ونحن على بعد بضعة أشهر من الانتخابات التشريعية التي ستجرى في المغرب يوم 7 أكتوبر المقبل، يطرح سؤال الحصيلة الحكومية على طاولة النقاش العمومي بخلفيات مختلفة.
التقييم الموضوعي لحصيلة الحكومة على جميع الأصعدة ينبغي أن يستحضر السياق العام الذي جاء بهذه الحكومة، والذي تميز بظرفية إقليمية غير مستقرة وبحراك شعبي كشف عن هشاشة الوضعية السياسية والأمنية لمجموعة من بلدان المنطــــقة، وقد لاحظنا ذلك على الصعيد الداخلي، من قبيل الاحتلالات غير المشروعة للفضاءات العامة والإضرابات «العشوائية» في المصالح العمومية وفي القطاع الخاص، أما على الصعيد الاقتصادي فقد لاحظنا وجود اختلال كبير للتوازنات الماكرو- اقتصادية مع نهاية 2011، خاصة ارتفاع عجز الميزانية الذي بلغ 7.3٪ من الناتج الداخلي الخام، وتفاقم عجز الحساب الجاري لميزان الأداءات الذي فاق 9٪ من الناتج الداخلي الخام.
كل هذه التحديات تطلبت من الحكومة أن تتعاطى معها بأسلوب التعاون والتشاور بين المؤسسات عِوَض منطق المواجهة الصدامية العقيمة، مع نبذ أي سلوك إقصائي أو استبدادي إزاء مختلف الفاعلين السياسيين والاقتصاديين ومنظمات المجتمع المدني، ونهج أسلوب التواصل الصريح مع المواطنين ومختلف المؤسسات التمثيلية، من خلال تقديم المصلحة العليا للبلاد، والتقيد بالتزامات معقولة ومسؤولة، ورفض أي ديماغوجية أو أي التزام متهور. وهكذا لاحظنا أن الحكومة اعتمدت منهجية جديدة في تدبير الشأن العام، قوامها العزم القوي على تحمل مسؤولية اتخاذ القرارات الضرورية بدل الاستسلام والركون للانتظارية وللحسابات الانتخابوية الضيقة، والإصرار على الوفاء بالالتزامات والاتفاقات عوض المماطلة والتأجيل، ونهج الحوار والمقاربات التشاركية، مع ربط المسؤولية بالمحاسبة والحقوق بالواجبات.
وبالموازاة مع مشاريع القوانين المهمة التي بلورتها هذه الحكومة، خاصة القوانين التنظيمية المكملة للدستور من قبيل قوانين السلطة القضائية والمحكمة الدستورية والقانون التنظيمي للمالية وللعرائض وملتمسات التشريع وغيرها، تنبغي الإشارة إلى نجاح الحكومة في استرجاع السير الطبيعي للمرافق العمومية، مع احترام الحق الدستوري في الإضراب، بالموازاة مع تطبيق مبدأ الأجر مقابل العمل، والحرص على تطبيق واحترام القانون في ما يخص الجمع بين العمل في القطاع العام والقطاع الخاص والحد التدريجي من احتلال الملك العام والفضاءات العمومية بشكل غير مشروع، من قبل الحركات الاحتجاجية، وهو الاحتلال الذي كان يلحق أضرارا بمصالح تجار وساكني الأحياء المركزية للمدن، كما نجحت الحكومة في اعتماد معايير الاستحقاق والكفاءة كمحدد للولوج إلى الوظيفة العمومية عبر نظام المباراة، وضمان تكافؤ الفرص والاستحقاق، وكذا ترسيخ مبادئ الشفافية والمحاسبة في ما يخص التعيين في المناصب العليا والوظائف السامية.
إن نجاح السياسات الاجتماعية رهين بالإصلاحات الاقتصادية الكبرى، وأهم إنجاز على هذا المستوى تمثل في إصلاح نظام المقاصة ورفع الدعم عن المنتجات البترولية بشكل تدريجي وتقليص الكلفة الإجمالية للدعم (من 56.5 مليار درهم سنة 2012 إلى 14.1 مليار سنة 2016)، ما مكن من تخفيض عجز الميزانية وتوفير موارد مالية إضافية لتنفيذ عمليات لفائدة السكان الأكثر فقرا والمناطق الأقل حظا. مع إطلاق ورش إصلاح أنظمة التقاعد كمرحلة أولى، لإنقاذ نظام المعاشات المدنية المهدد بالعجز عن أداء معاشات حوالي 400 ألف متقاعد في أفق سنة 2022، من خلال اعتماد إصلاح مقياسي، وإحداث نظام تقاعد لفائدة العمال المستقلين والأشخاص الذين يزاولون مهنة حرة أو عملا غير مأجور والرفع التدريجي من الحد الأدنى للمعاش الشهري من 1000 إلى 1500 درهم.
كما عملت الحكومة على إصلاح القانون التنظيمي لقانون المالية وتكريس مجموعة من المبادئ والقواعد الميزانياتية التي تهدف إلى التحكم في النفقات (الطابع التقييدي لنفقات الموظفين، والحد من ترحيل اعتمادات الاستثمار، وترشيد الدين العمومي)، وتعميق شفافية الميزانية، وتعزيز المراقبة والتقييم والمساءلة.
بدون أن ننسى إنقاذ المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب وإصلاح النظام التعريفي لخدمات الكهرباء والماء الصالح للشرب والتطهير، بدون المس بأسعار الاشطر الاجتماعية، ما مكن المكتب من الاستمرار في تقديم وظيفته المرفقية الاستراتيجية واسترجاع ثقة المستثمرين والممولين لإنجاز الاستثمارات اللازمة للاستجابة للطلب الوطني المتزايد على الكهرباء والماء (مشروع إنشاء محطتين حراريتين بآسفي بقيمة مالية تناهز 26 مليار درهم). كما تم تسجيل نجاح مهم لعملية المساهمة الإبرائية على الأصول المملوكة خارج المغرب التي اختتمت في 31 ديسمبر 2014 وقد ناهز مبلغ التصريحات 27.8 مليار درهم، متجاوزا بكثير المبلغ المتوقع في خمسة مليارات فقط، ما مكن من استخلاص مبلغ يزيد عن 2.3 مليار درهم تم ضخه في صندوق التماسك الاجتماعي، كما ساهمت هذه العملية في تعزيز احتياطي العملة الصعبة لبلادنا، وكذا تحفيز المداخيل الموجهة لدعم الاستثمارات.
بعض الجهات تعتبر أن الحكومة لم تكن في مستوى السهر على تنزيل المكتسبات الدستورية التي جاء بها الربيع العربي، وأن هامش الصلاحيات مازال على عهد ما قبل دستور 2011..
والحقيقة أن التطور الذي جاء به دستور 2011 كان متقدما عن دستور 1996، ولكنه لم يصل إلى درجة الترسيخ النهائي للنظام البرلماني وترسيخ السلطة التنفيذية بيد الحكومة المنتخبة، ولذلك فإن التقييم الموضوعي ينبغي أن يراعي أن النظام الدستوري المغربي الذي لازال يحتفظ بموقع الصدارة للمؤسسة الملكية، فضلا عما تقتضيه طبيعة المرحلة الانتقالية من مرونة لضمان نجاح عملية نقل بعض الصلاحيات من سلطة إلى أخرى، من ذلك على سبيل المثال ما تعرفه عملية نقل الاختصاصات من الولاة إلى رؤساء الجهات، من مشاكل وتعقيدات تتطلب الكثير من الحكمة والمرونة، وهو ما سعت هذه الحكومة إلى ترسيخه كثقافة لإنجاح مسار الانتقال. لكن من الناحية المؤسساتية يمكن القول بأنه تمت إعادة الاعتبار لمنصب مؤسسة رئاسة الحكومة التي نجحت في التموقع السياسي والرمزي كمؤسسة ذات صلاحيات تدبيرية مهمة تشتغل في نطاق نظام دستوري ظل يحتفظ لرئيس الدولة بموقع الصدارة في النظام السياسي والدستوري المغربي.
٭ كاتب مغربي
د. عبد العلي حامي الدين