إذ فاقد الشيء لا يعطيه.
المؤسسة العلمية تفقد سلطتها لصالح سلطة المال، أو سلطة السياسة، فإذا لم يكن ثمة التزام حقيقي بمعايير الجودة النظرية، مُجسَّدا في مُخرَجات التعليم، من حيث جودة الأطروحة، باستيفائها أصالة البحث، وعمق التناول، وجِدّته، والجدلية العلمية مع الآراء والتفسيرات المختلفة، بشخصية الباحث الناضجة، وليس بنقولات واقتباسات معلنة، وأخرى مخفيَّة، ومضمرة، فالأطروحات ليست حينها إلا اكتظاظا ضارَّا، وأحيانا، حاجبا، أكثر منه، آفاقا جديدة ونوافذ.
كان في إمكان صاحب المال، أو الطامح في السياسة أن يحوزهما، دون نيل شهادة علمية عالية، على الأقل، لكن كما نتذكر فيلم « مرجان أحمد مرجان» لعادل إمام، يندفع أحد المنتمين إلى عالم المال لنيل الشهادة العلمية؛ للوفاء بمتطلبات أبعد ما تكون عن المعرفة والعلم…مع أن الفيلم المذكور عدّل من الدوافع لاحقا.
لكن هذا المستخدم للعلم كوسيلة، كأداة، من أجل تعزيز المركز الاجتماعي، أو سواه، إنما يفهم قواعد اللعبة، وحالة التلفيق والتزييف التي تحياها مجتمعاتٌ عربية، عندما لا يقع التمييز بين الرموز والمدلولات الحقيقية، أو حين تحلُّ الرموز محلَّ الحقائق المرموز إليها، كما يلفت محمود درويش – ولو نستعير التعبير الذي ورد في سياق سياسي- إلى حلول الرموز كالعلم والنشيد الوطني محلَّ الوطن والسيادة.
وعندما لا يكون ثمة تقدير للنتاج العلمي، أو الإنتاجية التي عليها المُعوِّل لدى الدول المنتجة، كأمريكا، وغيرها، في تقدير كل حامل شهادة، وغيره، حينها الشهادة، على علاتها، هي كلمة السرّ.
قد لا نطمح في دور ثقافي تغييري ارتقائي للكفاءات العلمية، على الصعيد الاجتماعي، بحكم انشغالاتهم العلمية النظرية، وبحكم ما قد يضفيه الطابع الأكاديمي، غالبا، على شخصية النشاط والشخصية، وبحكم قيود، أو كُلَف قد لا يطيقها، أو يكون الأكاديميون مستعدين لتحمُّلها،لكن كيف لنا أن نرضى، بعطالة، أو خمول، حتى في صلب الدور والموقع، إنها مسألة أخلاقية قبل أيِّ اعتبار، أو حسبان، فكما يؤدِّي أيُّ عامل دورَه، ومهنته، (حتى ما يراها قسم من العرب مهنا متواضعة، كمهنة عامل النظافة)، بشرف وكفاءة مشكورة، مسوّغا وجودَه، كذلك ينبغي وأكثر على من حاز موقعا، أو حِيز له موقع تأثيري، ومقدَّرات بحثية، يَشْغَلها، ولا يُشغّلها، في تواطؤ، مع المؤسسة العلمية التي ينتمي إليها. صحيح أن ثمة تراتبية علمية تنبني، وتتلاءم، مع ما أنجزه الأكاديمي الجامعي من أبحاث محكَّمة، ولكن السؤال هو عن أصالة هذه الأبحاث، فعلا، (ولا ننكر وجود مجلات علمية محكّمة ذات معايير موضوعية رصينة، وجامعات كذلك) كما هو السؤال، قبل ذلك، عن موقعيّة تلك الأبحاث، ودرجة أهميتها، لبقائه، في هذا المركز أشبه أحيانا، بالمخلّفات الثقافية التي فارقتْها منظومتُها القديمة، فيما بقيتْ هي لأسباب مجهولة، وقد يكون لتلك المخلّفات الثقافية سببٌ حقيقي أبقاها، ولكننا نجهله، غير أن كثُرا من حملة شهادة الدكتوراه يبقون في مراكزهم لغير أسباب، أو مسوّغات، إلا من أسباب لا تمتُّ بصلة، للسبب الحقيقي، هنا.
فهنا المشكلة، أو الأزمة، ذات بعد اجتماعي، تعليمي، لضعف التعويل على التحصيل العلمي، والإبداع في عملية التقييم، والترقيات، والبعد الثاني الذي لا يقلّ أهمية هو أثر التعليم المدرسي المُمهِّد للمرحلة الجامعية، في تكوين العقل الباحث الناقد، وكذلك، بالطبع، المرحلة الجامعية الأولى التي يُفترض أنها تصقل تلك العقلية البحثية، وتؤهِّلها للبحث الحقيقي، لكن للأسف، لا الجامعة تُكمِل، ولا المدرسة تؤسِّس.
إذ يغلب على التعليم في البلاد العربية البعدُ المعلوماتي الاستظهاري الذي قلَّما يُسهم في بلورة تفكير مستقل، أو يكرِّس لتفكير منتج. بل قد يؤدي إلى نتائج عكسيَّة، كما يقول ألبرت أينشتاين: « لقد كان على المرء أن يحشو عقله بكل هذه المواد، سواء أكان يحبها أم لا، وكان لهذا الإجبار أثر بلغ من سوئه عليَّ أنني وجدت، عندما اجتزت الامتحان النهائي، أن النظر في أية مشكلات علمية أمرٌ بغيض لمدة عام كامل».
وقديما أكّد ابن خلدون على أهمية تحقيق المَلَكة والحِذق في العلوم، إذ قال:» وأيسر طرُق هذه المَلَكة فَتقُ اللسان بالمحاورة والمناظرة في المسائل العلمية، فهو الذي يقرّب شأنها، ويحصّل مراميها، فتجد طالبَ العلم منهم بعد ذهاب الكثير من أعمارهم في ملازمة المجالس العلمية، سكونا لا ينطقون ولا يفاوضون، وعنايتُهم بالحفظ أكثر من الحاجة؛ فلا يحصلون على طائل من مَلَكة التصرف في العلم والتعليم، ثم بعد تحصيل من يرى منهم أنه قد حصّل تجد مَلَكته قاصرةً في علمه، إنْ فاوض، أو ناظَر، أو علّم.» فالملكة لا تكون إلا بمحاورة الطالب للعالم أو المعلم، وبخوض المتعلم المناظرة، حينها يَمتحِنُ تلك المعارفَ والأفكار، وأيضا يحقق انتقالَ تلك المعارف إلى مسائل مندرجة تحتها، ولا يظل متعلما سلبيا ساكنا أثناء التعلم، وقاصرا علمُه عن توظيفه بالنطق والمفاوضة، والتعليم الحقيقي، حتى.
لكن لا يزال الغالب، في مجمل البلاد العربية، ولا سيما لدى المؤسسات التعليمية الحكومية، هو الاستسهال بالاعتماد على التلقين، والحفظ غير المستنير، في المدرسة، ثم الاستمرار به، في الجامعة، وهنا قد ندهش من سلوكات بعض الأساتذة الجامعيين، ممن يجبرون طلابهم، مستغلِّين، صلاحياتهم شبه المطلقة في التنجيح والترسيب، ويبتزونهم لشراء كتب أعدّها أولئك (الأساتذة)، ليطمس هذا الكتاب، تلك النوافذ المتاحة، من كتب في موضوع المساق نفسه، ينبغي للطالب أن يعود إليها.
وشبيهٌ بهذا، أو من ذات المنبع، وهذا النوع من القيم المادية (الفهلوية) يتفرَّد، أو يؤثِّر المشرف على الأطروحة، في اختيار لجنة المناقشة، أو الممتحنين الداخليِّين، والخارجيِّين، ممَّن تربطه بهم علاقات شخصية، لإسلام هذا الطالب إلى درجته العلمية بأمان، إلا من بعض التعديلات الشكلية، غالبا، وهنا قد يكون بالإمكان عرض كلّ فصل، أو باب، ينجزه الباحث على لجنة من المُحكّمين، المجهولين للطالب وللمشرف، لضمان صدقيَّة أكبر، أسوة بما تفعله المجلات العلمية المحكَّمة الرصينة. لا أنْ ينفرد المشرف في تقرير صلاحية الأطروحة، ثم تُدفَع جملة واحدة، إلى المناقشين، وليس أمامهم إلا أن يجيزوا صاحبها.
كما أن من الممكن تحفيزا للأبحاث والأطروحات القيّمة تفعيل نوع من المسابقات العلمية؛ للإشادة بأكثرها أصالة وإضافة في موضوعها. على مستوى القُطر العربي، وعلى مستوى العالم العربي، أيضا.
وفي غياب كلِّ تلك المعايير الضرورية تظلُّ الشهادات، أو كثير منها مجرَّد وسيلة أداتية للوصول إلى المركز العلمي، ثم التشبُّث به، بوسائل وشبكة علاقات ليست الكفاءة والتجديد العلمي مِن ضمنها، بدل أن يصبح هذا المركز سببا، أو بيئة مساعدة ومحفّزة للإنتاج العلمي المتتابع، يتخذه (صاحبُه) مُستراحا، ووجاهةً طالما حلم بها.

الشهادة والمركز … إعفاءٌ من الإبداع

د. أسامة عثمان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية